المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ~][ القرآن الكريم ][~


نور العين
26-Nov-2004, 10:04 AM
في هذا الموضوع...
أستعرض بعض المعلومات التي تخص القرأن الكريم...
من جمع القرآن....نزول القرأن وغيرها..

نفعنا الله وإياكم به....

المصدر : الشبكة الإسلامية

نور العين
26-Nov-2004, 10:06 AM
مقدمات في القرآن


القرآن والعربية

القرآن رسالة السماء إلى الأرض، فمن أراد أن يفهمه على هذا النهج فقد وقف بنفسه على مواطن العظمة، ومواضع الإعجاز فيه. ومن أراد أن يعرف أثره في اللغة العربية فلينظر ذلك الأثر في حياة المسلمين عقيدة وسلوكاً، ليرى ذلك واضحاً وجلياً.

ولكن قد تَقْصُر الأفهام عن المراد من آية من آياته، فيُظَنُّ أنها جاءت على غير ما تعارف عليه أهل اللغة.

وقد يَعْجَز البصر عن الوصول إلى إعجاز نحوي جاء في أثناء آية، فيذهب الظن إلى أن القرآن قد تجاوز قواعد اللغة وما تعارف عليه أهلها، وهذا - لاشك - قصور وعجز في الإنسان عن إدراك لغة القرآن وأساليبه البيانية، فهو كتاب رب العالمين، ومحال أن يناله تجاوز أو خطأ أو مجافاة للذوق اللغوي، فضلاً عن أنه أساس اللغة العربية، ومنه تُستنبط القواعد اللغوية.

وفي هذه العجالة سوف نأتي على بعض الأمثلة، التي قد يُظن أن فيها خطأ نحويـًا، أو أنها تجافي لسان العرب ومعهودهم، ونبين توجيه العلماء لها.

المثال الأول: قوله تعالى: { إنَّ مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون} (آل عمران:59) والإشكال الذي قد يَرِد هنا، قوله تعالى: {فيكون} حيث جاء الفعل مضارعاً، مع أن الحَدَثَ قد حصل وانتهى. وأُجيب عن هذا بأن الفعل جاء حكاية لحال ماضية، فيجوز فيه الوجهان، فلا إشكال إذن.

المثال الثاني: قوله تعالى: {إنَّ رحمت الله قريب من المحسنين} (الأعراف:56) والسؤال: لماذا جاءت الصفة وهي قوله تعالى: {قريب} مخالفة للموصوف، وهو قوله: {رحمت} مع أن الأصل موافقة الصفة للموصوف، تذكيراً وتأنيثاً؟ وأجيب عن هذا بأجوبة نختار منها اثنين:
- أن {قريب} صفة لموصوف محذوف، تقديره: شيء قريب.
- أنَّ {قريب} على وزن فعيل، وما كان كذلك فيصح أن يوصف به المذكر والمؤنث.
ومثل هذه الآية أيضاً، قوله تعالى: {لعل الساعة قريب} (الشورى:17) والتقدير في الآية: "لعل مجيء الساعة قريب" وهذا جائز بلا خلاف يُذكر.

المثال الثالث: قوله تعالى: {والله ورسوله أحق أن يرضوه} (التوبة:62).
والسؤال، لماذا جاء الضمير في قوله تعالى: {يرضوه} بصيغة المفرد؟ وأُجيب عن ذلك بأنه لا فرق ولا تفاوت بين رضا الله تعالى، ورضا رسوله صلى الله عليه وسلم، فكانا في حكم مَرْضيٍّ واحد، كقولك: إحسان زيد وإكرامه نعشني وجَبَرَ مني. ولك أن تقول: هو من باب التقديم والتأخير، وعلى هذا يكون المعنى: والله أحق أن يرضوه، ورسوله كذلك. وهذا من البلاغة أيضـاً، فتنبه إليه.

المثال الرابع: قوله تعالى: {فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابت الجب وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون} (يوسُف:15) فإن قلت: أين جواب "لمَّا" ؟ قلنا: جوابها محذوف؛ لاستطالة الكلام مع أمن الالتباس، ولأن في الآية ما يدل عليه، وهو قوله تعالى: {وأوحينا إليه} والحذف أولى من الإثبات، للوجازة والبلاغة.

المثال الخامس: قوله تعالى: {هذان خصمان اختصموا في ربهم} (الحج:19) قد يُشْكِل في الآية مجيء الفعل {اختصموا} بصيغة الجمع، مع أن الفاعل {خصمان} قد جاء بصيغة المثنى. وأجابوا عن ذلك، بأن قوله تعالى: {هذان خصمان} هو لفظ، فكل خصم فريق، وكل فريق مؤلَّف من عدد من الخصماء، وقوله: {اختصموا} هو للمعنى - وهو مجموع الخصماء - لا للفظ - وهو الخصمان - فناسب أن يقول: {اختصموا} لأن كل فريق من الذين كفروا والذين آمنوا كبير. وليس في شيء من هذا ما تأباه اللغة، وذلك ظاهر لمن خَبُر العربية وتذوقها.

المثال السادس: قوله تعالى: {إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما} (التحريم:4) الخطاب في الآية لأُمِّ المؤمنين عائشة وحفصة، رضي الله عنهما، واستعمال الجمع في قوله: {قلوبكما} مكان المثنى أو المفرد أو العكس أمر وارد وصحيح في اللغة، على سبيل النيابة، أي يُذكر الجمع ويُراد به المثنى أو المفرد. ووجَّه بعض العلماء الآية بأن أقلَّ الجمع اثنان، وعلى هذا التوجيه فلا إشكال حينئذ.

وهكذا يتضح بكل جلاء أنه لا تعارض بين ما جاء في القرآن الكريم وبين بعض القواعد التي أصَّلها أهل اللغة والنحو، وإن كان شيء من هذا القبيل، فمردُّه إما إلى الاختلاف في نفس القاعدة، وإما إلى الجهل بأساليب اللغة العربية، التي هي في الأساس مستخْلَصة من لغة القرآن، ولاشك أن كتاب الله هو أول حجة في جواز شيء أو عدم جوازه، لذا كان أحق أن يُتَّبع، والله يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم.

نور العين
26-Nov-2004, 10:06 AM
ولقد يسرنا القرآن للذكر (حفظ القرآن الكريم)



من خصائص القرآن الكريم أنه كتاب يسره الله تعالى للحفظ والذكر، قال تعالى: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ} (القمر:17) وهذا طريق من الطرق التي هيأها الله لحفظ كتابه الكريم من التبديل والتحريف والضياع، تصديقاً لقوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (الحجر:9) فالقرآن الكريم هو الكتاب الوحيد الذي حفظه الله بحفظه، وسلّمه من كل تبديل أو تغيير، ليكون حجة على الناس يوم الدين.

ولقد استفاضت الأحاديث النبوية المرغِّبة بحفظ القرآن، نذكر منها قوله صلى الله عليه وسلم: ( يجيء صاحب القرآن يوم القيامة، فيقول: يا رب حلِّه، فيُلبس تاج الكرامة، ثم يقول: زده، فيُلبس حُلَّة الكرامة، ثم يقول: يا رب ارضَ عنه، فيرضى عنه، فيقال له: اقرأ وارق، وتزاد بكل آية حسنة ) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح، ورواه الحاكم وصححه.

ومن ذلك أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم: (يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارقَ، ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها) رواه أحمد .

ولمنـزلة حافظ القرآن وفضله، فقد أرشد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحقيته وأفضليته في إمامة الصلاة، فقال: ( يؤمُّ القوم أقرؤهم لكتاب الله ) رواه مسلم.

وبلغ من إكرام رسول صلى الله عليه وسلم لِحَفَظَةِ كتاب الله أن قدَّمهم على غيرهم في اللحد في غزوة أحد، فكان صلى الله عليه وسلم، إذا أراد أن يدفن رجلين سأل: ( أيهم أكثر أخذًا للقرآن - أي حفظًا لكتاب الله - فإن أُشير له إلى أحدهما قدَّمه في اللحد) رواه البخاري .

ويكفي أهل القرآن شرفًا أن أضافهم الله إلى نفسه، واختصهم بما لم يختص به غيرهم، ففي الحديث يقول عليه الصلاة والسلام: (إن لله أهلين من الناس، فقيل: مَن هم؟ قال أهل القرآن، هم أهل الله وخاصته ) رواه أحمد .

ولما كانت هذه مكانة حفظ القرآن وحفظته، فقد وجدنا صغار الصحابة وشبابهم رضي الله عنهم، كعمرو بن سلمة، والبراء بن عازب، وزيد بن حارثة، وغيرهم كثير، يحرصون على تعلم القرآن وحفظه، حتى إن زيد بن ثابت رضي الله عنه كان من الحفظة الأثبات، الذين اعتمد عليهم أبو بكر وعثمان في جمع القرآن الكريم.

وقد سار سلف هذه الأمة من التابعين ومَن بعدهم على هدي الصحابة، في حفظهم لكتاب الله، ولو رجعنا إلى تراجم أهل العلم لوجدنا أن جُلَّهم قد حفظ القرآن الكريم، ولمَّا يجاوز الخامسة عشرة من عمره.

ثم لْتَعْلَمْ - أخي الكريم - أن لحفظ القرآن الكريم آداب ينبغي مراعاتها والحفاظ عليها، ويأتي في مقدمة هذه الآداب الإخلاص لله، فإن الله لا يتقبل من العمل إلا ما كان خالصًا له، قال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ له الدين} (البينة:5). ولا يكن حفظك للقرآن لدنيا تصيبها، أو سمعة تقصدها، أو منصباً تبتغيه. وقد ثبت في الحديث، أن من تسعَّر بهم النار يوم القيامة ثلاثة، منهم ( رجل تعلَّم العلم وعلَّمه، وقرأ القرآن، فأُتيَ به فعرَّفه الله نِعَمَه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ، فقد قيل، ثم أُمر به فسُحب على وجهه ثم أُلقي في النار ) رواه مسلم .

ثم يأتي بعد الإخلاص العمل بالقرآن والالتزام بأوامره ونواهيه، وهذا هو المقصد الأٍساس الذي نزل القرآن لأجله، فالحفظ ليس غاية في ذاته، بل هو وسيلة لغاية، فلا تفرَّط بالعمل لأجل الحفظ، ولكن لِتَحْفَظَ لأجل العمل، ولهذا كان القرآن حجة للعاملين به، وحجة على المعرضين عنه، وقد صح في الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: (والقرآن حجة لك أو عليك ) رواه مسلم .

ويدخل في موضوع العمل بالقرآن التخلق بأخلاقه، فعلى حافظ كتاب الله، أن يكون قرآناً يمشي بين الناس في سلوكه وأخلاقه، فلا يكون متكبراً أو مستعلياً على عباد الله، بل ليكن عليه سمت الخشوع والوقار والخضوع لله، والتذلل لإخوانه المؤمنين.

ومن آكد ما ينبغي لحافظ القرآن الاهتمام به، تعاهد القرآن بالمراجعة والمدارسة، كيلا ينفلت منه ما أكرمه الله بحفظه. وقد ثبت في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( تعاهدوا هذا القرآن فوالذي نفسي محمد بيده لهو أشد تفلُّتاً من الإبل في عُقُلِها ) رواه البخاري و مسلم .

ثم اعلم - أخي وفقك الله - أن حفظ القرآن لابد أن يُتلقى عن أهل العلم، المشهود لهم بالعلم والصلاح أولاً، ومن ثَمَّ تأتي الوسائل المساعدة على ذلك، كالمذياع والمسجلة وغيرها من وسائل التعليم المعاصرة، لتكون عوناً وسنداً لما تم تلقِّيه بداية.

ومن الأمور التي تساعدك على حفظ القرآن الكريم وتيسِّرَه عليك، تخصيص ورد يومي لتحفظه، كصفحة مثلاً، ولا نرى لك حفظ مقدار كبير بشكل يومي، كيلا تدخل السآمة على نفسك، وحتى تستطيع مراجعة وتثبيت ما تم لك حفظه، ولا تنسَ الدعاء في ذلك، ففيه عون لك - إن شاء الله - على الحفظ، واستعن بالله ولا تعجز. وفقنا الله وإياك لصالح العمل، والحمد لله رب العالمين.

نور العين
26-Nov-2004, 10:06 AM
التجويد علماً وتطبيقاً


كان القرآن الكريم وما يزال هدى الأمة الذي اهتدت به في درب حياتها، فمنه استمدت قوتها وحيوتها، وبالاعتصام بحبله كانت عزتها وكرامتها، وهو سيظل مصدر قوتها وعزتها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

ولقد اجتهد المسلمون - ولا يزالون - في خدمة القرآن الكريم، اجتهاداً لم يحظَ به كتاب آخر، حفظاً وكتابة وجمعاً، فأنشؤوا المعاهد ودُور العلم الخاصة بتعليمه وتحفيظه جيلاً بعد جيل، كل ذلك تصديقاً وتحقيقاً لقوله تعالى: { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون} (الحجر:9).

وكان المسلمون الأوائل - لسلامة فطرتهم وسليقتهم العربية الصحيحة - يتلون كتاب ربهم تلاوة مجوَّدة، كما تلقوها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أنه وبعد اختلاط العرب بالعجم، ودخول عدد كبير من العجم في دين الإسلام، بدأ اللحن يتسرب إلى الألسنة، وبدأت العُجْمَة تفشو في كلام الناس، فهبَّ العلماء لوضع قواعد تضبط قراءة القرآن الكريم قراءة صحيحة وسليمة، واعتبروا مراعاة تلك القواعد عند قراءة القرآن فرض عين على كل قارئ لكتاب الله الكريم.

وكان مما عُني به المسلمون من علوم القرآن علم التجويد، الذي هو من أشرف العلوم وأجلُّها، إذ بمعرفته تُعرف القراءة الصحيحة لكتاب الله، وبالجهل به يكون الجهل بكتاب الله.

وقد بحث علماء التجويد في هذا العلم، أحكام التلاوة من إظهار وإقلاب وإدغام وإخفاء، وصفات الحروف ومخارجها، ونحو ذلك من الأبحاث التي تكفلت كتب علم التجويد ببيانها.

وقد قسَّم علماء التجويد التلاوة القرآنية إلى ثلاثة أقسام:
الأول الترتيل: وهو القراءة بتؤدة واطمئنان، مع إعطاء الحروف حقها ومستحقها، من المخارج والصفات.
الثاني الحَدْر: وهو سرعة القراءة.
الثالث التدوير: وهو التوسط بين الترتيل و الحدر.

والأحكام التجويدية ينبغي أن تُلحظ في هذه الأقسام الثلاثة، ولا ينبغي تفويت شيء منها، في أي قسم من هذه الأقسام.

وكم هو جميل - أخي الكريم - وحَسَنٌ أن نقرأ كتاب ربنا كما أنزل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وكما قرأه صلى الله عليه وسلم على صحابته الكرام، وكما أقرأه أصحابه الكرام لتابعيهم، إلى أن وصل إلينا محفوظاً بالسند الصحيح، مبرَّأً من كل عيب وتلويث.

وبالمقابل لا عذر للمسلم أن يهجر كتاب ربه، أو أن يعرض عن تلاوته وقراءته القراءة الصحيحة، بعد أن هيأ الله له من الوسائل والأسباب ما يستطيع معها تعلم القراءة الصحيحة للقرآن الكريم.

وَلْتَعْلَم - أخي الكريم - أولاً، أن التلاوة الصحيحة تُعين القارئ لكتاب الله على فهمه الفهم الصحيح، أما القراءة غير الصحيحة فلا تأتي بالفائدة المرجوة، ومن هنا كان تعلُّم أحكام التجويد أساساً لقراءة القرآن الكريم.

ثم لتعلم - أخي الكريم - ثانياً، أن هناك فرقاً بين تعلم أحكام التجويد ومعرفتها من جهة، وبين تطبيقها التطبيق الصحيح من جهة ثانية، وأن العلم والمعرفة شيء، والتطبيق والممارسة شيء آخر. ومع أن تعلُّم علم التجويد ومعرفته وسيلة وسبب للتطبيق، إلا أن الأمر المهم هنا، تطبيق تلك الأحكام حال قراءة القرآن. وليس كل مكلف مطالبٌ بمعرفة علم التجويد معرفة تامة، بل المطلوب والمهم، قراءة القرآن قراءة صحيحة، وهذا يكون عن طريق تلقي القرآن الكريم عن أهله، والقراءة عليهم، ثم لا حرج عليك بعد ذلك إن لم تكن على معرفة تامة بتفاصيل علم التجويد.

وأخيراً لا آخراً، لا أحسب أن يغيب عنك، أن المقصد الأساس من تلاوة القرآن، التدبر والفهم والعمل، فلا يكن قصدك من القراءة الإتيان بالأحكام التجويدية فحسب، وإنما عليك أن تعلم أن تلك الأحكام وسيلة، وطريق لفهم القرآن حق فهمه، ومن ثَمَّ العمل بما جاء به من أحكام وإرشادات. وفقنا الله وإياك لصالح الأعمال، ونسأله تعالى أن يرزقنا تلاوة كتابه التلاوة الصحيحة، آناء الليل وأطراف النهار، إنه خير مسؤول، ونعم المجيب، والحمد لله رب العالمين.

نور العين
26-Nov-2004, 10:07 AM
العمل بالقرآن



القرآن الكريم دستور المسلمين، والغاية الأساس من نزوله العمل بما جاء فيه من الأوامر والنواهي، فهو ليس كتاباً للقراءة فحسب، بل جعله الله نوراً وهدى للناس ليعملوا بما فيه وليلـتزموا حدوده، قال تعالى: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ} (الأعراف:3) فمن ابتغى من القرآن غير ما أنزل لأجله فقد تنكَّب سواء السبيل، وضل عن هدي رب العالمين: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} (طـه:124).

ولأهمية العمل بالقرآن نجد كثيراً من الآيات تربط بين الإيمان والعمل، كما في قوله تعالى: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم} (يونس:9) وقوله: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ} (العنكبوت:7).

والحق أن القرآن الكريم مليء بالآيات الدالة على أن الغرض الأساس من نزوله إنما هو العمل بما جاء فيه، من ذلك قوله تعالى: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (الأنعام:155) قال أهل التفسير: أي فاجعلوه إماماً لكم تتبعونه، وتعملون بما فيه من الأحكام. وقوله تعالى في الآية نفسها: {واتقوا} أي: احذروا الله في أنفسكم أن تضيِّعوا العمل بما فيه، وتتعدوا حدوده وتستحلوا محارمه.

وكذلك قوله تعالى: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ} (الأعراف: 3) قال أهل العلم في معنى الآية: اتبعوا يا أيها الناس ما جاءكم من عند ربكم بالبينات والهدى، واعملوا بما أمركم به ربكم، ولا تتبعوا شيئاً من غير ما أنزل الله عليكم.

وقال تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ} (البقرة:121) قال عطاء و مجاهد في معنى الآية: يعملون به حق عمله. وفي قوله تعالى: {حق تلاوته} مبالغة في صفة اتباعهم، ولزومهم العمل به.

وقوله تعالى: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ} (البقرة:78) قيل في تفسيرها: إلا تلاوة، فلم يعلموا ما فيه، ولم يعملوا بما فيه. قال الفضيل : إنما نزل القرآن ليُعمل به، فاتخذ الناس تلاوته عملاً.

وقوله تعالى في ذم اليهود: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ} (البقرة:101) قال مالك بن مغول في قوله تعالى: {وراء ظهورهم} أي تركوا العمل به.

وترك العمل بالقرآن والإعراض عنه نوع من أنواع هجره الذي حذرنا الله منه وذم فاعله، قال تعالى: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً} (الفرقان:30) ففي هذه الآية أعظم تخويف لمن هجر القرآن العظيم، فلم يعمل بما فيه من الحلال والحرام والآداب والمكارم، ولم يعتقد ما فيه من العقائد، ويعتبر بما فيه من الزواجر والقصص والأمثال.

وقد كان صلى الله عليه وسلم حريصاً كل الحرص على أن يتعلم أصحابه القرآن ويتعلموا العمل معه، فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات من القرآن لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن.

وفي الحديث الذي رواه البخاري و مسلم ذمٌّ لبعض الأقوام الذين (يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم) فليس لهم منه إلا حظ القراءة والتلاوة فحسب، أما العمل بما فيه فهم عنه معرضون. وفي "صحيح مسلم" أيضاً أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن: (القرآن حجة لك أو عليك) أي: إن الانتفاع بالقرآن الكريم إنما يحصل إذا تمت تلاوته والعمل بما فيه، أما إذا لم يكن الأمر كذلك فهو حجة على قارئه يوم القيامة. وعند مسلم أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يؤتى بالقرآن يوم القيامة، وأهله الذين كانوا يعملون به، تقدمه سورة البقرة وآل عمران تحاجَّان عن صاحبهما) وفي رواية للترمذي (تجادلان) .

والمؤسف من حال بعض المسلمين اليوم أنهم اتخذوا تلاوة القرآن عملاً ومهنة يتكسبون بها، وبعضهم الآخر اتخذه بقصد الاستماع والترنم بأصوات قارئيه فحسب، وأسوأ من هذا وذاك أن يتخذه البعض لمجرد التبرك في بداية أعمالهم، كما تفعل كثير من وسائل الإعلام عند افتتاح برامجها وعند ختامها.

وبهذه المناسبة نهمس في أذن كل قارئ لكتاب الله عامة، وحافظ لكتابه خاصة أن يعرف حق هذا القرآن عليه، فلا يجعله فيما لم يجعله الله له، بل يجعل القصد من تلاوته العمل بأحكامه أمراً ونهياً، ففي ذلك فلاحه في الدنيا والآخرة. اللهم اجعلنا ممن يقيمون حدود القرآن ويعملون بأحكامه ويؤمنون بمتشابهه، ووفقنا للقيام بحقه حق القيام. والحمد لله رب العالمين.

نور العين
26-Nov-2004, 10:07 AM
آداب تعلم القرآن وتعليمه



مما لا شك فيه أن القرآن الكريم هو أفضل ما يُتعلم، وأفضل ما يُعلَّم، ومصداق ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خيركم من تعلَّم القرآن وعلمه) رواه البخاري .

وكان صلى الله عليه وسلم حريصاً كل الحرص على تعليم صحابته القرآن، وتعاهدهم على تلاوته والعمل به، فقد جاء عن علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرئهم القرآن. ونُقل عن ابن مسعود أنه أقرأ رجلاً، فقال له حين أخطأ: ما هكذا أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وكان من أمره صلى الله صلى الله عليه وسلم أن يرسل القراء إلى كل بلد يعلِّمون أهله كتاب الله، فأرسل مصعب بن عمير و ابن أم مكتوم إلى أهل المدينة قبل هجرته، وبعث معاذ بن جبل إلى مكة بعد فتحها. وعلى هذا الدرب سار السلف الصالح من بعدُ، فاهتموا بتعلِّم كتاب ربهم وتعليمه، فأقاموا المساجد والمدارس تحقيقاً لهذا الغرض.

وإلى جانب اهتمام سلف هذه الأمة وخلفها بأمر قرآنها تعلُّماً وتعليماً، فقد أولو كذلك عناية خاصة بآداب تعلُّم القرآن وتعليمه، فقرروا في ذلك جمله من الآداب نقف على أهمها فيما يأتي:

آداب المتعلم
لا بد لمتعلم القرآن أن يُخلص النية لله أولاً، لينال عمله القبول عند الله سبحانه. والنية قد يُتساهل فيها مع الناشئة في بداية أمرهم، لكن لابد من التنبيه عليها ومراعاة تصحيحها عند من بلغ رشده، وأصبح مكلفاً شرعاً.

ولا بد لمتعلم القرآن أن يأخذ القرآن عمن تأهَّل وظهر دينه، وكان أهلاً للتلقي عنه، كما قال بعض أهل العلم: "العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم".
ومن الآداب ألاَّ يرفع المتعلم صوته بلا حاجة عند معلمه، ولا يضحك، أو يكثر من الكلام الذي ليس فيه مصلحة شرعية، ولا يعبث بيده، ولا يلتفت إلا لحاجة، بل يتوجه بوجهه إليه.

ولا يقرأ على الشيخ حال ملله، وعليه أن يحتمل جفوته وسوء خلقه. وليحرص على الإتيان إليه مبكراً؛ ليحصل له الخير والبركة.
وعلى متعلم القرآن كذلك أن يكون متواضعاً لمعلمه ومتأدباً مع إخوانه، فلا ينظر إلى معلمه إلا بعين الاحترام، ولا يُعامل إخوانه إلا بما فيه رفق وأدب، فإن في ذلك عون له على الانتفاع بما يتعلمه.
قال علي رضي الله عنه: "من حق المعلم عليك أن تسلِّم على الناس عامة، وتخصَّه دونهم بتحية، وأن تجلس أمامه، ولا تشيرن عنده بيدك، ولا تغمزن بعينك، ولا تقولن: قال فلان خلاف ما تقول، ولا تغتابن عنده أحداً".

ومن آداب متعلم القرآن تجنب الأسباب الشاغلة عن تعلم كتاب الله، كالانشغال بما لا يُسمن ولا يُغني من جوع، كالجلوس أمام الرائي "التلفاز" وتضييع الأوقات لمتابعة المسلسلات الفارغة، وأنواع الرياضات الشاغلة، وما شابه ذلك من أمور لا يليق بالمؤمن أن يشغل نفسه بها، ويضيع أوقاته لأجلها.

آداب المعلم
أول الآداب التي ينبغي أن يتحلَّى بها معلم القرآن أن يبتغي بعمله مرضاة الله، فيخلص لله في عمله، فلا يعلِّم القرآن لأجل مغنمٍ دنيوي أو مكسب معنوي، بل عليه أن يكون زاهداً بما في أيدي الناس، عفيف النفس، واسع الخلق، طلْق الوجه، صابراً ومحتسباً أجره عند الله، مستحضراً قوله تعالى: {وما أسألكم عليه من أجرٍ إن أجريَ إلا على رب العالمين} (الشعراء:109).
وليحذر كل الحذر من الحسد والرياء والعجب بالنفس واحتقار الغير، بل عليه أن يكون ناصحاً مرشداً رفيقاً بمن يعلمه، معتنياً بمصالحه، وأن يحب له ما يحبه لنفسه وولده. ولا ينبغي للمعلم أن يكون عنيفاً أو متساهلاً في تعليمه، بل مقتصداً في أمره، خشية أن ينفِّر من هو بين يديه، وخاصة إذا كانوا ناشئة في العلم، وفي الحديث المتفق على صحته، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الله يحب الرفق في الأمر كله، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف) وفي رواية لمسلم : (إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا يُنزع من شيء إلا شانه) .

وعليه أن يصبر على من بطأ فهمه، وأن يعذر من قلَّ أدبه أحياناً. وأن يأخذ طلبته بإعادة محفوظاتهم، ويثني على من ظهر تفوقه وإقدامه، ويعنِّف من قصَّر تعنيفاً لطيفاً، ويقدم في القراءة السابق فالسابق، إلا إن كان ثمة مصلحة فيقدِّم اللاحق. وعليه أن يتفقد أحوال طلبته، ويسأل عن غائبهم.
وعلى معلم القرآن أن يكون قدوة للمتعلم في سلوكه كله، من احترام للوقت، والعدل بين المتعلمين، فلا يُفضِّل أحداً على أحد، إلا لمصلحة تتطلب ذلك، ولا يخاطب أحداً بعينه ويعرض عن غيره، بل يكون عدلاً في كل ذلك حتى في نظراته، فهو يعلِّم كلام الله، فليراعِ أمر الله القائل في كتابه: {يا أيها الذين أمنوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ} (النساء:135) وعليه أن يصون يديه حال الإقراء عن العبث، وعينيه عن النظر فيما لا حاجة له إليه. وليرعَ الأمانة التي حُمِّلها، وهي أمانة هذا الكتاب، وليتحلَّ بأوصاف أهل القرآن، الذين هم أهل الله وخاصته، ففي ذلك كله فلاح له إن شاء الله.

وجملة القول هنا إن أهل القرآن وحَمَلَتُه إذا أرادوا أن يكونوا أهلاً لهذا الوصف الذي وصفهم به رسول الله، فعليهم أن يتحلُّوا بآداب القرآن، وآداب حَمَلَة القرآن، لينالوا عز الدنيا وعز الآخرة، والله الموفِّق والهادي إلى سواء السبيل، والحمد لله رب العالمين.

نور العين
26-Nov-2004, 10:08 AM
فضل تلاوة القرآن



القرآن الكريم كتاب الإسلام الخالد، ومعجزته الكبرى، وهداية للناس أجمعين، قال تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} (إبراهيم:1) من قال به صدق، ومن عمل به أُجر، ومن دعا إليه هُدي إلى صراط مستقيم. فيه تقويم للسلوك، وتنظيم للحياة، من استمسك به فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها، ومن أعرض عنه وطلب الهدى في غيره فقد ضل ضلالاً بعيداً.

وتلاوة كتاب الله من أفضل العبادات التي يتقرب بها العبد إلى ربه، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ} (فاطر:29) وفي الحديث الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده) رواه مسلم .
والقرآن مأدبة الله لعباده، ورحمة منه للناس أجمعين، وقد صح عند الترمذي من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: "ألم" حرف، ولكن "ألف" حرف، و"لام" حرف، و"ميم" حرف) .
وقد حثَّ النبي صلى الله عليه وسلم على قراءة القرآن ورغب فيها، فقال: (تعلموا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شافعاً لأصحابه، وعليكم بالزهراوين البقرة وآل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو كأنهما غيايتان أو فرقان من طير، تحاجان عن أصحابهما، وعليكم بسورة البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا يستطيعها البطلة) رواه مسلم .

وبشَّر صلى الله عليه وسلم قارئ القرآن بأنه مع السفرة الكرام البررة فقال: (الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران) متفق عليه. وفي حديث آخر عنه صلى الله عليه وسلم قال: (يُقال لقارئ القرآن: اقرأ وارقَ، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها) رواه أبو داود و الترمذي ، وقال حديث حسن صحيح.

وكان من وصيته صلى الله عليه وسلم لأمته عامة ولِحَفَظَة كتابه خاصة تعاهد القرآن بشكل دائم ومستمر، فقال: (تعاهدوا هذا القرآن، فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفلُّتاً من الإبل في عقلها) رواه مسلم . ولو تأملت - أخي الكريم - في قوله صلى الله عليه وسلم: "تعاهدوا هذا القرآن" لأدركت عِظَمَ هذه الوصية، ولعلمتَ أهمية المحافظة على تلاوة كتاب الله ومراجعته، والعمل بما فيه، لتكون من سعداء الدنيا والآخرة.

وقد جاء في السنة استحباب ختم القرآن في كل شهر، إلا أن يجد المسلم من نفسه نشاطاً فليختم كل أسبوع، والأفضل أن لا ينقص عن هذه المدة، كي تكون قراءته عن تدبر وتفكر، وكيلا يُحمِّل النفس من المشقة مالا تحتمل، ففي الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اقرأ القرآن في شهر، قلت: أجدُ قوة، حتى قال: فاقرأه في سبع، ولا تزد على ذلك) ثم قال عمرو بعد أن أدركه الكِبَرَ: "فليتني قبلتُ رخصة رسول الله".

وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم، قوله: (يا أيها الناس عليكم من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا، وإن أحب الأعمال إلى الله ما دُووم عليه وإن قَلَّ، وكان آل محمد صلى الله عليه وسلم إذا عملوا عملاً أثبتوه) رواه مسلم . ومعنى "أثبتوه" كما قال النووي : أي لازموه، وداوموا عليه.

فتنبه لذلك - أخي الكريم - ولا تكن من الذين يهجرون كتاب الله، ولا يذكرونه إلا في مواسم معينة، ولتحرص كل الحرص وأنت تتلو كتاب الله أن تستحضر نية الإخلاص لله سبحانه، وأن تكون على حالة من الخشوع والوقار، لأنك تتلو كتاب رب العالمين. وقد كان من وصية بعض أهل العلم لولده قوله له: "اقرأ القرآن وكأنه عليك أنزل".

وأخيراً يا أيها الآباء ويا أيها الأمهات ويا أيها المربون، استوصوا بالأجيال خيراً، نشئوها على حب كتاب ربها، علموها العيش في رحابه، والاغتراف من معينه الذي لا ينضب، فالخير كل الخير فيه، وتعاهدوا ما أودع الله بين أيديكم من الأمانات، بتربيتها تربية قرآنية، كي تسعدوا في الدنيا قبل الآخرة، فما هانت أمة الإسلام إلا بهجرها لكتاب ربها وبعدها عنه. اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وحبِّب أبناءنا تلاوته وحفظه والتمسك به، واجعله نوراً على درب حياتهم، آمين.
والحمد لله رب العالمين

نور العين
26-Nov-2004, 10:08 AM
أسماء القرآن الكريم



للقرآن الكريم ثلاثة أسماء مشهورة: القرآن، والكتاب، والفرقان، وأشهرها الاسمان الأولان. وقد أوصل بعض أهل العلم عدد أسماء القرآن إلى أكثر من تسعين اسماً. ونحن في هذا المقام نقصر الحديث على هذه الأسماء الثلاثة التي اشتهر بها القرآن الكريم.

أولاً: القرآن
ورد هذا الاسم في القرآن في ثلاثة وأربعين موضعاً، منها قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ} (النمل:6) وقوله: {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم} (الإسراء:9) وقوله: {إن الذي فرض عليك القرآن لرادُّك إلى معاد} (القصص:85).
ولفظ "القرآن" يلفظ بهمز وبغير همز. وهو بالهمز مأخوذ من الفعل "قرأ" تقول: قرأ يقرأ قراءة وقرآناً. فهذا الفعل يفيد معنى القراءة، ومنه قوله تعالى: {إن علينا جمعه وقرآنهliفإذا قرأناه فاتبع قرآنه} (القيامة: 17-18) أي: إن علينا جمعه لك، وقراءته عليك.
وقد استعمل لفظ "القرآن" بالهمز اسماً للكتاب الكريم نفسه. وهذا هو الاستعمال الغالب، ومنه قوله تعالى: {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم} (الإسراء: 9).
أما لفظ "القران" بغير همز، فهو إما أن يكون تسهيلاً للفظ الهمزة، على لغة قريش. أو
أنه مأخوذ من الفعل "قَرَنَ" لاقتران السور والآيات والحروف فيه.

ثانياً: الكتاب
ورد هذا الاسم للقرآن في ثلاثمائة وتسعة عشر موضعاً في سياقات مختلفة، منها قوله تعالى: {الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب} (الكهف:1) وقوله تعالى: {وهذا كتاب أنزلناه مبارك} (الأنعام: 92) وقوله: {ذلك الكتاب لا ريب فيه} (البقرة:2).
ولفظ "الكتاب" مشتق من الفعل "كتب" تقول: كتب يكتب كتاباً وكتابة. وهذا الفعل "كتب" في أصل معناه اللغوي يدل على "الجمع" تقول: كَتَبَ الكتيبة، أي جَمَعَها. وسُمي القرآن "كتاباً" لأنه جمع السور والآيات بين دُفتيه، وجمع كل خير في أحكامه ومعانيه.
وقد ذكر الشيخ عبد الله دراز - رحمه الله - أن في تسمية القرآن بهذين الاسمين حكمة إلهية فقال: "روعي في تسميته ( قرآناً ) كونه متلواً بالألسن، كما روعي في تسميته (كتاباً) كونه مدوناً بالأقلام، فكلتا التسميتين من تسمية الشيء بالمعنى الواقع عليه، وفي ذلك إشارة إلى أن من حقه العناية بحفظه في موضعين، الصدور والسطور، فلا ثقة بحفظ حافظ حتى يوافق حفظه الرسم المجمع عليه، ولا ثقة بكتابة كاتب حتى يوافق ما هو ثابت عند حفاظ الأسانيد".
وبهذه العناية المزدوجة - الصدر والسطر - بقي القرآن الكريم محفوظاً في حرز حريز، وركن مكين، تحقيقاً لقوله تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} (الحجر: 9).

ثالثاً: الفرقان
هو ثالث اسم من الأسماء الثلاثة المشهورة للقرآن، وهو مصدر أطلق على القرآن فأضحى علماً له.
وقد ورد هذا الاسم في ستة مواضع من القرآن، جاء في موضعين منها اسم عَلَمٍ للقرآن، هما قوله تعالى: {نزّل عليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيلliمن قبل هدى للناس وأنزل الفرقان} (آل عمران:4) وقوله: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً} (الفرقان:1) وقد سميت سورة من سور القرآن بهذا الاسم. وورد هذا الاسم في المواضع الأربعة الباقية باستعمالات مختلفة.
وهذا الاسم مشتق من الفعل "فَرَقَ" الذي يدل على معنى الفصل والتفريق بين الأمور، ومن هنا يظهر وجه تسمية القرآن "فرقان" كونه فرَّق بين الحق والباطل، وبيَّن طريق الهدى والرشاد وطريق الكفر والضلال.

وحاصل القول هنا، أن هذه الأسماء الثلاثة هي الأسماء التي اشتهر بها القرآن الكريم، فأما الاسمان الأولان - وهما الأشهر - فيفيدان معنى الجمع والقراءة، وأما الاسم الثالث - وهو الفرقان - فيدل على معنى التفريق والفصل. وهذه الأسماء الثلاثة أفادت ثلاثة معان: القراءة، الجمع، التفريق. أما أسماء القرآن الأقل شهرة فلها مقام آخر، إن شاء الله. والله الموفِّق والهادي إلى سواء السبيل. والحمد لله رب العالمين.

نور العين
26-Nov-2004, 10:08 AM
جمع القرآن


رسم المصحف وتطوير خطه
المراد برسم المصحف الكيفية التي كُتبت بها حروفه وكلماته، وَفق المصاحف العثمانية. فمن المعلوم أن الصحف التي كُتبت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، والمصاحف العثمانية التي وُزعت على البلدان الإسلامية فيما بعد، كانت خالية من الشكل والنقط.
ولا ريب أن رسم المصاحف العثمانية كان يقوم على إملاءٍ خاصٍ به، يختلف عن الرسم الإملائي المعروف لدينا اليوم.
وظل الناس يقرؤون القرآن في تلك المصاحف على تلك الشاكلة، إلى أن تطرق الفساد والخلل إلى اللسان العربي نتيجة الاختلاط بالأعاجم، ما دفع أولي الأمر إلى ضرورة كتابة المصحف بالشكل والنقط وغيرها، حفاظاً على القرآن من أن يُقرأ على غير الوجه الصحيح.
وكان أبو الأسود الدؤلي - وهو تابعي - أول من وضع ضوابط اللسان العربي، وقام بتشكيل القرآن الكريم بأمر من علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وكان السبب المباشر لهذه الخطوة ما سمعه من قارئٍ يقرأ خطأً، قوله تعالى: {إن الله بريء من المشركين ورسولَه} (التوبة:3) فقرأ الآية بجر اللام من كلمة (رسولِه) فغيَّر بذلك المعنى تغييراً كلياً، فأفزع هذا الخطأ أبا الأسود ما دفعه إلى وضع علامات لشكل الحروف والكلمات، فجعل علامة الفتحة نقطة فوق الحرف، وعلامة الكسرة نقطة أسفله، وعلامة الضمة نقطة بين أجزاء الحرف، وجعل علامة السكون نقطتين. وقد أعانه على هذه المهمة بعض العلماء، من بينهم الخليل بن أحمد الفراهيدي الذي كان أول من صنف كتاباً في رسم نقط الحروف وعلاماتها، وكان كذلك أول من وضع الهمزة والتشديد وغيرها من العلامات الضابطة، ثم دُوِّن علم النحو ليكون خادماً وضابطاً لقراءة القرآن على الوجه السليم.
بعد ذلك تدرَّج الناس، فقاموا بكتابة أسماء السور في رأس كل سورة، ووضعوا رموزاً فاصلة عند رؤوس الآيات، وقسموا القرآن إلى أجزاء - ثلاثين جزءً - وأحزاب - 60 حزباً - وأرباع، ووضعوا لكل ذلك علامات خاصة تدل على ما أشارت إليه، حتى إذا كانت نهاية القرن الهجري الثالث، بلغ الرسم القرآني ذروته من الجودة والحسن والضبط.
وقد منع أكثر أهل العلم كتابة المصحف بما استحدث الناس من قواعد الإملاء المعروفة، وذلك حفاظاً على رسم المصحف كما وصل إلينا. وقد صرح كثير من الأئمة بتحريم كتابة المصحف بغير الرسم العثماني، ونُقل عن الإمام أحمد أنه قال: تحرم مخالفة خط مصحف عثمان في ياء أو واو أو ألف وغير ذلك. ونقل مثل هذا عن كثير من أهل العلم.
فإن سألتَ - أخي الكريم - إذا كان الأمر على ما ذكرت، فكيف جاز للأوائل أن يضعوا النقط وأسماء السور؟
وفي الجواب نقول: إن العلماء أجازوا ذلك لضرورة استدعت هذا الأمر، وذلك بعد أن ظهر اللحن في قراءة القرآن، فخشي أولوا الأمر أن يلتبس الأمر على الناس، فوضعوا النقط على الحروف؛ تمييزاً لبعضها من بعض، وحدث إجماع على قبول هذا.
بقي أن نقول لك في هذه العجالة: إن القول بمنع جواز كتابة القرآن بغير الرسم العثماني، متعلق بكتابة القرآن في المصاحف التي يتداولها الناس اليوم، أما كتابة آيات منه، أو كلمات معينة بالخط الإملائي المعتاد على ألواح التعليم، أو أوراق الكتابة الخاصة بالتعليم، فلا حرج في ذلك تسهيلاً على المتعلمين وتيسيراً عليهم، وخاصة إذا كانوا من المبتدئين في العلم. والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل، والحمد لله رب العالمين.

نور العين
26-Nov-2004, 10:09 AM
الخط القرآني والخط الإملائي


من المسائل التي شغلت بال العلماء، ونالت قسطاً من أبحاثهم مسألة الرسم القرآني، أو بتعبير أبسط طريقة كتابة القرآن، فمن المعلوم أن للقرآن الكريم منهجاً خاصاً في الكتابة، يختلف نوعاً ما عن الكتابة التي ألِفَها الناس.

وقد قسم العلماء الرسم الكتابي - الخط الإملائي - إلى قسمين رئيسين، الأول أطلقوا عليه اسم الرسم القياسي، ويقصدون به كتابة الكلمة كما تلفظ، مع الأخذ بعين الاعتبار حالتي الابتداء بها والوقف عليها.

أما القسم الثاني فأطلقوا عليه اسم الرسم التوقيفي، ويقصدون به الرسم العثماني، نسبة إلى عثمان رضي الله عنه، إذ هو الرسم الذي كُتبت به المصاحف.

وقد صنف العلماء في هذا المجال ما عُرف بـ "علم الرسم القرآني" ووضعوا كتباً خاصة في هذا الموضوع، منها على سبيل المثال لا الحصر، كتاب "المقنع في معرفة رسم مصاحف الأمصار" لـ أبي عمرو الداني ، وكتاب "التنـزيل" لـ أبي داود سليمان نجاح .

وكما أشرنا بداية، فإن الرسم العثماني خالف الرسم القياسي من بعض الوجوه، أهمها خمسة وجوه، نذكرها فيما يأتي مع التمثيل لها:

الوجه الأول: الحذف، وهو كثير، ويقع في حذف الألف، والواو، والياء. فمن أمثلة حذف الألف، قوله تعالى: {العلمين} حيث حُذفت الألف بعد العين، وقد كُتبت كذلك في جميع مواضعها في القرآن، والأصل في كتابتها حسب الرسم الإملائي (العالمين).

ومن أمثلة حذف الواو، قوله تعالى: {الغاون} (الشعراء:94) وقد وردت في موضعين من القرآن، والأصل فيها (الغاوون).

ومن أمثلة حذف الياء، قوله تعالى: {النبين} (البقرة:61) وقد وردت كذلك في جميع مواضعها في القرآن، وعدد مواضعها ثلاثة عشر موضعاً، والأصل في كتابتها (النبيين).

ومن وجوه الحذف أيضاً، حذف اللام والميم، فمثال حذف اللام، قوله تعالى: {اليل} (آل عمران:190) وقد كُتبت كذلك في جميع مواضعها، وعددها ثلاثة وسبعون موضعاً، والأصل فيها (الليل).

ومثال حذف النون قوله تعالى: {نجي} (الأنبياء:88) وهو الموضع الوحيد في القرآن، الذي حذفت فيه النون من ثلاثة مواضع وردت فيه الكلمة، والأصل في رسمها (ننجي).

الوجه الثاني: الزيادة، وتكون في الألف، والواو، والياء. فمثال الزيادة في الألف، قوله تعالى: {وجائ} (الزمر:69) وردت في موضعين، والأصل فيها (وجيء).

ومثال الزيادة في الواو، قوله تعالى: {سأوريكم} (الأعراف:145) وردت في موضعين، والأصل فيها (سأريكم).

ومثال الزيادة في الياء، قوله تعالى: {بأييد} (الذاريات:47) وهو الموضع الوحيد في القرآن، والأصل فيها (بأيد).

الوجه الثالث: الهمز، حيث وردت الهمزة في الرسم العثماني تارة برسم الألف، وتارة برسم الواو، وتارة برسم الياء. فمن أمثلة ورودها ألفاً، قوله تعالى: {لتنوأ} (القصص:76) وهو الموضع الوحيد، والأصل فيها (لتنوء).

ومن أمثلة ورودها واواً، قوله تعالى: {يبدؤا} (يونس:4) وهي كذلك في مواضعها الستة من القرآن، والأصل فيها (يبدأ).

ومن أمثلة مجيئها ياءً، قوله تعالى: {وإيتائ} (النحل:90) وهو الموضع الوحيد من ثلاثة مواضع، والأصل فيها (وإيتاء).

الوجه الرابع: البدل، ويقع برسم الألف واواً أو ياء. فمن مجيئها واواً، قوله تعالى: {الصلوة} (البقرة:3) وهي كذلك في جميع مواضعها الأربعة والستين، والأصل (الصلاة) ومثلها (الزكاة).

ومن صور رسمها ياءً، قوله تعالى: {يأسفى} (يوسف:84) والأصل فيها (يا أسفا).

ومن ذلك أيضاً، قوله تعالى: {والضحى} (الضحى:1) ولم ترد إلا في هذا الموضع، والأصل فيها (والضحا).

الوجه الخامس: الفصل والوصل، فقد رُسمت بعض الكلمات في المصحف العثماني متصلة مع أن حقها الفصل، ورُسمت كلمات أخرى منفصلة مع أن حقها الوصل، فمن أمثلة ما اتصل وحقه الفصل ما يلي:

- (عن) مع (ما) حيث رسمتا في مواضع من القرآن الكريم متصلتين، من ذلك قوله تعالى: {عما تعملون} (البقرة:74) وقد وردت كذلك في جميع المواضع.

- (بئس) مع (ما) رسمتا متصلتين في مواضع، من ذلك قوله تعالى: {بئسما اشتروا}) (البقرة:90) وهي كذلك في مواضعها الثلاثة.

- (كي) مع (لا) رُستما متصلتين في مواضع، من ذلك قوله تعالى: {لكيلا تحزنوا على ما فاتكم} (آل عمران:153) وهي كذلك في مواضعها الأربعة.
ومن أمثلة ما انفصل وحقه الوصل ما يلي:

- قوله تعالى: {كل ما ردوا إلى الفتنة أُركسوا فيها} (النساء:91) وقد جاءت كذلك في ثلاثة مواضع، وجاءت متصلة على الأصل في خمسة عشر موضعاً.

- قوله تعالى: {أين ما تكونوا يأتِ بكم الله جميعاً} (البقرة:148) وقد جاءت كذلك في ثمانية مواضع، وجاءت متصلة على الأصل في أربعة مواضع.

هذه الوجوه الخمسة التي أتينا على ذكرها، مع شيء من التمثيل لها، هي أهم الوجوه التي فارق فيها الرسم العثماني الرسم الإملائي، أو ما سُمي بالرسم القياسي، وقد عرضناها لك - أخي الكريم - بشيء من الاختصار والتبسيط، لتكون على بينة من أمرها. وقد بقيت مسائل تتعلق بهذا المبحث تركناها مخافة السآمة. وأخيراً ندعو الله لنا ولك بالتوفيق والسداد في الأمر كله، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، إنه سميع مجيب، والحمد لله رب العالمين.

نور العين
26-Nov-2004, 10:10 AM
جمع القرآن الكريم في عهد عثمان- رضي الله عنه-



عندما توفي عمر رضي الله عنه واستقر أمر الخلافة لعثمان رضي الله عنه كان العديد من الصحابة قد تفرقوا في بقاع شتى من ديار الإسلام، وكان كثير من الناس قد دخلوا في دين الله أفواجاً، ونتج عن ذلك ظهور خلافات في القراءات القرآنية. فكان أهل الشام يقرؤون بقراءة أبيِّ ، وأهل الكوفة يقرؤون بقراءة عبد الله بن مسعود ، وأهل البصرة يقرؤون بقراءة أبي موسى الأشعري ، ولم يكن وصل إلى علم بعضهم ثبوت قراءة القرآن بأكثر من وجه، فظن هذا البعض أن ما يقرأ به هو الصواب، ولا صواب غيره، وأن ما يقرأ به غيره خطأ لا يجوز في كتاب الله، وكادت تكون فتنة.

وقد روى البخاري في "صحيحه" من حديث أنس رضي الله عنه أن حذيفة بن اليمان قَدِمَ على عثمان رضي الله عنه، وكان يُغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لـ عثمان : يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان فأمر زيد بن ثابت و عبد الله بن الزبير و سعيد بن العاص و عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم و زيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف ردَّ عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أن يحرق).

لقد أراد عثمان رضي الله عنه بعمله هذا أن ينسخ من الصحف التي جمعها أبو بكر مصاحف مجمعاً عليها، تكون أئمة للناس ومرجعاً أساساً لتلاوة القرآن، ولم يكن قصد عثمان من عمله هذا جمع ما لم يكن مجموعاً، وإنما اتجه قصده إلى نسخ ما كان مجموعاً ليقتدي الناس به. وقد اعتمد عثمان في جمعه ونسخه للقرآن منهجاً تمثَّل فيما يلي:

- الاعتماد على جمع أبي بكر رضي الله، وقد دل على ذلك حديث البخاري الذي سقناه آنفاً، وفيه أن عثمان أرسل إلى حفصة طالباً منها إرسال الصحف القرآنية لنسخها في المصاحف.

- الإشراف بنفسه على لجنة الجمع، وتعاهدها بشكل مستمر، ففي الحديث الذي صحح إسناده ابن كثير أن عثمان لما أراد أن يكتب المصاحف جمع اثني عشر رجلاً من قريش والأنصار...قال: وكان عثمان يتعاهدهم.

- أن يطلب من كل من كان عنده شيء من القرآن، كان قد سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي ويشترك في عملية جمع القرآن ونسخه، وقد صح عن علي رضي الله عنه أنه قال: يا أيها الناس لا تغلوا في عثمان ، ولا تقولوا له إلا خيراً، فوالله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملأً منا جميعاً.

- الاقتصار عند الاختلاف في القراءات على لغة قريش، وهذا صريح في حديث البخاري السابق.

- أن يشتمل الجمع على حرف قريش، وهو أحد الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن.

- بعد الفراغ من كتابة المصحف الإمام يراجعه زيد بن ثابت ، ثم يراجعه عثمان بنفسه.

وقد التزم الصحابة رضي الله عنهم هذه المنهجية في كتابة المصحف بشكل دقيق، ولما تمت كتابة المصحف، أمر عثمان بنسخ المصاحف عن المصحف الإمام، وأرسلها إلى الأمصار، وهي التي عرفت فيما بعد بالمصاحف العثمانية، ثم أحرق ما سواه من النسخ، درءً للفتنة، ومنعاً للاختلاف.

والمتعارف عليه عند علماء رسم المصاحف، أن المصاحف العثمانية هي: المصحف الإمام، وهو المصحف الذي احتبسه عثمان لنفسه، والمصحف المدني، والمصحف المكي، والمصحف الشامي، والمصحف الكوفي، والمصحف البصري. وقد أرسل عثمان كل مصحف من هذه المصاحف إلى أماكنها، وتم اعتمادها بين أهل تلك الديار.

وهكذا فإن عثمان رضي الله عنه بعمله هذا قد منع فتنة كادت تنزل بهذه الأمة، وكان ما قام به سبباً من الأسباب التي هيأها الله سبحانه وتعالى لحفظ كتابه الكريم، مصداقاً لقوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (الحجر:9) نسأله تعالى أن يجعلنا من الحافظين لكتابه، والمحافظين عليه تلاوة وعملاً، وآخر دعوانا أنِ الحمد لله رب العالمين.

نور العين
26-Nov-2004, 10:10 AM
جمع القرآن في عهد أبي بكر

توفي النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن الكريم لم يُجمع في مصحف واحد مكتوب، وإنما كان متفرقاً في الصدور والألواح ونحوها من وسائل الكتابة، حيث لم تكن ثمة داوع في حياته صلى الله عليه وسلم تدعو إلى جمعه في مصحف واحد.

وبعد أن تولى أبو بكر رضي الله عنه الخلافة كان هناك من الأسباب والبواعث ما دفع الصحابة رضي الله عنهم إلى القيام بجمع القرآن في الصحف.

وكان من أولى تلك الدوافع لحوق النبي صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى، الذي ترتب عليه انقطاع الوحي، فكان ذاك المصاب الجَلَل من البواعث المهمة التي دفعت لجمع القرآن.

ثم كانت واقعة اليمامة التي قُتل فيها عدد كبير من الصحابة، وكان من بينهم عدد كبير من القراء، ما دفع عمر رضي الله عنه إلى أن يذهب إلى أبي بكر ويطلب منه الإسراع في جمع القرآن وتدوينه، حتى لا يذهب القرآن بذهاب حفاظه. وهذا الذي حصل من أبي بكر بالفعل، بعد أن تردد في البداية في أن يعمل شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولا شك أن وقعة اليمامة كانت من أهم الأحداث التي حملت الصحابة على تدوين القرآن وحفظه في المصاحف.

وقد دلت عامة الروايات على أن أول من أمر بجمع القرآن من الصحابة، أبو بكر رضي الله عنه عن مشورة من عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأن الذي قام بهذا الجمع زيد بن ثابت رضي الله عنه، فقد روي البخاري عن زيد رضي الله عنه أنه قال: أرسل إليَّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة وعنده عمر ، فقال أبو بكر : إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحرَّ - أي اشتد وكثر - يوم اليمامة بالناس، وإني أخشى أن يستحرَّ القتل بالقراء في المواطن، فيذهب كثير من القرآن، إلا إن تجمعوه، وإني لأرى أن تجمع القرآن، قال أبو بكر : قلت لعمر كيف أفعل شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال عمر : هو والله خير، فلم يزل عمر يراجعني فيه حتى شرح الله صدري، ورأيت الذي رأى عمر . قال زيد : و عمر عنده جالس لا يتكلم، فقال أبو بكر : إنك رجل شاب عاقل ولا نتهمك، كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتَتَبع القرآن فاجمعه. فوالله لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن، قلت: كيف تفعلان شيئاً لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال أبو بكر : هو والله خير، فلم أزل أراجعه حتى شرح الله صدري للذي شرح الله له صدر أبي بكر و عمر ، فقمت فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والأكتاف والعُسب وصدور الرجال…وكانت الصحف التي جُمع فيها القرآن عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حتى توفاه الله، ثم عند حفصة بنت عمر . رواه البخاري .

والذي عليه أكثر أهل العلم أن أولية أبي بكر رضي عنه في جمع القرآن أولية خاصة، إذ قد كان للصحابة مصاحف كتبوا فيها القرآن أو بعضه، قبل جمع أبي بكر ، إلا أن تلك الجهود كانت أعمالاً فردية،لم تظفر بما ظفر به مصحف الصديق من دقة البحث والتحري، ومن الاقتصار على ما لم تنسخ تلاوته، ومن بلوغها حد التواتر، والإجماع عليها من الصحابة، إلى غير ذلك من المزايا التي كانت لمصحف الصديق رضي الله عنه.

ولك أخي الكريم أن تسأل: لماذا وقع اختيار أبي بكر على زيد بن ثابت لجمع القرآن الكريم دون غيره من الصحابة؟ وفي الإجابة نقول: إن مرد ذلك يرجع إلى أسباب منها:

- أنه كان شاباً يافعاً، وهذه الصفات تؤهله للقيام بمثل هذا العمل الصعب، كما أن الشاب لا يكون شديد الاعتداد برأيه، فعند حصول الخلاف يسهل قبوله النصح والتوجيه.

- أن زيداً كان معروفاً بوفرة عقله، وهذا مما يؤهله لإتمام هذه المهمة.


- أن زيداً كان يلي كتابة الوحي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد شاهد من أحوال القرآن ما لم يشاهده غيره.

- أنه لم يكن متهماً في دينه، فقد كان معروفاً بشدة الورع والأمانة وكمال الخلق والاستقامة في الدين.

- أنه كان حافظاً للقرآن الكريم عن ظهر قلب، وكان حفظه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وفق العرضة الأخيرة، فقد رُوي أنه شهد العرضة الأخيرة للقرآن، قال أبو عبد الرحمن السلمي : قرأ زيد بن ثابت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في العام الذي توفاه الله فيه مرتين، وإنما سُميت هذه القراءة قراءة زيد بن ثابت ، لأنه كتبها لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقرأها عليه وشهد العرضة الأخيرة، وكان يقرئ الناس بها حتى مات، ولذلك اعتمد عليه أبو بكر و عمر في جمع القرآن، وولاه عثمان كتابة المصاحف.

وقد شرع زيد في جمع القرآن من الرقاع واللخاف والعظام والجلود وصدور الرجال، وأشرف عليه وعاونه في ذلك أبو بكر و عمر وكبار الصحابة، فعن عروة بن الزبير قال: لما استحرَّ القتل بالقراء يومئذ، فرِقَ أبو بكر على القرآن أن يضيع - أي خاف عليه - فقال لعمر بن الخطاب و زيد بن ثابت : اقعدا على باب المسجد، فمن جاءكم بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه. قال ابن حجر : رجاله ثقات مع انقطاعه.

وبهذه المشاركة من الصحابة أخذ هذا الجمع للقرآن الصفة الإجماعية، حيث اتفق عليه الصحابة، ونال قبولهم كافة، فجُمِعَ القرآن على أكمل وجه وأتمه.

ونختم هذا المقال بما رُوي عن علي رضي الله عنه أنه قال: رحمة الله على أبي بكر ، كان أعظم الناس أجراً في جمع المصاحف، وهو أول من جمع بين اللوحين، قال ابن حجر : وإذا تأمل المنصف ما فعله أبو بكر من ذلك جزم بأنه يُعدُّ في فضائله، ويُنوِّه بعظيم منقبته، لثبوت قوله صلى الله عليه وسلم: ( من سنَّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة) رواه مسلم . ثم قال : فما جمع أحد بعده إلا كان له مثل أجره إلى يوم القيامة.

وهكذا فإن الله سبحانه قد هيأ لحفظ قرآنه رجالاً حفظوه وحافظوا عليه، تصديقاً لقوله تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} (الحجر:9) وكان أبو بكر على رأس هؤلاء الرجال الذين اختارهم الله للقيام بهذه المهمة، فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وجمعنا وإياه في مستقر رحمته، إنه سميع الدعاء، والحمد لله رب العالمين.

نور العين
26-Nov-2004, 10:11 AM
جمع القرآن في العهد النبوي


شرَّف الله أمة الإسلام بخصيصة لم تكن لأحد غيرهم، وهي حفظهم لكتاب ربهم عن ظهر قلب. وكان من أسباب حفظ الله لكتابه أن وفَّق هذه الأمة إلى حفظ قرآنها واستظهاره.

وقد تظاهرت الأدلة من السنة على فضل حفظ القرآن واستظهاره. وكان صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يحث أصحابه على حفظ ما ينزل عليه من القرآن، فكان الصحابة يحفظونه بسماعه منه صلى الله عليه وسلم، فهذه أم هشام رضي الله عنها تروي كيف أنها حفظت سورة {ق} من رسول لله صلى الله عليه وسلم، فتقول: (كان تنورنا وتنور رسول الله صلى الله عليه وسلم واحداً سنتين، وما أخذتُ {ق والقرآن المجيد} إلا عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم) رواه مسلم .

وكان من حرصه صلى الله عليه وسلم على تعليم صحابته للقرآن وحفظهم له أنه كان يتعاهد كل من يلتحق بدار الإسلام فيدفعه إلى من يعلمه القرآن، فعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُشغَل، فإذا قَدِمَ رجل مهاجر على رسول الله صلى الله عليه وسلم دفعه إلى رجل منا يعلمه القرآن" رواه أحمد .

وقد حفظ القرآن الكريم جَمَعٌ من الصحابة يصعب حصرهم، عُرف منهم الخلفاء الراشدون، و طلحة ، و سعد ، و ابن مسعود ، و حذيفة بن اليمان ، و أبو موسى الأشعري ، و سالم مولى أبي حذيفة ، و عبد الله بن عمر ، وغيرهم كثير. وفي حديث قتادة قال: قلت لأنس من جَمَع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: أربعة كلهم من الأنصار: أُبي بن كعب ، و معاذ ، و زيد بن ثابت ، ورجل من الأنصار، يُكنى أبا زيد . متفق عليه.
ومن الصحابيات اللاتي جمعن القرآن أم ورقة رضي الله عنها، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أمرها أن تؤمَّ أهل دارها. والحديث في "مسند" أحمد .
وكان من مزيد عناية النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالقرآن أن اعنتوا بكتابته وتدوينه، كي يكون ذلك حصناً ثانياً لحمايته من الضياع والتغيير. فبعد أن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه بحفظ القرآن في صدورهم طلب منهم حفظه في السطور، ونهى في بداية الأمر عن كتابة شيء غير القرآن حتى لا يلتبس بغيره من الكلام.

ففي "صحيح مسلم" من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تكتبوا عني ومن كتب عني غير القرآن فليمحه) قال النووي في توجيه ذلك: وكان النهي حين خيف اختلاطه بالقرآن، فلما أمن ذلك أذن في الكتابة. وقال ابن حجر : إن النهي خاص بوقت نزول القرآن خشية التباسه بغيره.

وقد بلغ من عناية النبي صلى الله عليه وسلم بتدوين القرآن أنه كان إذا نزل عليه شيء من القرآن دعا أحد كُتَّابه، وأمره بكتابة ما نزل عليه، ففي الحديث عن زيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أملى عليه {لا يستوي القاعدون من المؤمنين} (النساء) فجاءه ابن أم مكتوم وهو يُمِلُّها عليه. متفق عليه.

وكان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعملون في كتابة القرآن ما تيسر لهم وما توفر في بيئتهم من أدوات لذلك، فكانوا يستعملون الجلود والعظام والألواح والحجارة ونحوها، كأدوات للكتابة، فعن البراء رضي الله عنه قال: (لما نزلت: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين} قال النبي صلى الله عليه وسلم : ادعُ لي زيداً ، وليجئ باللوح والدواة والكتف، ثم قال اكتب) رواه البخاري . وفي حديث زيد عندما أمره أبو بكر رضي الله عنه بجمع القرآن قال: (فتتبعتُ القرآن أجمعه من العسب واللحاف والأضلاع والأقتاب) رواه البخاري . والعسب: جريد النخيل. واللحاف: صفائح الحجارة. والأقتاب: الخشب الذي يوضع على ظهر البعير.

هذه الآثار وغيرها تدلنا على عظيم بلاء الصحابة رضي الله عنهم في كتابة القرآن، وما تحملوه من المشاق لتدوينه والحفاظ عليه. وبقي القرآن مكتوباً على هذه الأشياء محفوظاً عند النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ولم يجمع في صحف أو مصاحف في عهده صلى الله عليه وسلم. قال القسطلاني : وقد كان القرآن كله مكتوباً في عهده صلى الله عليه وسلم، غير مجموع في موضع واحد، ولا مرتب السور، وقُبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وحال كتابة القرآن على ما ذكرنا.

ولسائل أن يسأل: لماذا لم يَجمع النبي صلى الله عليه وسلم القرآن في مصحف واحد كما فعل أبو بكر وعثمان فيما بعد؟ وقد أجاب العلماء أن مرد ذلك كان لاعتبارات عدة منها ما يأتي:
- أنه لم يوجد من دواعي كتابته مجموعاً في مصحف مثل واحد ما وجد على عهد أبي بكر و عثمان رضي الله عنهما.
- أن النبي صلى الله عليه وسلم كان بصدد أن ينزل عليه من الوحي ما قد يكون ناسخاً لبعض آيات القرآن.
- أن القرآن لم ينزل جملة واحدة بل نزَّل مفرقاً، ولم يكن ترتيب الآيات والسور على ترتيب النزول، ولو جُمِعَ القرآن في مصحف واحد وقتئذ لكان عرضة للتغير المصاحف كلها كلما نزلت آية أو سورة.

ومن المسائل التي بحثها العلماء هنا مسألة ترتيب الآيات في السورة، ومسألة ترتيب سور القرآن في المصحف، وحاصل القول في المسألة الأولى، أن الإجماع منعقد على أن ترتيب الآيات في السورة كان بتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه لا مجال للرأي والاجتهاد فيه، ولم يُعلم مخالف لذلك، والنصوص الدالة على ذلك كثيرة سبق أن ذكرنا بعضاً منها، ونضيف هنا حديث ابن الزبير رضي الله عنه قال: (قلت لعثمان : هذه الآية التي في البقرة {والذين يُتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم متاعاً إلى الحول غير إخراج} (البقرة:240) قد نسختها الآية الأخرى، فَلِمَ تكتبها، قال: يا ابن أخي، لا أغيِّرُ شيئاً منه في مكانه) رواه البخاري .

أما ترتيب السور، فالقول الأرجح عند أهل العلم أن النبي صلى الله عليه وسلم فوَّض أمره إلى أمته من بعده، يعني أن هذا الترتيب فعله الصحابة رضي الله عنهم.

وبعد، فهذا جملة القول في مسألة جمع القرآن في عهده صلى الله عليه وسلم، ومنه يتبيَّن أن القرآن قد دُوِّن في عهده صلى الله عليه وسلم، وفي ذلك ردٌّ على من زعم أن القرآن لم يدون في عهده صلى الله عليه وسلم. نسأله تعالى أن يجعلنا من الحافظين لكتابه والمحافظين عليه، والقائمين عليه حق القيام آمين، والحمد لله رب العالمين.

نور العين
26-Nov-2004, 10:11 AM
من علوم القرآن


المحكم والمتشابه
قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ متشابهات} (آل عمران:7) وقال جل ثناؤه: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ} (الزمر:23) وقال أيضاً: {كتاب أحكمت آياته ثم فُصِّلت من لدن حكيم خبير} ( هود:1).

والمحكم والمتشابه لفظان متقابلان، إذا ذُكِرَ أحدهما استدعى الآخر ضرورة. وهما بحثان رئيسان من أبحاث علوم القرآن، أفاض العلماء القول فيهما، وتفاوتت أنظارهم في تعريفهما وحقيقتهما، وهما كذلك بحثان مهمان من أبحاث أصول الفقه.

والمحكم من حيث اللغة مأخوذ من حَكَمْتُ الدابة وأحكمتها، بمعنى أحكمت وثاقها ومنعتها من التفلُّت والهرب. وإحكام الكلام إتقانه وتمييز الصدق فيه من الكذب.

أما المحكم اصطلاحًا، فقد اختلفت الأنظار في تعريفه، فقال بعضهم: هو ما عُرِفَ المراد منه، وقال آخرون: ما لا يحتمل إلا وجهاً واحداً. وعرَّفه قوم بأنه ما استقلَّ بنفسه، ولم يحتج إلى بيان. ويمكن إرجاع هذه التعاريف إلى معنى واحد، هو معنى البيان والوضوح.

والمتشابه لغة، مأخوذ من الشبه والتشابه، تقول: فلان يشبه فلانًا، أي يماثله، وله من الصفات ما للآخر. وعلى هذا، فتشابه الكلام تماثله وتناسبه، بحيث يصدِّق بعضه بعضًا.

وبناءً على التعريف اللغوي، لكلٍ من المحكم والمتشابه، يتضح أنه لا تنافي بين المحكم والمتشابه من جهة المعنى اللغوي، فالقرآن كله محكم، بمعنى أنه متقن غاية الإتقان، وهو كذلك متماثل ومتشابه، بمعنى أنه يصدِّق بعضه بعضًا.

أما تعريف المتشابه اصطلاحًا، فعرفه بعضهم بأنه: ما استأثر الله بعلمه، وعرفه آخرون بأنه: ما احتمل أكثر من وجه، وقال قوم: ما احتاج إلى بيان، بردِّه إلى غيره.

ثم إن المتشابه أنواع، فهناك متشابه من جهة اللفظ، وهناك متشابه من جهة المعنى، وهناك متشابه من جهة اللفظ والمعنى معًا. وتفصيل هذه الأنواع ليس هذا مكانه.

ولابد من الوقوف في هذا المقام عند مسألة طالما بحثها العلماء، تتعلق بقوله تعالى: {وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم} ومنشأ النظر في هذه الآية متَّجه إلى قوله تعالى: {والراسخون في العلم} هل هو كلام مبتدأ ومستأنَف، أم هو معطوف على قوله تعالى: {وما يعلم تأويله إلا الله} ومعلوم أن مكان الوقف في الآية، هو الذي يحدد المعنى ويوجهه.

ولا يُسعفنا المقام للخوض في تفاصيل أقوال أهل العلم في هذه المسألة، لكن حسبنا أن نعلم أنَّ هناك اتجاهان في تفسير الآية، الأول يرى الوقف على قوله تعالى: {وما يعلم تأويله إلا الله} وبالتالي يكون قوله تعالى: {والراسخون في العلم} كلام مبتدأ، والمعنى على هذا: أن المتشابه لا يعلم تأويله إلا الله، والراسخون في العلم، يؤمنون به كما جاء، ويكِلُون علمه إلى الله سبحانه.

وقد أيَّد أصحاب هذا الاتجاه ما ذهبوا إليه، بما رواه البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها، قالت: تلا رسول صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} (آل عمران:7) قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمَّى الله فاحذرهم ) .

أما الاتجاه الثاني فيرى أن قوله تعالى: {والراسخون في العلم} معطوف على قوله: {وما يعلم تأويله إلا الله} وعلى هذا يكون تفسير الآية: أن الراسخون في العلم يعلمون تفسير المتشابه من القرآن. وقد صحح الإمام النووي هذا القول، مستدلاً على ذلك، بأن الله سبحانه يبعد أن يخاطب عباده بما لا سبيل لأحد من الخلق إلى معرفته.

والواقع أن التوفيق بين هذين الاتجاهين أمر ممكن، وذلك إذا علمنا المقصود من لفظ "التأويل". وبالرجوع إلى معنى التأويل يتبين لنا أنه يُطلق على معنيين:
الأول: بمعنى التفسير، فتأويل الكلام تفسيره، وتوضيح معناه.
الثاني: بمعنى الحقيقة، فتأويل الكلام، الحقيقة التي يؤول إليها. وعلى هذا المعنى جاء قول عائشة رضي الله عنها: ( كان رسول الله r يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي، يتأوَّل القرآن ) تعني قوله تعالى: {فسبح بحمد ربك واستغفره} رواه البخاري ومسلم.

وبناء على ذلك، نستطيع أن نقول: إن الذين ذهبوا إلى حصر علم التأويل في حقِّ الله تعالى، إنما يقصدون بذلك التأويل بالمعنى الثاني، أي الحقيقة التي يؤول إليها الغيب، وهذا أمر لا يختلف عليه اثنان؛ لأن حقيقة الغيب لا يعلمها إلا الله.

أما الذين ذهبوا إلى أنه يمكن للعلماء العلم بالتأويل، فإنهم يقصدون بذلك التأويل بالمعنى الأول، معنى التفسير، وهذا أيضاً لا يختلف فيه اثنان.

ويمكن أن نمثِّل لهذا بمثال يزيد الأمر وضوحاً فنقول: إن صفة العلم التي وَصَفَ الله بها نفسه، وكذلك باقي الصفات، يمكن للعلماء تأويلها، بمعنى تفسيرها، أما تأويلها بمعنى معرفة حقيقة هذه الصفة، أو معرفة حقيقة باقي صفاته سبحانه، فهذا ما لا سبيل لأحدٍ إليه.

ومن المهم أن نعلم في هذا السياق، أن وجود المتشابه في القرآن له فوائد عدة، ذكرها العلماء، من ذلك: الحث على النظر والبحث والتأمل في آيات الله. ومنها إثبات التفاضل والتفاوت في العلم بين العباد، فلو كان القرآن كله محكمًا لاستوت منازل الخلق، ولم يظهر فضل العالم على غيره. ومنها أيضًا ابتلاء العباد بالوقوف عند المتشابه من الآيات دون الخوض في تأويلها، بما لا تحتمله من وجوه التأويل.

وقد ذكر العلماء فوائد أخرى للمحكَم والمتشابه، أعرضنا عنها مخافة الإطالة. وفيما ذكرنا الكفاية إن شاء الله. والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل، والحمد لله رب العالمين.

نور العين
26-Nov-2004, 10:12 AM
أسباب النزول

علم أسباب النزول من علوم القرآن المهمة التي اعتنى بها علماء المسلمين قديماً وحديثاً، وقد دلَّ على مدى اهتمامهم بهذا العلم كثرة الجهود المبذولة في سبيل تدوينه، وإفرادهم له بالعديد من المؤلفات الخاصة.

ويُقصد بعلم أسباب النزول ذِكْرُ كل ما يتصل بنزول الآيات القرآنية من القضايا والحوادث، سواء في ذلك قضايا المكان أو حوادث الزمان، التي صاحبت نزول القرآن الكريم.

وقد تحدث العلماء عن الطرق التي تثبت بها أسباب النزول، وحصروها في أخبار وروايات الصحابة، الذين شاهدوا الوحي وعاصروا نزوله، وعاشوا الوقائع والحوادث وظروفها. وأيضاً فإن الأخبار التي نقلها التابعون، الذين تلقوا العلم عن الصحابة، تعتبر مرجعاً مهماً في معرفة أسباب النزول.

وكان من هدي السلف الصالح رضي الله عنهم التحرز عن القول في أسباب النزول من غير خبر صريح أو علم صحيح.

أما عن فوائد هذا العلم - كما ذكرها العلماء - فهي كثيرة، منها أن معرفة أسباب النزول تُعين القارئ لكتاب الله على فهمه فهماً صحيحاً سلمياً، وذلك أن العلم بالسبب يُورث العلم بالمسبَّب. ومنها أنها تُيسِّرُ حفظ كتاب الله وتُثَبِّتُ معناه، لأن ربط الأحكام بالحوادث والأشخاص والأزمنة والأمكنة يساعد على استقرار المعلومة وتركيزها. وقالوا أيضا في فوائد هذا العلم إنه يمكِّن من معرفة وجه الحكمة الباعثة على تشريع الحكم، ومن المعلوم أن هناك من الآيات ما يصعب فهم المراد منها، ويقع الخطأ في تفسيرها في حال الجهل بأسباب نزولها.

من هنا كان من الأهمية بمكان - لقارئ كتاب الله عامة وللمفسر خاصة - أن يكون على علم ودراية بأسباب النزول؛ ليكون على بصيرة من كتاب ربه، فيفهمه فهماً صحيحاً سليماً، أما إذا لم يكن على معرفة وبينة من تلك الأسباب فربما فهمه على غير ما قُصِد منه، فيكون قد أخطأ من حيث أراد الصواب.

ولنمثل لذلك بمثال، وهو قوله تعالى: {وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها} (البقرة:189) فهذه الآية لا يستقيم فهمها فهماً صحيحاً إلا في ضوء معرفة سبب نزولها، وقد جاء في سبب نزولها، ما رواه البخاري في "صحيحه" من حديث البراء رضي الله عنه أنه قال: (كانوا إذا أحرموا في الجاهلية أتوا البيت من ظهره، فأنزل الله {وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها} فالمراد من الآية على ضوء سبب نزولها ليس مجرد الأمر بالدخول من الأبواب على حقيقته، بل المراد منها الأمر بالتزام أوامر الله ونواهيه، وطاعته على وفق ما أمر وشرع. وأمثلة هذا كثير في القرآن.

وكما ذكرنا بداية، فإن أسباب النزول قد أفرد لها أهل العلم مؤلفات خاصة، لعل من أهمها كتاب "أسباب النزول" للواحدي ، وكتاب "أسباب النزول" للسيوطي ، وللحافظ ابن حجر تأليف فيها أيضاً، إضافة إلى أن كل من كتب في علوم القرآن أفرد بحثاً خاصاً بأسباب النزول.

ومن المفيد هنا الإشارة إلى أن العلماء قرروا قاعدة متعلقة بأسباب النزول، مفادها أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وتعني هذه القاعدة باختصار، أن النص الشرعي إذا ورد بسبب واقعة معينة حصلت في عصر التنزيل، فإن الحكم لا يكون مقتصراً على تلك الواقعة فحسب، وإنما يكون حكماً عاماً في كل ما شابهها من وقائع ونوازل، وذلك أن أحكام القرآن - من حيث الأصل - هي أحكام عامة لكل زمان ومكان، وليست أحكاماً خاصة بأفراد معينين.

ولتوضيح هذه المسألة نذكر مثالاً يكشف المقصود منها. فقد أخرج البخاري في "صحيحه" عن ابن عباس رضي الله عنه، أن هلال بن أمية قذف امرأته بـ شريك بن سحماء ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (البينة أو حدٌّ في ظهرك) فقال: يا رسول الله، إذا رأى أحدنا مع امرأته رجلاً، ينطلق يلتمس البينة، فأنزل الله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ} (النور:6) فهذه الآية سبب نزولها خاص، وهو هذه الحادثة، إلا أن حكم اللعان الذي جاءت به حكم عام، خُوطب به جميع المسلمين، ومن هنا قال أهل العلم العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

وقد توسع العلماء في بحث هذه المسألة، وفيما ذكرنا غُنية، ونحيل من أحب التوسع في هذه المسألة إلى مظانها، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل، والحمد لله رب العالمين.

نور العين
26-Nov-2004, 10:12 AM
المحكم والمتشابه
أنزل الله الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً ، فرسم للخلق العقيدة السليمة والمبادئ القويمة في آيات بينات واضحة المعالم ، وذلك من فضل الله على الناس حيث أحكم لهم أصول الدين ، لتسلم لهم عقائدهم ويتبيّن لهم الصراط المستقيم ، وتلك الآيات هي أم الكتاب التي لا يقع الاختلاف في فهمها سلامة لوحدة الأمة الإسلامية ، وصيانة لكيانها (كتاب فُصَّلت آياته قرآناً عربياً لقوم يعلمون) (فصلت:3) .

وقد تأتي هذه الأصول الدينية في أكثر من موضع بالقرآن مع اختلاف اللفظ والعبارة والأسلوب ، إلا أن معناها يكون واحداً ، فيشبه بعضها الآخر ويوافقه معنى دون تناقض ، أما ما عدا تلك الأصول من فروع الدين فإن في آياتها من العموم والاشتباه ما يفسح المجال أمام المجتهدين الراسخين في العلم ، حتى يردوها إلى المحكم ببناء الفروع على الأصول ، والجزئيات على الكليات وإن زاغت بها قلوب أصحاب الهوى وبهذا الإحكام في الأصول والعموم في الفروع كان الإسلام دين الإنسانية الخالد الذي يكفل لها خير الدنيا والآخرة على مر العصور والأزمان . وقد ذكر القرآن الكريم نفسه أن منه آيات محكمات ، ومنه آيات متشابهات ، وذلك في قوله تعالى : (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأُخَرُ متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ، وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب ) (آل عمران:7) .

الإحكام العام والتشابه العام
المحكم لغة : مأخوذ من حكمت الدابة وأحكمت : بمعنى منعت ، والحكم : هو الفصل بين الشيئين ، فالحاكم يمنع الظلم ويفصل بين الخصمين ، ويميز بين الحق والباطل ، والصدق والكذب ، ويقال : حكمت السفيه وأحكمته : إذا أخذت على يديه ، وحكمت الدابة أحكمتها: إذا جعلت لها حكمة : وهي ما أحاط بالحنك من اللجام ، لأنها تمنع الفرس عن الاضطراب ، ومنه الحكمة، لأنها تمنع صاحبها عما لا يليق ، وإحكام الشيء ، إتقانه ، والمُحْكَم : المتقن .
فإحكام الكلام : إتقانه بتمييز الصدق من الكذب في أخباره ،والرشد من الغي في أوامره ، والمحكم منه : ما كان كذلك .

وقد وصف الله القرآن كله بأنه محكم على هذا المعنى فقال تعالى : (آلر ، كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير) (هود:1-2) وقال : (آلر ، تلك آيات الكتاب الحكيم) (يونس:1-2) فالقرآن كله محكم : أي أنه كلام متقن فصيح يميز بن الحق والباطل والصدق والكذب ، وهذا هو الإحكام العام .
والمتشابه لغة : مأخوذ من التشابه ، وهو أن يشبه أحد الشيئين الآخر ، والشبهة : هي ألا يتميز أحد الشيئين من الآخر لما بينهما من التشابه عيناً كان أو معنى ، قال تعالى : (وأتوا به متشابهاً) (البقرة:25) ، أي يشبه بعضه بعضاً لوناً لا طعماً وحقيقة ، وقيل متماثلاً في الجودة .

وتشابه الكلام : هو تماثله وتناسبه بحيث يصدق بعضه بعضاً ، وقد وصف الله القرآن كله بأنه متشابه على هذا المعنى فقال تعالى: (الله نزَّلَ أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثانى ) (الزمر:23) فالقرآن كله متشابه : أي أنه يشبه بعضه بعضاً في الكمال والجودة ، ويصدق بعضه بعضاً في المعنى ويماثله ، هذا هو التشابه العام ، وكل من المحكم والمتشابه بمعناه المطلق المتقدم لا ينافي الآخر ، فالقرآن كله محكم بمعنى الإتقان ، وهو متماثل يصدق بعضه بعضاً ، فإن الكلام المحكم المتقن تتفق معانيه وإن اختلفت ألفاظه ، فإذا أمر القرآن بأمر لم يأمر بنقيضه في موضع آخر ، وإنما يأمر به أو بنظيره ، وكذلك الشأن في نواهيه وأخباره ، فلا تضاد فيه ولا اختلاف قال تعالى: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً ) (النساء:82) .
الإحكام الخاص والتشابه الخاص

وهناك إحكام خاص وتشابه خاص ذكرهما الله في قوله تعالى : ( هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هُنَّ أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا) (آل عمران:7) وفي معناهما وقع الاختلاف على أقوال أهمها :
أ . المحكم : ما عرف المراد منه - والمتشابه : ما استأثر بعلمه .
ب . المحكم : ما لا يحتمل إلا وجهاً واحداً - والمتشابه: ما أحتمل أوجهاً .
جـ. المحكم : ما استقل بنفسه ولم يحتج إلى بيان - والمتشابه : ما لا يستقل بنفسه واحتاج إلى بيان برده إلى غيره .
ويمثلون للمحكم في القرآن بناسخه وحلاله وحرامه وحدوده وفرائضه ووعده ووعيده ، وللمتشابه : بمنسوخه وكيفيات أسماء الله وصفاته التي في قوله تعالى: (الرحمن على العرش استوى) (طه:5) وقوله : (كل شيء هالك إلا وجهه) (القصص :88) وقوله : (يد الله فوق أيديهم) (الفتح:10) وقوله : (وهو القاهر فوق عباده) (الأنعام:18) وقوله : (وجاء ربك) (الفجر:22) وقوله : (وغضب الله عليهم) (الفتح:6) وقوله : (رضي الله عنهم) (البينة:8) وقوله : (فاتبعوني يحببكم الله) (آل عمران:31) .
إلى غير ذلك ، وأوائل السور المفتتحة بحروف المعجم وحقائق اليوم الآخر وعلم الساعة .

أنواع المتشابه :
أفاض العلماء في ذكر أنواعه ، دون المحكم ، لأن الموضوع شائك بالنسبة إلى المتشابه ، فذكروا أن المتشابه ثلاثة أنواع :
متشابه من جهة اللفظ فقط : ومتشابه من جهة المعنى فقط ، ومتشابه من جهتهما.
وسنذكر كلاً منها بشيء من الشرح :
1. المتشابه من جهة اللفظ : وهو الذي أصابه الغموض بسبب اللفظ وهو نوعان :

أ . أحدهما يرجع إلى الألفاظ المفردة إما من جهة الغرابة أو الاشتراك ، والمثال على الغرابة كلمة (الأب) وكلمة (يزفون) . والمثال على (الاشتراك اليد واليمين)

ب . ثانيهما : يرجع إلى جملة الكلام المركب وذلك ثلاثة أضرب :
1. ضرب لاختصار الكلام ، نحو (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فأنكحوا ما طاب لكم) (النساء:3)
2. ضرب لبسطه ، نحو (ليس كمثله شيء) (الشورى:11) .
3. وضرب لنظم الكلام ، نحو (أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجًا قيمًا) (الكهف:1) .

2. والمتشابه من جهة المعنى فقط : وذكر الراغب أن منه أوصاف الله تعالى ، وأوصاف القيامة إذ هو سبحانه ليس كمثله شيء ، وأحوال القيامة مما لا نستطيع تصورها ، لأن فيها ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر .
وقد ذهب ابن تيمية إلى أن اعتبار آيات الصفات من المتشابه غلط ، وقد رد على القائلين بذلك ردًا مفصلًا ، ولكن قرر أيضًا أن حقيقة ما تدل عليه الآيات من حقائق الأسماء والصفات من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله ، قال : (وأما حقيقة ما دل عليه ذلك من حقائق الأسماء والصفات ، فهذا تأويل المتشابه الذي لا يعلمه إلى الله ) .

3. والمتشابه من جهتهما على أنواع خمسة ، لن نذكرها ، ونكتفي بعرض نوع منها وذلك عندما يكون من جهة المكان والأمور التي نزلت فيها نحو (إنما النسئ زيادة في الكفر) (التوبة:37) فإن من لا يعرف عادتهم في الجاهلية يتعذر عليه تفسير هذه الآية.
وذكروا للمتشابه تقسيمًا آخر من حيث إمكانية معرفته ، فقالوا أنه ينقسم إلى ثلاثة أقسام :
الأول : لا سبيل إلى الوقوف عليه كوقت الساعة وخروج الدابة .
الثاني : للإنسان سبيل إلى معرفته كالألفاظ الغريبة .
الثالث : متردد بين الأمرين يختص بمعرفته بعض الراسخين في العلم ، ويخفي على من دونهم ، وهو المشار إليه بقوله صلى الله عليه وسلم لابن عباس : < اللهم فقهه في الدين وعمله التأويل> .

نور العين
26-Nov-2004, 10:13 AM
الاختلاف في إمكانية معرفة المتشابه

وكما وقع الاختلاف في معنى كل من المحكم والمتشابه الخاصين وقع الاختلاف في إمكان معرفة المتشابه ، ومنشأ هذا الاختلاف اختلافهم في الوقف في قوله تعالى : (والراسخون في العلم) (آل عمران:71) هل هو مبتدأ خبره (يقولون) والواو للاستئناف ، والوقف على قوله (وما يعلم تأويله إلا الله) ؟ أو هو معطوف (ويقولون) حال ، والوقف على قوله (والراسخون في العلم) .
فذهب إلى الأول (الاستئناف) طائفة منهم أُبي بن كعب وابن مسعود وابن عباس وغيرهم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ، مستدلين بمثل ما رواه الحاكم في مستدركه عن ابن عباس أنه كان يقرأ : (وما يعلم تأويله إلا الله ويقول الراسخون في العلم آمنا به) ، وبقراءة ابن مسعود (وإن تأويله إلا من عند الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به) .
وبما دلت عليه الآية من ذم متبعي المتشابه ووصفهم بالزيغ وابتغاء الفتنة ، وعن عائشة قالت: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية : (هو الذي أنزل عليك الكتاب ) إلى قوله : (أولوا الألباب) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : < فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذرهم> (أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما) .
وذهب إلى الرأي الثاني (العطف) طائفة على رأسهم مجاهد ، فقد روي عنه أنه قال:عرضت المصحف على ابن عباس من فاتحته إلى خاتمته ، أقف عند كل آية وأسأله عن تفسيرها ، واختار هذا القول النووي ، في شرح مسلم : إنه الأصح ، لأنه يبعد أن يخاطب الله عباده بما لا سبيل لأحد من الخلق إلى معرفته .
التوفيق بين الرأيين بفهم معنى التأويل :
بالرجوع إلى معنى (التأويل) يتبين أنه لا منافاة بين الرأيين ، فإن لفظ التأويل ورد لثلاثة معان :
(الأول) : صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن به ، وهذا هو اصطلاح أكثر المتأخرين .
(الثاني) : التأويل بمعنى التفسير : فهو الكلام الذي يفسر به اللفظ حتى يفهم معناه.
(الثالث) : التأويل : (هو الحقيقة التي يؤول إليها الكلام ، فتأويل ما أخبر الله به عن ذاته وصفاته هو حقيقة ذاته المقدسة وما لها من حقائق الصفات ، وتأويل ما أخبر الله به عن اليوم الآخر هو نفس ما يكون في اليوم الآخر ، وعلى هذا المعنى جاء قول عائشة : كان سول الله صلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه وسجوده : < سبحانك اللهم ربنا وبحمدك ، اللهم اغفر لي ) ، يتأوَّل القرآن ، تعنى قوله تعالى : (فسبح بحمد ربك واستغفره إن كان تواباً ) (النصر:3) .
فالذين يقولون بالوقف على قوله : (وما يعلم تأويله إلا الله ) ويجعلون (الراسخون في العلم) استئنافاً، إنما عنوا بذلك التأويل بالمعنى الثالث ، أي الحقيقة التي يؤول إليها الكلام ، فحقيقة ذات الله وكنهها وكيفية أسمائه وصفاته وحقيقة المعاد لا يعلمها إلا الله .
والذين يقولون بالوقف على قوله (والراسخون في العلم) على أن الواو للعطف وليست للاستئناف ، إنما عنوا بذلك التأويل بالمعنى الثاني أي التفسير ، ومجاهد إمام المفسرين ، قال الثوري فيه : إذا جاءك التفسير من مجاهد فحسبك به ، فإذا ذكر أنه يعلم تأويل المتشابه فالمراد به أنه يعرف تفسيره.
وبهذا يتضح أنه لا منافاة بين المذهبين في النهاية ، وإنما يرجع إلى الاختلاف في معنى التأويل .
ففي القرآن ألفاظ متشابهة تشبه معانيها ما نعلمه في الدنيا ، ولكن الحقيقة ليست كالحقيقة فأسماء الله وصفاته وإن كان بينها وبين أسماء العباد وصفاتهم تشابه في اللفظ والمعنى الكلي إلا أن حقيقة الخالق وصفاته ليست كحقيقة المخلوق وصفاته ، والعلماء المحققون يفهمون معانيها ويميزون الفرق بينها ، وأما نفس الحقيقة فهي من التأويل الذي لا يعلمه إلى الله ، ولهذا لما سُئل مالك وغيره من السلف عن قوله تعالى (الرحمن على العرش استوى) (طه:5) قال: "الاستواء معلوم ، والكيف مجهول، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعه" وكذلك قال ربيعة بن عبد الرحمن شيخ مالك قبله : "الاستواء معلوم ، والكيف مجهول ، ومن الله البيان ، وعلى الرسول البلاغ ، وعلينا الإيمان" فبين أن الاستواء معلوم ، وأن كيفية ذلك مجهولة .
وكذلك الشأن بالنسبة إلى إخبار الله عن اليوم الآخر ، ففيها ألفاظ تشبه معانيها ما هو معروف لدينا إلا أن الحقيقة غير الحقيقة ، ففي الآخرة ميزان ، وجنة ونار ، وفي الجنة (أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى) (محمد:15) . (فيها سرر مرفوعة ، وأكواب موضوعة ، ونمارق مصفوفة ، وزرابي مبثوثة) (الغاشية: 13-16) ، وذلك نعلمه ونؤمن به ، وندرك أن الغائب أعظم من الشاهد ، وما في الآخرة يمتاز عما في الدنيا ، ولكن حقيقة هذا الامتياز غير معلومة لنا ، وهي من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله .
التأويل المذموم

والتأويل المذموم بمعنى : صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن به ، إنما لجأ إليه كثير من المتأخرين مبالغة منهم في تنزيه الله تعالى عن مماثلته للمخلوقين كما يزعمون ، وهذا الزعم باطل أوقعهم في مثل ما هربوا منه أو أشد ، فهم حين يؤولون اليد بالقدرة مثلاً إنما قصدوا الفرار من أن يثبتوا للخالق يداً لأن للمخلوقين يداً فاشتبه عليهم لفظ اليد فأولوها بالقدرة ، وذلك تناقض منهم ، لأنهم يلزمهم في المعنى الذي أثبتوه نظير ما زعموا أنه يلزم في المعنى الذي نفوه ، لأن العباد لهم قدرة أيضاً ، وإن كان إثبات اليد باطلاً ممتنعاً لما يلزمه من التشبيه في زعمهم ، كان إثبات القدرة باطلاً ممتنعاً كذلك ، فلا يجوز أن يُقال : إن هذا اللفظ مؤوّل بمعنى أنه مصروف عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح .
وما جاء على أئمة السلف وغيرهم من ذم للمتأولين إنما هو لمثل هؤلاء الذين تأولوا ما يشتبه عليهم معناه على غير تأويله وإن كان لا يشتبه على غيرهم .

فوائد المتشابه :
قد يرد سؤال هو : ما الحكمة في إنزال المتشابه ووجوده ؟ والجواب على ذلك أن فوائد المتشابه تختلف بالنسبة إلى ما يمكن علمه وإلى ما لا يمكن علمه .
1. فوائد المتشابه الذي يمكن علمه
وهي عديدة نذكر منها أربعة هي :
أ . حث العلماء على النظر الموجب للعلم بغوامضه والبحث في دقائقه .
ب . ظهور التفاضل وتفاوت الدرجات إذ لو كان القرآن كله محكمًا لا يحتاج إلى تأويل لاستوت منازل الخلق ولم يظهر فضل العالم على غيره .
جـ. الحصول على الثواب الأكبر ، وذلك لأن المتشابه يوجب مزيد المشقة في الوصول إلى المراد ، وزيادة المشقة توجب مزيد الثواب .
د. تحصيل العلوم الكثيرة ، ذلك لأن المتشابه يوجب فهمه التعمق في معرفة النحو والمعاني وغيرهما والوقوف على أساليب العرب والعلوم الأخرى .
2. فوائد المتشابه الذي لا يمكن علمه :
أ . ابتلاء العباد بالوقوف عنده ، والتوقف فيه ، والتفويض والتسليم ، والتعبد بالاشتغال به من جهة التلاوة كالمنسوخ وإن لم يجز العلم بما فيه .
ب . إقامة الحجة على العرب البلغاء لأن القرآن نزل بلسانهم ولغتم ، ومع ذلك فقد عجزوا عن الوقوف على معناه ، فدل ذلك على أنه منزل من عند الله .

نور العين
26-Nov-2004, 10:14 AM
الناسخ والمنسوخ
تنزل التشريعات السماوية من الله تعالى على رسله لإصلاح الناس في العقيدة والعبادة والمعاملة . وحيث كانت العقيدة واحدة لا يطرأ عليها تغيير لقيامها على توحيد الألوهية والربوبية فقد اتفقت دعوة الرسل جميعًا عليها (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ) (الأنبياء : 25) - أما العبادات والمعاملات فإنها تتفق في الأسس العامة التي تهدف إلى تهذيب النفس والمحافظة على سلامة المجتمع وربطه برباط التعاون والإخاء ، إلا أن مطالب كل أمة قد تختلف عن مطالب أختها ، وما يلائم قومًا في عصر قد لا يلائمهم في آخر ، ومسلك الدعوة في طور النشأة والتأسيس يختلف عن شرعتها بعد التكوين والبناء ، فحكمة التشريع في هذه غيرها في تلك ، ولا شك أن المشرع سبحانه وتعالى يسع كل شيء رحمة وعلمًا ، ولله الأمر والنهي ( لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ) (الأنبياء : 23) ، فلا غرابة في أن يُرفع تشريع بآخر مراعاة لمصلحة العباد عن علم سابق بالأول والآخر

تعريف النسخ وشروطه
والنسخ لغة : يطلق بمعنى الإزالة ، ومنه يقال : نسخت الشمس الظل ، أي أزالته . ونسخت الريح أثر المشي - ويطلق بمعنى نقل الشيء من موضع إلى موضع ، ومنه نسخت الكتاب : إذا نقلت ما فيه . وفي القرآن ( إنا كنّا نستنسخ ما كنتم تعملون ) (الجاثية : 29) والمراد به نقل الأعمال إلى الصحف .
والنسخ في الاصطلاح : رفع الحكم الشرعي بخطاب شرعي - فخرج بالحكم رفع البراءة الأصلية ، وخرج بقولنا : بخطاب شرعي ، رفع الحكم بموت أو جنون أو إجماع أو قياس .

ويطلق الناسخ على الله تعالى كقوله ( ما ننسخ من آية ) (البقرة : 106) وعلى الآية وما يعرف به النسخ ، فيقال : هذه الآية ناسخة لآية كذا ، وعلى الحكم الناسخ لحكم آخر .
والمنسوخ هو الحكم المرتفع ، فآية المواريث مثلاً أو ما فيها من حكم ناسخ لحكم الوصية للوالدين والأقربين كما سيأتي ، ومقتضى ما سبق أنه يشترط في النسخ :
1. أن يكون الحكم المنسوخ شرعيًا .
2. أن يكون الدليل على ارتفاع الحكم خطابًا شرعيًا متراخيًا عن الخطاب المنسوخ حكمه .
3. وألا يكون الخطاب المرفوع حكمه مقيدًا بوقت معين . وإلا فالحكم ينتهي بانتهاء وقته ولا يعد هذا نسخًا . قال "مكي" : " ذكر جماعة أن ما ورد من الخطاب مشعرًا بالتوقيت والغاية مثل قوله في البقرة " :

( فاعفوا واصفحوا حتى يأتيّ الله بأمره ) (الآية : 109) محكم غير منسوخ ، لأنه مؤجل بأجل ، والمؤجل بأجل لا نسخ فيه .

ما يقع فيه النسخ
ومن هنا يعلم أن النسخ لا يكون إلا في الأوامر والنواهي - سواء كانت صريحة في الطلب أو كانت بلفظ الخبر الذي بمعنى الأمر أو النهي ، على أن يكون ذلك غير متعلق بالاعتقادات التي ترجع إلى ذات الله تعالى وصفاته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، أو الآداب الخلقية ، أو أصول العبادات والمعاملات لأن الشرائع كلها لا تخلو عن هذه الأصول . وهي متفقة فيها ، قال تعالى : ( شرع لكم من الدين ما وصّى به نوحًا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ) ( الشورى : 13) .وقال : ( يا أيها الذين آمنوا كُتب عليكم الصيام كما كُتب على الذين من قبلكم ) (البقرة : 183) ، وقال : ( وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً ) (الحج : 27) ، وقال في القصاص : ( وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص ) ( المائدة : 45) ، وقال في الجهاد : ( وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير ) (آل عمران : 145) ، وفي الأخلاق : ( ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحًا ) ( لقمان : 18) .
كما لا يدخل النسخ الخبر الصريح الذي ليس بمعنى الطلب كالوعد والوعيد .

ما يعرف به النسخ
ولمعرفة الناسخ والمنسوخ أهمية كبيرة عند أهل العلم من الفقهاء والأصوليين والمفسرين حتى لا تختلط الأحكام ، ولذلك وردت آثار كثيرة في الحث على معرفته ، فقد روي أن عليًا رضي الله عنه مرَّ على قاض فقال له : أتعرف الناسخ من المنسوخ ؟ قال : لا ، فقال : هلكت وأهلكت ، وعن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى : ( ومن يؤتَ الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا ) (البقرة : 269) : " ناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه ومقدمه ومؤخره ، وحرامه وحلاله " .

ولمعرفة الناسخ والمنسوخ طرق :
1. النقل الصريح عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن صحابي ، كحديث : < كنتُ نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها > رواه الحاكم . وقول أنس في قصة أصحاب بئر معونة كما سيأتي : ونزل فيهم قرآن قرأناه حتى رفع .
2. إجماع الأمة على أن هذا ناسخ وهذا منسوخ .
2. معرفة المتقدم من المتأخر في التاريخ .
ولا يعتمد في النسخ على الاجتهاد ، أو قول المفسرين ، أو تعارض ظاهر بين الأدلة ، أو تأخر إسلام أحد الراوين.

الآراء في النسخ وأدلة ثبوته
والناس في النسخ على أربعة أقسام :
1. اليهود : وهؤلاء ينكرونه لأنه يستلزم في زعمهم البداء ، وهو الظهور بعد الخفاء ، وهم يعنون بذلك : أن النسخ إما أن يكون لغير حكمة ، وهذا عبث محال على الله تعالى ، وإما أن يكون لحكمه ظهرت ولم تكن ظاهرة من قبل ، وهذا يستلزم البداء وسبق الجهل ، وهو محال على الله تعالى .

واستدلالهم هذا فاسد ، لأن كلاً من حكمة الناسخ وحكمة المنسوخ معلوم لله تعالى من قبل ، فلم يتجدد علمه بهما . وهو سبحانه ينقل العباد من حكم إلى حكم لمصلحة معلومة له من قبل بمقتضى حكمته وتصرفه المطلق في ملكه .
واليهود أنفسهم يعترفون بأن شريعة موسى ناسخة لما قبلها . وجاء في نصوص التوراة النسخ ، كتحريم كثير من الحيوان على بني إسرائيل بعد حله ، قال تعالى في إخباره عنهم : ( كل الطعام كان حلاً لبني إسرائيل إلا ما حرّم إسرائيل على نفسه ) ( آل عمران : 93) ، وقال : ( وعلى الذين هادوا حرَّمنا كل ذي ظُفر ) ( الأنعام : 146) ، وثبت في التوراة أن آدم كان يزوج من الأخت . وقد حرَّم الله ذلك على موسى ، وأن موسى أمر بني إسرائيل أن يقتلوا من عبد منهم العجل ثم أمرهم برفع السيف عنهم .
2. الروافض : وهؤلاء غالوا في إثبات النسخ وتوسعوا فيه ، وأجازوا البداء على الله تعالى ، فهم مع اليهود على طرفي نقيض ، واستدلوا على ذلك بأقوال نسبوها إلى علي رضي الله عنه زورًا وبهتانًا ، وبقوله تعالى : ( يمحو الله ما يشاء ويثبت ) (الرعد : 39) على معنى أنه يظهر له المحو والإثبات .
وذلك إغراق في الضلال ، وتحريف للقرآن . فإن معنى الآية : ينسخ الله ما يستصوب نسخه ويثبت بدله ما يرى المصلحة في إثباته ، وكل من المحو والإثبات موجود في كثير من الحالات ، كمحو السيئات بالحسنات ، قال تعالى : ( إن الحسنات يذهبن السيئات ) ( هود : 114) ، ومحو كفر التائبين ومعاصيهم بالتوبة وإثبات إيمانهم وطاعتهم ، ولا يلزم من ذلك الظهور بعد الخفاء ، بل يفعل الله هذا مع علمه به قبل كونه .
3. أبو مسلم الأصفهاني : وهو يجوّز النسخ عقلاً ويمنع وقوعه شرعًا ، وقيل يمنعه في القرآن خاصة محتجًا بقوله تعالى : ( لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ) ( فصلت : 42) على معنى أن أحكامه لا تبطل أبدًا ، ويحمل آيات النسخ على التخصيص .
ورد عليه بأن معنى الآية أن القرآن لم يتقدمه ما يبطله من الكتب ولا يأتي بعده ما يبطله .
4. وجمهور العلماء : على جواز النسخ عقلاً ووقوعه شرعًا لأدلة :
1. لأن أفعال الله لا تعلل بالأغراض ، فله أن يأمر بالشيء في وقت ، وينسخه بالنهي عنه في وقت ، وهو أعلم بمصالح العباد .
2. ولأن نصوص الكتاب والسنة دالة على جواز النسخ ووقوعه :
أ. قال تعالى : ( وإذا بدلنا آية مكان آية ) (النحل : 101) ، وقال : ( ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها او مثلها ) ( البقرة : 106) .
ب. وفي الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنه : قال : قال عمر رضي الله عنه : أقرؤنا أبي ، وأقضانا ، وإنا لندع من قول أبيّ ، وذاك أن أُبيًا يقول : لا أدع شيئًا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد قال الله عز وجل : ( ما ننسخ من آيةٍ أو نُنسها ) .

أقسام النسخ :
والنسخ أربعة أقسام :
القسم الأول : نسخ القرآن بالقرآن ، وهذا القسم متفق على جوازه ووقوعه من القائلين بالنسخ ، فآية الاعتداد بالحول مثلاً ، نسخت بآية الاعتداد بأربعة أشهر وعشر ، كما سيأتي في الأمثلة .
القسم الثاني : نسخ القرآن بالسنة : وتحت هذا نوعان :
أ. نسخ القرآن بالسنة الآحادية . والجمهور على عدم جوازه ، لأن القرآن متواتر يفيد اليقين ، والآحادي مظنون ، ولا يصح رفع المعلوم بالمظنون .
ب. ونسخ القرآن بالسنة المتواترة ، وقد أجازه مالك وأبو حنيفة وأحمد في رواية ، لأن الكل وحي . قال تعالى : ( وما ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى ) (النجم : 3 ، 4) ، وقال : ( وأنزلنا إليك الذِكر لتبين للناس ما نُزل إليهم ) ( النحل : 44 ) ، والنسخ نوع من البيان ومنعه الشافعي وأهل الظاهر وأحمد في الرواية الأخرى ، لقوله تعالى : ( ما ننسخ من آيةٍ أو نُنسها نأت بخير منها أو مثلها ) ( البقرة : 106) والسنة ليست خيرًا من القرآن ولا مثله .
القسم الثالث : نسخ السنة بالقرآن ، ويجيزه الجمهور ، فالتوجه إلى بيت المقدس كان ثابتًا بالسنة ، وليس في القرآن ما يدل عليه ، وقد نسخ بالقرآن في قوله : ( فول وجهك شطر المسجد الحرام ) ( البقرة : 144) ، ووجوب صوم يوم عاشوراء ، كان ثابتًا بالسنة ونسخ بقوله : ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) ( البقرة : 185) ، ومنع هذا القسم الشافعي في إحدى روايتيه ، وقال : " وحيث وقع بالسنة فمعها قرآن ، أو بالقرآن فمعه سنة عاضدة تبين توافق الكتاب والسنة " .
القسم الرابع : نسخ السنة بالسنة ، وتحت هذا أربعة أنواع :
1. نسخ متواترة بمتواترة .
2. ونسخ آحاد بآحاد .
3. ونسخ آحاد بمتواترة .
4. ونسخ متواترة بآحاد .
والثلاثة الأولى جائزة ، أما النوع الرابع ففيه الخلاف الوارد في نسخ القرآن بالسنة الآحادية ، والجمهور على عدم جوازه .
أما نسخ كل من الإجماع والقياس والنسخ بهما ، فالصحيح عدم جوازه .
أنواع النسخ في القرآن :
والنسخ في القرآن ثلاثة أنواع :
النوع الأول : نسخ التلاوة والحكم معًا ، ومثاله : ما رواه مسلم وغيره عن عائشة قالت : " كان فيما أُنزل عشر رضعات معلومات " يحرمن فنسخن بخمس معلومات " فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم " وهن مما يقرأ من القرآن " وقولها " وهن مما يقرأ في القرآن " ظاهره بقاء التلاوة ، وليس كذلك ، فإنه غير موجود في المصحف العثماني وأجيب بأن المراد قارب الوفاة .
والأظهر أن التلاوة نسخت ولم يبلغ ذلك كل الناس إلا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتوفي وبعض الناس يقرؤها .
وحكى القاضي أبو بكر في " الانتصار " عن قوم إنكار هذا القسم لأن الأخبار فيه أخبار آحاد ، ولا يجوز القطع على إنزال القرآن ونسخه بأخبار آحاد لا حجة فيها تفيد القطع ، ولكنها ظنية .

ويجاب على ذلك بأن ثبوت النسخ شيء ، وثبوت نزول القرآن شيء آخر ، فثبوت النسخ يكفي فيه الدليل الظني بخبر الآحاد ، أما ثبوت نزول القرآن فهو الذي يشترط فيه الدليل القطعي بالخبر المتواتر ، والذي معنا ثبوت النسخ لا ثبوت القرآن ، فيكفي فيه أخبار الآحاد . ولو قيل إن هذه القراءة لم تثبت بالتواتر لصح ذلك .

النوع الثاني : نسخ الحكم وبقاء التلاوة ومثاله : نسخ حكم آية العدة بالحول مع بقاء تلاوتها ، وهذا النوع هو الذي أُلفت فيه الكتب ، وذكر المؤلفون فيه الآيات المتعددة . والتحقيق أنها قليلة ، كما بين ذلك القاضي أبو بكر بن العربي .
وقد يقال ما الحكمة في رفع الحكم وبقاء التلاوة ؟

والجواب من وجهين ، أحدهما : أن القرآن كما يُتلى ليُعرف الحكم منه ، والعمل به ، فإنه يُتلى كذلك لكونه كلام الله تعالى فيثاب عليه ، فتركت التلاوة لهذه الحكمة .

نور العين
26-Nov-2004, 10:14 AM
وثانيهما : أن النسخ غالبًا يكون للتخفيف ، فأُبقيت التلاوة تذكيرًا بالنعمة في رفع المشقة .
وأما حكمة النسخ قبل العمل ، كالصدقة عند النجوى ، فيثاب على الإيمان به ، وعلى نية طاعة الأمر .
النوع الثالث : نسخ التلاوة مع بقاء الحكم : وقد ذكروا له أمثلة كثيرة ، منها آية الرجم " : الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم " ومنها ما رُويَ في الصحيحين عن أنس في قصة أصحاب بئر معونة الذين قتلوا وقنت الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو على قاتليهم ، قال أنس : ونزل فيهم قرآن قرأناه حتى رفع : " أن بلغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا " ، ثم نسخت تلاوته ، وبعض أهل العلم ينكر هذا النوع من النسخ . لأن الأخبار فيه أخبار آحاد ، ولا يجوز القطع على إنزال قرآن ونسخه بأخبار آحاد ، قال ابن الحصار : " إنما يرجع في النسخ إلى نقل صريح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو عن صحابي يقول : آية كذا نسخت كذا ، قال : " وقد يحكم به عند وجود التعارض المقطوع به مع علم التاريخ ليعرف المتقدم والمتأخر ، قال ولا يعتمد في النسخ على قول عوام المفسرين ، بل ولا اجتهاد المجتهدين من غير نقل صريح ، ولا معارضة بينه ، لأن النسخ يتضمن رفع حكم وإثبات حكم تقرر في عهده صلى الله عليه وسلم ، والمعتمد فيه النقل والتاريخ دون الرأي والاجتهاد ، قال : والناس في هذا بين طرفي نقيض ، فمن قائل لا يقبل في النسخ أخبار الآحاد العدول ، ومن متساهل يكتفي فيه بقول مفسر أو مجتهد ، والصواب خلاف قولهما " .

وقد يقال : إن الآية والحكم المستفاد منها متلازمان ، لأن الآية دليل على الحكم ، فإذا نسخت الآية نسخ حكمها ، وإلا وقع الناس في لبس .
ويجاب عن ذلك بأن هذا التلازم يسلم لو لم ينصب الشارع دليلاً على نسخ التلاوة ، وعلى إبقاء الحكم ، أما وقد نصب الدليل على نسخ التلاوة وحدها ، وعلى إبقاء الحكم واستمراره ، فإن التلازم يكون باطلاً ، وينتفي اللبس بهذا الدليل الشرعي الذي يدل على نسخ التلاوة مع بقاء الحكم
حكمة النسخ
1. مراعاة مصالح العباد .
2. تطور التشريع إلى مرتبة الكمال حسب تطور الدعوة وتطور حال الناس .
3. ابتلاء المكلف واختباره بالامتثال وعدمه .
4. إرادة الخير للأمة والتيسير عليها ، لأن النسخ إن كان إلى أشق ففيه زيادة الثواب ، وإن كان إلى أخف ففيه سهولة ويسر .

النسخ إلى بدل وإلى غير بدل
والنسخ يكون إلى بدل وإلى غير بدل - والنسخ إلى بدل : إما إلى بدل أخف ، وإما إلى بدل مماثل ، وإما إلى بدل أثقل .
1. فالنسخ إلى غير بدل : كنسخ الصدقة بين يدي نجوى رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى : : ( يا أيها الناس آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ) ( المجادلة : 12) نسخت بقوله : ( أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات ، فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ) ( المجادلة : 13) .

وأنكر بعض المعتزلية والظاهرية ذلك ، وقالوا : إن النسخ بغير بدل لا يجوز شرعًا ، لأن الله تعالى يقول : ( ما ننسخ من آيةٍ أو ننسها ناتِ بخير منها أو مثلها ) ( البقرة : 106) حيث أفادت الآية أنه لا بد أن يؤتى مكان الحكم المنسوخ بحكم آخر خير منه أو مثله .
ويجاب عن ذلك بأن الله تعالى إذا نسخ حكم الآية بغير بدل فإن هذا يكون بمقتضى حكمته ، رعاية لمصلحة عباده ، فيكون عدم الحكم خيرًا من ذلك الحكم المنسوخ في نفعه للناس ، ويصح حينئذ أن يقال : إن الله نسخ حكم الآية السابقة بما هو خير منها حيث كان عدم الحكم خيرا للناس .
2. والنسخ إلى بدل أخف : يمثلون له بقوله تعالى : ( أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ) ( البقرة : 187) ، فهي ناسخة لقوله : ( كما كُتب على الذين من قبلكم ) ( البقرة : 183) ، لأن مقتضاها الموافقة لما كان عليه السابقون من تحريم الأكل والشرب والوطء إذا صلوا العتمة أو ناموا إلى الليلة التالية ، كما ذكروا ذلك ، فقد روى ابن أبي حاتم عن ابن عمر قال : أنزلت : (كُتب عليكم الصيام كما كُتب على الذين من قبلكم ) ، كتب عليهم إذا صلى أحدهم العتمة أو نام حرم عليه الطعام والشراب والنساء إلى مثلها ، وروى مثله أحمد والحاكم وغيرهما ، وفيه : " فأنزل الله عز وجل : ( أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ) الآية " .
3. النسخ إلى بدل مماثل : كنسخ التوجه إلى بيت المقدس بالتوجه إلى الكعبة في قوله : ( فول وجهك شطر المسجد الحرام ) ( البقرة : 44) .
4. النسخ إلى بدل أثقل : كنسخ الحبس في البيوت في قوله تعالى : ( واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت ) ( النساء : 15) ، بالجلد في قوله تعالى : ( الزانية والزاني ) ( النور : 2) ، أو الرجم في قوله تعالى : ( الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة ...) واعترض بعض العلماء على هذا النوع محتجين بقوله تعالى : ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) وقوله : ( يريد الله أن يخفف عنكم ) ويجاب عن ذلك بأن البدل إلى أثقل يكون ميسرًا على المكلفين دون مشقة أو إرهاق ، مع ما فيه من زيادة النفع وعظيم الثواب ، وثقله وصف له بالنسبة إلى ما قبله .
أمثلة للنسخ
وللناسخ والمنسوخ أمثلة كثيرة ، إلا أن العلماء في هذا :
أ. منهم المكثر الذي اشتبه عليه الأمر فأدخل في النسخ ما ليس منه .
ب. ومنهم المتحري الذي يعتمد على النقل الصحيح في النسخ .
ومنشأ الاشتباه عند المكثرين أمور أهمها :
1. اعتبار التخصيص نسخًا .
2. اعتبار البيان نسخًا .
3. اعتبار ما شرع لسبب ثم زال السبب من المنسوخ ، كالحث على الصبر وتحمل أذى الكفار في بداية الدعوة حين الضعف والقلة ، قالوا إنه منسوخ بآيات القتال ، والحقيقية أن الأول - وهو وجوب الصبر والتحمل - كان ويكون لحالة الضعف والقلة . وإذا وجدت الكثرة والقوة وجب الدفاع عن العقيدة بالقتال ، وهو الحكم الثاني .
4. اعتبار ما أبطله الإسلام من أمر الجاهلية أو من شرائع الأمم السابقة نسخًا ، كتحديد عدد الزوجات بأربع ، ومشروعية القصاص والدية ، وقد كان عند بني اسرائيل القصاص فقط ؛ كما قال ابن عباس فيما رواه البخاري : كان في بني إسرائيل القصاص ولم تكن الدية فيهم ، فقال الله لهذه الأمة : ( كُتب عليك القصاص في القتلى ) ( البقرة : 178 ) إلى قوله تعالى : فمن عُفي له من أخيه شيء ) فالعفو أن تقبل الدية في العمد (فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة ، مما كتب على من كان قبلكم ) فمن اعتدى بعد ذلك ) قيل بعد قبول الدية (فله عذاب أليم ) . ومثل هذا ليس نسخاً ، وإنما هو رفع للبراءة الأصلية
وقد ذكر السيوطي في الإتقان إحدى وعشرين آية ، اعتبرها من قبيل النسخ . تذكر منها ما يأتي ونعلق عليه :
1. قوله تعالى : ( ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله ) ( البقرة : 115) منسوخة بقوله : ( فول وجهك شطر المسجد الحرام ) (البقرة : 144) وقد قيل - وهو الحق - إن الأولى غير منسوخة لأنها في صلاة التطوع في السفر على الراحلة وكذا في حال الخوف والاضطرار ، وحكمها باق ، كما في الصحيحين ، والثانية في الصلوات الخمس ، والصحيح أنها ناسخة لما ثبت في السنة من استقبال بيت المقدس .
2. قوله تعالى : ( كُتبَ عليك إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرًا الوصية للوالدين والأقربين ) ( البقرة : 180) قيل منسوخة بآية المواريث ، وقيل بحديث : " إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه ، فلا وصية لوارث " .
3. قوله : ( وعلى الذين يطيقونه فدية ) ( البقرة : 184) نسخت بقوله : ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) ( البقرة : 175) لما في الصحيحين من حديث سلمة بن الأكوع أنه قال : " لما نزلت ( وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ) كان من أراد أن يفطر يفتيد ، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها " .
وذهب ابن عباس إلى أنها محكمة غير منسوخة ، روى البخاري عن عطاء أنه سمع ابن عباس رضي الله عنهما يقرأ : ( وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ) ، قال ابن عباس : " ليست بمنسوخة . هي للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان كل يوم مسكينًا " - وليس معنى ( يطيقونه ) على هذا يستطيعونه ، وإنما معناه يتحملونه بمشقة وكلفة .
وبعضهم جعل الكلام على تقدير لا النافية ، أو وعلى الذين لا يطيقونه .
4. قوله : ( يسألونك عن الشهر الحرام قتالٌ فيه ، قل قتالُ فيه كبير ) ( البقرة : 217) ، نسخت بقوله : ( وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة ) ( التوبة : 36) وقيل يحمل عموم الأمر بالقتال على غير الأشهر الحرم فلا نسخ .
5. قوله : _ والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا وصية لأزواجهم متاعًا إلى الحول غير إخراج ) ( البقرة : 240 ) نسخت بقوله : ( والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرًا ) ( البقرة : 234) .
وقيل إن الآية الأولى محكمة لأنها في مقام الوصية للزوجة إذا لم تخرج ولم تتزوج ، أما الثانية فهي لبيان العدة ، ولا تنافي بينهما .
6. قوله : ( وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ) ( البقرة : 284) ، نسخت بقوله : ( لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها ) ( البقرة : 286) .
7. قوله : ( وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه ) ( النساء : 8) نسخت بآية المواريث وقيل - وهو الصواب - إنها غير منسوخة ، وحكمها باق على الندب .
8. قوله : ( واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلاً ، واللذان يأتيانها منكم فآذوهما ، فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما ) ( النساء : 15 و 16) ، نسختا بآية الجلد للبكر في سورة النور : ( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ) ( النور : 2) وبالجلد للبكر وبالرجم للثيب الوارد في السنة " .. البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة ، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم " .
9. قوله : ( إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين ) (الأنفال : 65) نسخت بقوله : ( الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفًا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين ) ( الأنفال : 66) .
10. قوله : ( انفروا خفافًا وثقالاً ) ( التوبة : 41) نسخت بقوله : ( ليس على الضعفاء ولا على المرضى ) ( التوبة : 91) ، وبقوله : ( وما كان المؤمنون لينفروا كافة ) ( التوبة : 122) .
وقيل إنه من باب التخصيص لا النسخ . وقد مر ذكر أمثلة أخرى .

نور العين
26-Nov-2004, 10:15 AM
إعجاز القرآن الكريم


إعجاز القرآن الكريم
المعجزة لغة : ما أُعجز به الخصم عند التحدي (القاموس المحيط) وهي أمر خارق للعادة يعجز البشر متفرقين ومجتمعين عن الإتيان بمثله يجعله الله على يد من يختاره لنبوته ، ليدل على صدقه وصحة رسالته.

والقرآن الكريم كلام الله المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم هو المعجزة العظمى الباقية على مرور الدهور والأزمان ، المعجز للأولين والآخرين إلى قيام الساعة .

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : < ما من الأنبياء نبي إلا أُعطي من الآيات على ما مثله آمن البشر ، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إليّ ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة (رواه البخاري : كتاب فضل آيات القرآن) ، (ومسلم ، كتاب الإيمان) .
وليس المراد في هذا الحديث حصر معجزاته صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم ، بل المراد أن القرآن الكريم هو المعجزة التي اختص بها دون غيره ، لأن كل نبي أعطي معجزة خاصة به ، تحدى بها من أُرسل إليهم ، وكانت معجزة كل نبي تقع مناسبة لحال قومه ، ولهذا لما كان السحر فاشياً في قوم فرعون ، جاءهم موسى عليه السلام بالعصا على صورة ما يصنع السحرة ، لكنها تلقف ما صنعوا ، ولم يقع ذلك بعينه لغيره .

ولما كان الأطباء في غاية الظهور ، جاء عيسى عليه السلام بما حيّر الأطباء من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص ، وكل ذلك من جنس عملهم ولكن لم تصل إليه قدرتهم.

ولما كانت العرب أرباب الفصاحة والبلاغة والخطابة ؛ جعل الله عز وجل معجزة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم القرآن الكريم الذي (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل حكيم حميد) (فصلت) .

وتتميز معجزة القرآن الكريم عن سائر المعجزات ؛ لأنه حجة مستمرة باقية على مر العصور ، والبراهين التي كانت للأنبياء انقرض زمانها في حياتهم ولم يبق منها إلا الخبر عنها ، أما القرآن الكريم فلا يزال الحجة البالغة ، لذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : < فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة> .
والقرآن الكريم آية بينة ، معجزة من وجوه متعددة من جهة اللفظ ، ومن جهة النظم والبلاغة في دلالة اللفظ على المعنى ، ومن جهة معانيه التي أمر بها ومعانيه التي أخبر بها عن الله تعالى وأسمائه وصفاته وملائكته ، وغير ذلك من الوجوه الكثيرة التي ذكر كل عالم ما فتح الله عليه به منها ، ومن وجوه الإعجاز في القرآن الكريم .
1. الإعجاز البياني والبلاغي :
من الإعجاز القرآني ما اشتمل عليه من البلاغة والبيان والتركيب المعجز ، الذي تحدى به الإنس والجن أن يأتوا بمثله فعجزوا عن ذلك قال تعالى : (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً ) (الإسراء:88).
وقال تعالى : (أم يقولون تقوّله بل لا يؤمنون ، فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين) (الطور:33-34).
فلم يستطيعوا الإتيان بمثله - وأنى لهم ذلك - ولم يكونوا من الصادقين :
وتحداهم أن يأتوا بعشر سوره مثله.. (أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سوره مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين) (هود:13) .
وعجزوا أيضاً عن ذلك : فأفسح لهم في التحدي (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله ، وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين) (البقرة:23-24) .

وثبت التحدي في هذه الآية للعرب المعاصرين لنزول القرآن الكريم ولمن يأتي بعدهم إلى آخر الزمان .
وأكد التحدي ، وقطع بعجزهم حيث قال : (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ، ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً) (الإسراء:88) .
2. الإخبار عن الغيوب :
مما يدل على أن القرآن الكريم معجزة من عند الله العلي القدير ، أنه اشتمل على أخبار كثير من الغيوب التي لا علم لأحد من المخلوقين بها ، ولا سبيل لبشر أن يعلمها .

والإخبار بالغيب أنواع :
النوع الأول : غيوب الماضي ، وتتمثل في قصص الأنبياء والسابقين وأقوامهم ، وما أخبر به الله عن ماضي الأزمان وبداية الخلق .
النوع الثاني : غيوب الحاضر : حيث أخبر الله عز وجل رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم بغيوب حاضرة مثل كشف أسرار المنافقين ، والأخطاء التي وقع فيها بعض المسلمين ، أو غير ذلك مما لا يعلمه إلا الله وأطلع عليه رسوله صلى الله عليه وسلم .
النوع الثالث : غيوب المستقبل ، أخبر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بأمور لم تقع ، ثم وقعت كما أخبر ، وعلى أمور سوف تحدث في الأزمان والقرون التالية والتي سوف تأتي بعد ذلك ، مما يجتهد العلماء في فهمه وتأويله .
الإعجاز التشريعي :
جاء القرآن الكريم لهداية الإنس والجن، على أن يتبعوه ويعملوا بتشريعاته ، التي تفي بحاجات جميع البشر في كل زمان ومكان، لأن الذي أنزله هو العليم بكل شيء ،خالق البشر ، الخبير بما يصلحهم وما يفسدهم ، وما ينفعهم وما يضرهم ، فإذا شرع أمراً جاء في أعلى درجات الحكمة والخبرة ( ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير) (الملك:14) .
ويزداد الوضوح عند التأمل في أحوال الأنظمة والقوانين البشرية التي يظهر عجزها عن معالجة المشكلات البشرية ومسايرة الأوضاع والأزمنة والأحوال ، مما يضطر أصحابها إلى الاستمرار في التعديل والزيادة والنقص ، فيلغونَ غداً ما وضعوه اليوم ، لأن الإنسان محل النقص والخطأ ، والجهل بأعماق النفس البشرية ، وبما يحدث في أوضاع الإنسان وأحواله المختلفة ، وبما يصلح البشرية في كل عصر ، فهذا هو الدليل الحي الشاهد على عجز جميع البشر عن الإتيان بأنظمة تصلح الخلق وتقوم أخلاقهم ، وعلى أن القرآن الكريم كفيل برعاية مصالح العباد دون خلل . وهدايتهم إلى كل ما يصلح أحوالهم في الدنيا والآخرة إذا تمسكوا به واهتدوا بهديه.
قال تعالى : (إن هذا القرآن يهدي للتي هو أقوم ويبشر ا لمؤمنين الذي يعملون الصالحات أن لهم أجراً كبيراً) (الإسراء:9) .
وإجمالاً فإن الشريعة الإسلامية الغراء التي جاء بها كتاب الله تعالى مدارها على ثلاث مصالح :
المصلحة الأولى : درء المفاسد عن ستة أشياء : حفظ الدين ، والنفس والعقل والبدن والعرض والمال .
المصلحة الثانية : جلب المصالح في جميع الميادين وسد كل ذريعة تؤدي إلى الضرر .
المصلحة الثالثة : الجري على مكارم الأخلاق ومحاسن العادات ، ولم يترك القرآن الكريم جانباً من الجوانب التي يحتاجها البشر في الدنيا والآخرة إلا ووضع لها القواعد وهدى إليها بأقوم الطرق وأعدلها ، وإذا دققنا النظر وأمعنا الفكر لوجدنا أن به الحلول لجميع المشاكل العالمية التي عجز البشر عن إيجاد الحلول الحاسمة لها .
3. الإعجاز العلمي الحديث :
ويتصل بما ذكر من إعجاز القرآن الكريم في إخباره عن الأمور الغيبية المستقبلية ، نوع جديد كشف عنه العلم في العصر الحديث ، مصداقاً لقوله تعالى : (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ، أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد) (فصلت:53) .
وقد تحقق هذا الوعد في الأزمنة الأخيرة ، فرأى الناس آيات الله في الآفاق ، وفي جسم الإنسان وأجسام باقي المخلوقات وأجهزته الحيوية ، بأدق الأجهزة وأحدث الوسائل ، التي لم يتم اختراعها إلا في العصر الحديث .

المراجع :
- كتاب "الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى " ، سعيد بن علي القحطاني .
- "مناهل العرفان في علوم القرآن" ، للزرقاني .
- "كتاب الإيمان" ، عبد المجيد الزنداني .
- "أضواء البيان" ، للشنقيطي .

نور العين
26-Nov-2004, 10:16 AM
من أسرار القرآن
من الإشارات الكونية في القرآن الكريم ومغزى دلالتها العلمية‏، ما جاء في قوله تعالى: {‏ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلوا فيه يعرجون‏li‏ لقالوا إنما سُكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون}(الحِجْر:14-15).

هاتان الآيتان الكريمتان وردتا في سياق الحديث عن عناد ومكابرة كفار قريش لخاتم الأنبياء والمرسلين‏‏ صلى الله عليه وسلم.‏ وتكذيبهم ببعثته‏،‏ وتشكيكهم في الوحي الذي أنزل إليه من ربه‏،‏ واتهامهم له بالجنون‏،‏ وهم أعرف الناس بأنه‏‏ صلى لله عليه وسلم‏‏ كان أرجح الناس عقلا‏،‏ وأعظمهم خلقا‏،‏ وأشرفهم نسبا،‏ ولذلك نزلت الآيات في

مطلع سورة الحِجْر لتشيد بالقرآن الكريم‏،‏ ولتهدد هؤلاء الجاحدين بمشهد يوم عظيم يعانون فيه أهوال الآخرة، فيتمنون لو كانوا في الدنيا قد أسلموا لرب العالمين‏، وآمنوا ببعثة خاتم الأنبياء والمرسلين‏،‏ وبآيات هذا الكتاب المبين‏،‏ وبيوم البعث الذي كانوا به ينذرون‏.‏

وليهون القرآن الكريم على النبي الخاتم‏‏ صلى الله عليه وسلم‏ صلف هؤلاء المتكبرين، تطلب منه الآيات القرآنية أن يدعهم في غيهم يأكلون ويتمتعون‏،‏ ويُلْهِهِم الأمل بطول الأجل عن التفكير فيما سوف يلقونه من عذاب مهين في الدنيا قبل الآخرة‏،‏ وذلك جزاء كفرهم وعنادهم وكبرهم‏.
وهذا التهديد والوعيد من الله‏ تعالى‏ لهؤلاء المجرمين من الكفار والمشركين‏،‏ يتبعه تذكير بمصائر غيرهم من الأمم السابقة عليهم‏،‏ وبأن الله‏‏ تعالى‏ لم يهلك أيا من تلك القرى الظالمة التي كذبت بآياته ورسله إلا وجعل لهلاكها أجلا محددا‏.‏

وتذكر الآيات تحديات كفار قريش لرسول الله‏‏ صلى الله عليه وسلم‏،‏ واستهزائهم به‏، واستنكارهم لشرف بعثته حتى طلبوا منه أن يأتيهم بالملائكة ليشهدوا له بصدق نبوته‏،‏ فيرد الحق‏ تبارك وتعالى‏ عليهم، بأن الملائكة لا تنزل إلا بالحق‏،‏ وأن من هذا الحق أن يدمر المكذبون بآيات الله ورسله بعد أن جاءتهم نذر ربهم‏.‏

ثم تؤكد تلك الآيات الكريمات على أن الله تعالى هو الذي أنزل القرآن العظيم‏، وأنه تعالى قد تعهد بحفظه فحفظ‏، فلا يمكن لمحاولة تحريف أن تطوله‏،‏ ولا لمؤامرة تبديل أن تصيبه‏، مهما حاول المحرفون‏، وتضافر المتآمرون‏.‏ وهذا الحفظ الرباني لآخر الكتب السماوية وأتمها وأكملها‏، لهو بحق أعظم المعجزات المبهرة لهذا الكتاب الخالد‏، وعلى الرغم من ذلك كله فقد كذب به هؤلاء المعاندون‏، كما يكذب به نفر من كفار هذا الزمان الرديء ومشركيه وملاحدته‏.‏

ومن قبيل تهوين الأمر على خاتم الأنبياء والمرسلين‏ صلى الله عليه وسلم‏، والتهوين على أتباعه الصالحين في زماننا وفي كل زمان، تذكره الآيات وتذكرهم أنه‏‏ صلى الله عليه وسلم‏‏ لم يكن متفردا بجحود قومه‏،‏ وتكذيبهم‏،‏ ومكابرتهم‏،‏ وعنادهم‏،‏ واستهزائهم‏،‏ فقد سبقه من الأنبياء والمرسلين من تعرضوا لذلك وأشد منه‏،‏ فاستحقت أقوامهم المكذبة عقاب الله في الدنيا قبل الآخرة‏.

‏ ومن الغريب أن الجاحدين من الخلق‏‏ الذين أشركوا بالله‏‏ أو كفروا به‏‏ سبحانه‏ وبملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر في كل زمان ومكان‏، لم يكن لينقصهم الدليل المنطقي على قبول وحي السماء‏، وما فيه من آيات بينات ولكنه الصلف والعناد والمكابرة في مقابلة الحق‏، ومواجهة كل حجة أتتهم‏، وكل بينة جاءتهم‏، تماما بتمام‏، كما كان موقف كفار قريش من خاتم الأنبياء والمرسلين‏‏ صلى الله عليه وسلم‏،‏ ومما أنزل إليه من قرآن كريم‏،‏ فتصور لنا الآيات في مطلع سورة الحجر نموذجا صارخا لمكابرة أهل الباطل وعنادهم في مواجهة الحق‏،‏ وذلك بقول ربنا‏ تبارك وتعالى:‏ { ولو فتحنا عليهم باباً من السماءli فظلوا فيه يعرجون‏li‏ لقالوا إنما سُكِّرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون‏}(الحجر:14-15)‏ بمعنى أنه حتى لو فتح الله‏ تعالى‏ على هؤلاء المكابرين باباً من السماء‏، وأعانهم على الاستمرار بالعروج فيه بأجسادهم وكامل حواسهم‏، حتى يطلعوا على بديع صنع الله في ملكوته‏،‏ وعلى عظيم قدرته في إبداع خلقه‏، وعلى اتساع سلطانه وملكه‏، وعلى حشود الخاضعين له بالعبادة والطاعة والتسبيح في خشية وإشفاق بالغين‏، لشكوا في تلك الرؤية المباشرة‏،‏ ولكذبوا أبصارهم وعقولهم وباقي حواسهم‏،‏ ولاتهموا أنفسهم بالعجز التام عن الرؤية تارة‏، وبالوقوع تحت تأثير السحر تارة أخرى،‏ وذلك في محاولة لإنكار الحق من فرط مكابرتهم وصلفهم وعنادهم‏.‏

وعلى الرغم من كون أن ( لو ) حرف امتناع لامتناع‏، وكون هاتين الآيتين الكريمتين قد وردتا في مقام التشبيه والتصوير لحال المكابرين من الكفار والمشركين وعنادهم وصلفهم‏،‏ إلا أن صياغتهما قد جاءت ـ كما تجيء صياغة كل آيات القرآن الكريم ـ على قدر مذهل من الدقة العلمية والشمول للحقيقة الكونية والكمال المطلق، مما يشهد بأن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق الذي أبدع هذا الكون بعلمه وحكمته وقدرته‏،‏ وأن خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد بن عبد الله‏‏ صلوات الله وسلامه عليه‏ كان موصولا بالوحي‏،‏ ومعلما من قبل خالق السماوات والأرض‏‏ سبحانه وتعالى.‏

وأحاول في هذا المقال عرض عدد مما استطعت إدراكه من ملامح الإعجاز العلمي في هاتين الآيتين الكريمتين على النحو التالي‏:‏
‏(1)‏ اللمحة الإعجازية الأولى:‏
صورة من سفينة الفضاء جاليليو توضح طبقة النهار على كل من كوكب الأرض والقمر ويرى نصف كل منهما المواجه للشمس منيرا فى ظلمة الكون، والصورة الثانية مأخوذة من مكوك الفضاء تشالينجر لرائد الفضاء بروس ماكاندليس يدور حول كوكب الأرض فيرى نور النهار خيطا أزرق دقيقا فى ظلمة الكون.

وقد وردت في قول الحق‏ تبارك وتعالى:‏ { ولو فتحنا عليهم باباً من السماء‏..}‏ما يؤكد أن السماء ليست فراغا كما كان يعتقد الناس إلى عهد قريب‏، حتى ثبت لنا أنها بنيان محكم‏، يتعذر دخوله إلا عن طريق أبواب تفتح للداخل فيه‏.

والسماء لغة‏،‏ هي‏:‏ كل ما علاك فأظلك‏. واصطلاحا،‏ هي‏:‏ ذلك العالم العلوي الذي نراه فوق رؤوسنا بكل ما فيه من أجرام‏.‏
وعلميا هي كل ما يحيط بالأرض من مختلف صور المادة والطاقة، بدءً من غلافها الغازي‏‏ وانتهاء بحدود الكون‏،‏ والذي أدرك العلماء منه مساحة يبلغ قطرها‏24‏ ألف مليون سنة ضوئية علي الأقل أي حوالي‏ (2282110‏ كيلو متر‏)‏ وأحصوا فيه أكثر من مائتي ألف مليون مجرة من أمثال مجرتنا المعروفة بإسم سكة التبانة‏،‏ أو درب التبانة‏،‏ والتي أحصي العلماء فيها حوالي مليون مليون نجم كشمسنا‏، والكون فوق ذلك دائم الاتساع إلى نهاية لا يعلمها إلا الله‏‏ سبحانه وتعالى.‏

وقد ثبت مؤخرا أن السماء مليئة بمختلف صور المادة والطاقة التي انتشرت بعد انفجار الجرم الكوني الأول‏،‏ والذي كان يضم كل مادة الكون‏،‏ ومختلف صور الطاقة المنبثة في أرجائه اليوم‏، وذلك عند تحوله من مرحلة الرتق إلى مرحلة الفتق، كما يصفهما القرآن الكريم‏ : {..أن السموات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما..}(الأنبياء:30)‏ ويقدر علماء الكون أن ذلك قد حدث منذ فترة تقدر بحوالي العشرة بلايين من سنة على أقل تقدير‏.‏
وعند انفجار ذلك الجرم الكوني الأول، تحولت مادته ومختلف صور الطاقة المخزونة فيه إلى سحابة هائلة من الدخان ملأت فسحة الكون‏، ثم أخذت في التبرد والتكثف بالتدريج حتى وصلت إلى حالة من التوازن الحراري بين جسيمات المادة وفوتونات الطاقة‏،‏ وهنا تشكلت بعض نوي الإيدروجين المزدوج‏ (‏ الديوتريوم‏)‏ وتبع ذلك تخلق النوي الذرية لأخف عنصرين معروفين لنا، وهما الأيدروجين والهيليوم‏، ثم تخلق نسب ضئيلة من العناصر الأثقل وزنا‏.‏
وبواسطة دوامات الطاقة التي انتشرت في سحابة الدخان التي ملأت أرجاء الكون، تشكلت السدم، وهي أجسام غازية في غالبيتها‏،‏ تتناثر بين غازاتها بعض الهباءات الصلبة‏‏ وتدور المادة فيها في دوامات شديدة تساعد على المزيد من تكثفها في سلسلة من العمليات المنضبطة حتى تصل إلى مرحلة الاندماج النووي التي تكون النجوم بمختلف أحجامها‏، وهيئاتها‏، ودرجات حرارتها‏، وكثافة المادة فيها‏، ومنها النجوم العادية أو نجوم النسق الأساسي

المفردة والمزدوجة‏، والمستعرات الشديدة الحرارة‏(‏ العمالقة الحمر والعمالقة الكبار‏)‏ والنجوم البيضاء القزمة‏، ومنها النجوم النيوترونية النابضات منها وغير النابضات‏ (التي تصل كثافة المادة فيها إلى خمسين بليون طن للسنتيمتر المكعب‏)‏ وأشباه النجوم‏ (‏ التي تقل كثافة المادة فيها عنها في شمسنا ومنها الثقوب السود التي تصل كثافة المادة فيها إلى مائتي بليون طن للسنتيمتر المكعب‏) والثقوب الدافئة وغير ذلك من أجرام السماء مما يشكل المجرات والتجمعات المجرية‏، وغيرها من نظم الكون المبهرة‏.‏

ومن أشلاء النجوم تكونت الكواكب والكويكبات‏، والأقمار والمذنبات‏،‏ والشهب والنيازك‏، والأشعات الكونية التي تملأ فسحة الكون بأشكالها المتعددة‏، وغير ذلك مما لا نعلم من أسرار هذا الوجود‏.‏

وقبل سنوات قليلة لم يكن أحد من الناس يعلم أن السماء على اتساعها ليست فراغا‏،‏ ولكنها مليئة بالمادة على هيئة رقيقة للغاية‏، تشكلها غازات مخلخلة يغلب على تركيبها غازا الإيدروجين والهيليوم‏، مع نسب ضئيلة جدا من الأوكسيجين‏ والنيتروجين‏، والنيون‏، وبخار الماء‏، وهباءات نادرة من المواد الصلبة‏، مع انتشار هائل للأشعات الكونية بمختلف صورها في مختلف جنبات الكون‏.‏

ولقد كان السبب الرئيسي لتصور أن الكون فراغ تام هو التناقص التدريجي لضغط الغلاف الغازي للأرض مع الارتفاع عن سطحها حتى لا يكاد يدرك بعد ألف كيلو متر فوق سطح البحر‏. ومن أسباب زيادة كثافة الغلاف الغازي للأرض بالقرب من سطحها هو إنطلاق كميات هائلة من بخار الماء وغازات عديدة أغلبها أكاسيد الكربون والنتروجين من جوفها أثناء تبرد قشرتها‏،‏ وعبر فوهات البراكين التي نشطت ولا تزال تنشط على سطحها وقد اختلطت تلك الغازات الأرضية بالسحابة الغازية الكونية‏،‏ وساعدت جاذبية الأرض على الاحتفاظ بالغلاف الغازي للأرض بكثافته التي تتناقص باستمرار بالبعد عنها حتى تتساوى مع كثافة الغلالة الغازية الأولية التي تملأ أرجاء الكون وتندمج فيها‏.‏

نور العين
26-Nov-2004, 10:18 AM
وعلى ذلك فقد أثبتت الدراسات الحديثة أن السماء بناء محكم‏، تملأه المادة والطاقة‏، ولا يمكن اختراقه إلا عن طريق أبواب تفتح فيه‏،‏ وهو ما أكده القرآن الكريم قبل ألف وأربعمائة سنة في أكثر من آية صريحة‏،‏ ومنها الآية الكريمة التي نحن بصددها ولو فتحنا عليهم بابا من السماء‏..‏ وهي شهادة صدق على أن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق‏،‏ الذي أبدع هذا الكون بعلمه وحكمته وقدرته‏،‏ وأنزل القرآن الكريم بعلمه الحق‏.‏

‏(2)‏ اللمحة الإعجازية الثانية‏:‏
وتتضح من وصف الحركة في السماء بالعروج‏:‏ {..فظلوا فيه يعرجون..} والعروج لغة هو سير الجسم في خط منعطف منحن‏،‏ فقد ثبت علميا أن حركة الأجسام في الكون لايمكن أن تكون في خطوط مستقيمة‏،‏ بل لابد لها من الانحناء نظرا لانتشار المادة والطاقة في كل الكون‏، وتأثير كل من جاذبية المادة‏‏ بأشكالها المختلفة،‏ والمجالات المغناطيسية للطاقة‏ (بتعدد صورها‏) على حركة الأجسام في الكون‏،‏ فأي جسم مادي مهما عظمت كتلته أو تضاءلت لا يمكنه التحرك في الكون إلا في خطوط منحنية، حتى الأشعة الكونية على تناهي دقائقها في الصغر‏(‏وهي تتكون من اللبنات الأولية للمادة مثل البروتونات والنيوترونات والإليكترونات‏)‏ فإنها إذا عبرت خطوط أي مجال مغناطيسي فإن هذا المجال يحني مسار الشعاع بزاوية قائمة على مساره‏. فانتشار كل من المادة والطاقة في الكون عبر عملية الفتق وما صاحبها من انفجار عظيم كانت من أسباب تكوره‏،‏ وكذلك كان انتشار قوى الجاذبية في أرجاء الكون من أسباب تكور كل أجرامه‏،‏ وكان التوازن الدقيق الذي أوجده الخالق العظيم بين كل من قوي الجاذبية والقوى الدافعة الناتجة عن عملية الفتق هو الذي حدد المدارات التي تتحرك فيها كل أجرام السماء‏، والسرعات التي تجري بها في تلك المدارات والتي يدور بها كل منهم حول محوره‏.‏

فعند انفجار الجرم الكوني الأول، انطلق كل ما كان به من مخزون المادة والطاقة بالقوة الدافعة الناتجة عن ذلك الانفجار العظيم‏(‏ عملية الفتق‏)‏ والتي أكسبت كل صور المادة والطاقة المنطلقة إلى فسحة الكون طاقة حركة هائلة‏، وجعلتها بذلك واقعة تحت تأثير قوتين متعارضتين هما قوة التجاذب الرابطة بينها‏‏ والقوة الطاردة الناتجة عن ذلك الانفجار الكوني‏،‏ والتوازن الدقيق بين هاتين القوتين المتعارضتين هو الذي يحفظ أجرام السماء في مداراتها‏،‏ ويجعلها تتحرك فيها حركة دائرية بخطوط منحنية باستمرار،‏ كما جعلها تدور حول محاورها بسرعات محددة‏.‏
ودوران الأجرام السماوية حول محاورها وفي مداراتها تخضع لقانون يعرف باسم قانون بقاء التحرك الزاوي أو قانون العروج.
وينص هذا القانون على أن كمية التحرك الزاوي لأي جرم سماوي تقدر على أساس نسبة سرعة دورانه حول محوره إلى نصف قطره على محور الدوران‏،‏ وتبقي كمية التحرك الزاوي تلك محفوظة في حالة انعدام مؤثرات أخرى،‏ ولكن إذا تعرض الجرم السماوي إلى مؤثرات خارجية أو داخلية فإنه سرعان ما يكيف حركته الزاوية في ضوء التغيرات الطارئة‏.‏ فعلي سبيل المثال تزداد سرعة التحرك الزاوي للجرم كلما انكمش حجمه،‏ وكما سبق وذكرنا فإن جميع الأجرام الأولية قد تكثفت مادتها على مراحل متتالية من سحابة الدخان الكوني التي نتجت عن انفجار الجرم الابتدائي الذي حوى كل مادة وطاقة الكون‏‏ تاركة كميات هائلة من الغازات والغبار والأشعات الكونية‏،‏ وعلى ذلك فقد كانت الكواكب الابتدائية، على سبيل المثال، أكبر حجما بمئات المرات من الكواكب الحالية‏،‏ وكانت أرضنا الابتدائية مائتي ضعف حجم الأرض الحالية‏، على الأقل،‏ وهذه الكواكب الابتدائية أخذت في التكثف علي مراحل متتالية حتى وصلت إلى صورتها الحالية‏.‏

وبمثل عملية نشأة الكون تماما وبالقوانين التي تحكم دوران أجرامه حول محاورها‏،‏ وفي مدارات لكل منها حول جرم أكبر منه تتم عملية إطلاق الأقمار الصناعية ومراكب الفضاء من الأرض إلى مدارات محددة حولها‏، أو حول أي من أجرام مجموعتنا الشمسية‏، أو حتى إلى خارج حدود المجموعة الشمسية‏،‏ وذلك بواسطة قوى دافعة كبيرة تعينها على الإفلات من جاذبية الأرض‏، من مثل صواريخ دافعة تتزايد سرعتها بالجسم المراد دفعه إلى قدر معين من السرعة،‏ ولما كانت الجاذبية الأرضية تتناقص بزيادة الارتفاع عن سطح الأرض‏،‏ فإن سرعة الجسم المرفوع إلى الفضاء تتغير بتغير ارتفاعه فوق سطح ذلك الكوكب‏،‏ وبضبط العلاقة بين قوة جذب الأرض للجسم المنطلق منها إلى الفضاء والقوة الدافعة لذلك الجسم‏(‏ أي سرعته‏)‏ يمكن ضبط المستوى الذي يدور فيه الجسم حول الأرض‏،‏ أو حول غيرها من أجرام المجموعة الشمسية أو حتى إرساله إلى خارج المجموعة الشمسية تماما‏، ليدخل في أسر جرم أكبر يدور في فلكه‏.‏

وأقل سرعة يمكن التغلب بها على الجاذبية الأرضية في إطلاق جرم من فوق سطحها إلى فسحة الكون، تسمى باسم سرعة الإفلات من الجاذبية الأرضية‏، وحركة أي جسم مندفع من الأرض إلى السماء لابد وأن تكون في خطوط منحنية، وذلك تأثرا بكل من الجاذبية الأرضية‏، والقوة الدافعة له إلى السماء‏،‏ وكلتاهما تعتمد على كتلة الجسم المتحرك‏،‏ وعندما تتكافأ هاتان القوتان المتعارضتان يبدأ الجسم في الدوران في مدار حول الأرض مدفوعا بسرعة أفقية، تعرف باسم سرعة التحرك الزاوي أو سرعة العروج.

والقوة الطاردة اللازمة لوضع جرم ما في مدار حول الأرض تساوي كتلة ذلك الجرم مضروبة في مربع سرعته الأفقية‏ ( المماسة للمدار‏)‏ مقسومة على نصف قطر المدار‏(‏ المساوي للمسافة بين مركزي الأرض والجرم الذي يدور حولها‏) ولولا معرفة حقيقة عروج الأجسام في السماء لما تمكن الإنسان من إطلاق الأقمار الصناعية‏،‏ ولا استطاع ريادة الفضاء‏.‏ فقد أصبح من الثابت أن كل جرم متحرك في السماء ـ مهما كانت كتلته ـ محكوم بكل من القوي الدافعة له وبالجاذبية مما يضطره إلى التحرك في خط منحن يمثل محصلة كل من قوى الجذب والطرد المؤثرة فيه‏، وهذا ما يصفه القرآن الكريم بالعروج‏، وهو وصف التزم به هذا الكتاب الخالد في وصفه لحركة الأجسام في السماء في خمس آيات متفرقات وذلك قبل ألف وأربعمائة سنة من اكتشاف الإنسان لتلك الحقيقة الكونية المبهرة على النحو التالي‏:‏
‏(1)‏ قوله تعالى: {ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلوا فيه يعرجون‏}(‏ الحجر‏:14)‏.
‏(2)‏ قوله تعالى: {يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون}‏(‏السجدة‏:5)‏.
‏(3) قوله تعالى: {يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور}‏(‏سبأ‏:2)‏.
‏(4)‏ قوله تعالى: {ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضة ومعارج عليها يظهرون}‏(‏الزخرف‏:33)‏.
‏(5)‏ قوله تعالى: {يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير}‏<‏الحديد‏:4>‏.
‏(6)‏ قوله تعالى: {من الله ذي المعارج‏li‏ تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة}‏(‏المعارج‏:3-4)‏.
‏(3)‏ اللمحة الإعجازية الثالثة‏:‏

وقد وردت في قول الحق‏‏ تبارك وتعالى:‏ {لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون}(الحجر:15).
ومعنى سكرت أبصارنا، أُغلقت عيوننا وسُدت‏،‏ أو غشيت وغطيت لتمنع من الإبصار‏،‏ وحينئذ لا يري الإنسان إلا الظلام‏. ويعجب الإنسان لهذا التشبيه القرآني المعجز الذي يمثل حقيقة كونية لم يعرفها الإنسان إلا بعد نجاحه في ريادة الفضاء منذ مطلع الستينيات من القرن العشرين، حين فوجئ بحقيقة أن الكون يغشاه الظلام الدامس في غالبية أجزائه‏،‏ وأن حزام النهار في نصف الكرة الأرضية المواجه للشمس لا يتعدى سمكه مائتي كيلو متر فوق مستوى سطح البحر‏،‏ وإذا ارتفع الإنسان فوق ذلك فإنه يرى الشمس قرصاً أزرق في صفحة سوداء حالكة السواد‏،‏ لا يقطع حلوكة سوادها إلا بعض البقع الباهتة الضوء في مواقع للنجوم‏.‏

نور العين
26-Nov-2004, 10:18 AM
وإذا كان الجزء الذي يتجلى فيه النهار على الأرض محدودا في طوله وعرضه بنصف مساحة الكرة الأرضية‏، وفي سمكه بمائتي كيلو متر‏،‏ وكان في حركة دائبة دائمة مرتبطة بدوران الأرض حول محورها أمام الشمس‏،‏ وكانت المسافة بين الأرض والشمس في حدود المائة وخمسين مليون كيلو متر‏،‏ وكان نصف قطر الجزء المدرك من الكون يقدر باثني عشر بليون سنة ضوئية‏(‏ أي ما يساوي‏114،2110‏ كيلو متر‏)‏ اتضحت لنا ضآلة سمك الطبقة التي يعمها نور النهار‏،‏ وعدم استقرارها لانتقالها باستمرار من نقطة إلى أخرى على سطح الأرض مع دوران الأرض حول محورها‏، واتضح لنا أن تلك الطبقة الرقيقة تحجب عنا ظلام الكون‏، خارج حدود أرضنا ونحن في وضح النهار‏، فإذا جن الليل انسلخ منه النهار‏،‏ واتصلت ظلمة ليلنا بظلمة الكون‏،‏ وتحركت تلك الطبقة الرقيقة من النور لتفصل نصف الأرض المقابل عن تلك الظلمة الشاملة التي تعم الكون كله‏.‏
وتجلي النهار على الجزء السفلي من الغلاف الغازي للأرض‏‏ (بسمك مائتي كيلو متر فوق سطح البحر‏)‏ بهذا اللون الأبيض المبهج هو نعمة كبرى من نعم الله على العباد‏.‏ وتفسر بأن الهواء في هذا الجزء من الغلاف الغازي للأرض له كثافة عالية نسبيا‏،‏ وأن كثافته تتناقص بالارتفاع حتى لا تكاد تدرك، وأنه مشبع ببخار الماء وبهباءات الغبار التي تثيرها الرياح من فوق سطح الأرض فتعلق بالهواء‏، وتقوم كل من جزيئات الهواء الكثيف نسبيا‏،‏ وجزيئات بخار الماء‏، والجسيمات الدقيقة من الغبار بالعديد من عمليات تشتيت ضوء الشمس وعكسه حتى يظهر باللون الأبيض الذي يميز النهار كظاهرة نورانية مقصورة على النطاق الأسفل من الغلاف الغازي للأرض في نصفها المواجه للشمس‏.‏
وبعد تجاوز المائتي كيلو متر فوق سطح البحر، يبدأ الهواء في التخلخل لتضاؤل تركيزه‏،‏ وقلة كثافته باستمرار مع الارتفاع‏،‏ ولندرة كل من بخار الماء وجسيمات الغبار فيه، لأن نسبها تتضاءل كذلك بالارتفاع حتى تكاد تتلاشى،‏ ولذلك تبدو الشمس وغيرها من نجوم السماء بقعا زرقاء باهتة في بحر غامر من ظلمة الكون، لأن أضواءها لا تكاد تجد ما يشتته أو يعكسه في فسحة الكون‏.‏

فسبحان الذي أخبرنا بهذه الحقيقة الكونية قبل اكتشاف الإنسان لها بألف وأربعمائة سنة،‏ فشبه الذي يعرج في السماء بمن سُكِّرت أبصاره، فلم يعد يرى غير ظلام الكون الشامل‏،‏ أو بمن اعتراه شيء من السحر فلم يعد يدرك شيئا مما حواليه‏،‏ وكلا التشبيهين تعبير دقيق عما أصاب رواد الفضاء الأوائل حين عبروا نطاق النهار إلى ظلمة الكون فنطقوا بما يكاد أن يكون تعبير الآية القرآنية دون علم بها‏:‏ {إنما سُكِّرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون}.
‏(4)‏ اللمحة الإعجازية الرابعة‏:‏
وتتضح في قوله تعالى: {‏فظلوا فيه يعرجون} فالتعبير اللغوي (ظلوا)يشير إلى عموم الإظلام وشموله وديمومته بعد تجاوز طبقة النهار إلى نهاية الكون‏، بمعني أن الإنسان إذا عُرِج به إلى السماء في وضح النهار، فإنه يفاجأ بظلمة الكون الشاملة تحيط به من كل جانب، مما يفقده النطق أحيانا أو يجعله يهذي بما لا يعلم أحيانا أخرى من هول المفاجأة‏.‏
ومن الأمور التي تؤكد ظلمة الكون الشاملة أن باطن الشمس مظلم تماما على الرغم من أن درجات الحرارة فيه تصل إلى خمسة عشر مليون درجة مئوية أو يزيد‏،‏ وذلك لأنه لا ينتج فيه سوي الإشعاعات غير المرئية من مثل أشعة جاما‏،‏ والأشعات فوق البنفسجية والسينية‏.‏
أما ضوء الشمس فلا يصدر إلا عن نطاقها الخارجي فقط والذي يعرف باسم النطاق المضيء.
ولا يرى بهذا النور إلا في الجزء السفلي من الغلاف الغازي للأرض‏،‏ وفي نصف الكرة الأرضية المواجه للشمس‏، فسبحان الذي أنزل من قبل ألف وأربعمائة من السنين قوله الحق‏:‏ {والشمس وضحاها‏li‏ والقمر إذا تلاها‏li‏ والنهار إذا جلاها‏li‏ والليل إذا يغشاها‏li}(‏ الشمس‏:1‏ ـ‏4)‏.
‏(5)‏ اللمحة الإعجازية الخامسة‏:‏
وتتضح في إشارة الآيتين الكريمتين إلى الرقة الشديدة لغلالة النهار، وذلك في قول الحق تبارك وتعالى:‏ {ولو فتحنا‏..‏ لقالوا‏..}‏ بمعنى أن القول بتسكير العيون‏،‏ وظلمة الكون الشاملة تتم بمجرد العروج لفترة قصيرة في السماء‏،‏ ثم تظل تلك الظلمة إلى نهاية الكون‏.‏ وقد أثبت العلم الحديث ذلك بدقة شديدة‏،‏ فإذا نسبنا سمك طبقة النهار إلى مجرد المسافة بين الأرض والشمس لاتضح لنا أنها تساوي‏200‏ كيلو متر‏150,000,000‏ كيلو متر‏=1\750,000‏ تقريبا فإذا نسبناها إلى نصف قطر الجزء المدرك من الكون اتضح أنها لا تساوي شيئا البته،‏ وهنا تتضح روعة التشبيه القرآني في مقام آخر يقول فيه الحق‏ تبارك وتعالى: {وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون‏}‏(‏يس‏:37)‏.
حيث شبه انحسار طبقة النهار البالغة الرقة من ظلمة كل من ليل الأرض وليل السماء، بسلخ جلد الذبيحة الرقيق عن كامل بدنها‏، مما يؤكد أن الظلام هو الأصل في الكون‏، وأن النهار ليس إلا ظاهرة نورانية‏‏ عارضة‏،‏ رقيقة جدا،‏ لا تظهر إلا في الطبقات الدنيا من الغلاف الغازي للأرض‏،‏ وفي نصفها المواجه للشمس في دورة الأرض حول نفسها أمام ذلك النجم‏،‏ وبتلك الدورة ينسلخ النهار تدريجيا من ظلمة كل من ليل الأرض وحلكة السماء كما ينسلخ جلد الذبيحة عن جسدها‏.‏

وفي تأكيد ظلمة السماء، يقرر القرآن الكريم في مقام آخر قول الحق‏ تبارك وتعالى:‏
{أءنتم أشد خلقاً أم السماء بناها‏li‏ رفع سمكها فسواها‏li‏ وأغطش ليلها وأخرج ضحاها}
‏(‏النازعات‏:27‏ ـ‏29)‏ والضمير في {أغطش ليلها} عائد إلى السماء‏،‏ بمعنى أن الله تعالى، قد جعل ليل السماء حالك السواد من شدة إظلامه،‏ فهو دائم الإظلام سواء اتصل بظلمة ليل الأرض‏ (‏ في نصف الكرة الأرضية الذي يعمه الليل‏)‏ أو انفصل عن الأرض بتلك الطبقة الرقيقة التي يعمها نور النهار‏(‏ في نصف الأرض المواجه للشمس‏)‏ فيصفه ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ بقوله‏:‏ وأخرج ضحاها أي أظهر ضوء شمس السماء لأحاسيس المشاهدين لها من سكان الأرض بالنور والدفء معا في أثناء نهار الأرض‏,‏ والضحي هو صدر النهار حين ترتفع الشمس ويظهر ضوؤها جليا للناس‏,‏ بينما يبقي معظم الكون غارقا في ظلمة السماء‏.‏
ويؤكد هذا المعني قسم الحق‏(‏ تبارك وتعالي وهو الغني عن القسم‏)‏ بالنهار إذ يجلي الشمس أي يكشفها ويوضحها فيقول‏(‏ عز من قائل‏:‏(والشمس وضحاها‏li‏ والقمر إذا تلاها‏li‏ والنهار إذا جلاها‏li‏ والليل إذا يغشاها‏li) (‏ الشمس‏:1‏ ــ‏4)‏أي أن النهار هو الذي يجعل الشمس واضحة جلية لأحاسيس المشاهدين لها من سكان الأرض‏,‏ وهذه لمحة أخري من لمحات الإعجاز العلمي في كتاب الله تقرر أن ضوء الشمس لا يري إلا علي هيئة النور في نهار الأرض‏.‏
وأن الكون خارج نطاق نهار الأرض ظلام دامس‏,‏ وأن هذا النطاق النهاري لابد أن به من الصفات ما يعينه علي إظهار وتجلية ضوء الشمس للذين يشهدونه من أحياء الأرض‏.‏
فسبحان الذي أنزل القرآن بالحق‏,‏ أنزله بعلمه‏,‏ وجعله معجزة خاتم أنبيائه ورسله‏,‏ في كل أمر من أموره‏,‏ وفي كل آية من آياته‏,‏ وفي كل اشارة من اشاراته‏,‏ وفي كل معني من معانيه‏,‏ وجعله معجزة أبدية خالدة علي مر العصور‏,‏ لا تنتهي عجائبه‏,‏ ولا يخلق علي كثرة الرد إلي أن يرث الله تعالي الأرض ومن عليها وصلي الله وسلم وبارك علي خاتم الأنبياء والمرسلين الذي شرفه ربه‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ بوصفه أنه لا ينطق عن الهوي فقال‏(‏ عز من قائل‏)

:‏ (وما ينطق عن الهوي‏li‏ إن هو إلا وحي يوحي‏li‏ علمه شديد القوي‏li‏).


المصدر: صحيفة الأهرام، العدد (41874).

نور العين
26-Nov-2004, 10:18 AM
ترجمة القرآن الكريم

الترجمات اللاتينية الأولى للقرآن الكريم وأثرها على الترجمات الأوروبية

في هذه الحلقة الأخير من سلسلكة كتابات الدكتور حسن المعايرجي حول الترجمات اللاتينية الأولى للقرآن الكريم وأثرها على الترجمات الأوروبية ، يتناول الدكتور المعايرجي في هذه الحلقة نتيجة هذه الترجمات ، وذلك بدءاً من القرن الحادي عشر إلى الثامن عشر حتى العصر الحديث ثم الخاتمة وعن النتيجة يقول :

يمكن القول بأن الترجمات الأوروبية قد مرت بعدة مراحل متداخلة :
1. من القرن الحادي عشر حتى الثامن عشر :
أ. مرحلة الترجمة من العربية إلى اللاتينية (بذرة الاستشراق) .
ب. مرحلة الترجمة من اللاتينية إلى اللغات الأوروبية (أكثر اللغات سوءاً في العصر الحديث )
ج. مرحلة الترجمة من اللغة العربية مباشرة إلى اللغات الأوروبية بواسطة المستشرقين وأضرابهم ، بعد أن اشتد ساعد الاستشراق وعرف العربية ودرس كتبها.
د. مرحلة دخول المسلمين مؤخراً في ميدان الترجمة إلى اللغات الأوروبية ، مع ليبرالية العصر والنظرة العلمية المجردة لموضوع الترجمة بصرف النظر عن مشاعر المترجم الدينية إن لم يكن مسلماً .

وفي المرحلة الأخيرة فقط يمكن القول بأن هناك بعض الترجمات القليلة التي تعد على أصابع اليد الواحدة - في ترجمات اللغات الأوروبية مجتمعة والتي زادت على 450 ترجمة كاملة غير مئات من الترجمات الجزئية - التي يمكن القول بأنها على شيء من الموضوعية .
والتقسيم السابق يبين المراحل التي مرت بها الترجمات في البلدان الأوروبية بدءاً بالترجمة اللاتينية الأولى التي أشعلت الفتيل .
ولكن هناك تقسيماً آخر يمثل وجهة النظر النصرانية اللاتينية .

فقد مرت الترجمات والكتابات النصرانية المختلفة عن القرآن الكريم بعدة مراحل :
أ. من عام (1100-1250) وفيها ترجم القرآن الكريم إلى اللاتينية كما سبق وفي هذه الفترة زاد الاهتمام بدراسة الإسلام بين الرهبان والدارسين .
ب. من عام (1250-1400) بدا تراجع الحملات الصليبية واندحارها مما حدا بالكنيسة أن تزيد من نغمة العداء للإسلام ، حفاظاً على شعلة الصليبية متأججة ، وتعويضاً عن التراجع ، ويمكن ملاحظة ذلك في كتاباتهم خلال هذه المدة .
ج. من عام (1400-1500) خمدت جذور التحريض إلى حين ، ثم استعرت وتأججت مرة أخرى عام 1453 وهو عام فتح القطسنطينية الذي نكأ الجروح وأيقظ الحقد الصليبي مرة أخرى بعد أن هدأ قليلاً بعد انهزامه في حروبه الصليبية .
ومنذ الترجمة اللاتينية الكلونية الأولى والنصرانية تعيش في وهم اكتشفوه بعد اطلاعهم على القرآن الكريم ، فقد وجدوا أن المسلمين يؤمنون بعيسى وموسى ومريم وإبراهيم وآدم وحواء ، وأن هناك كثيراً من التشابه بين الإسلام والنصرانية ، وأن الإسلام ما هو إلا صورة مشوهة من المسيحية (كذا) .
ومن هذا المنطلق في -رأيهم- فإنه من الممكن ، بدراسة القرآن وتنقيته مما شابه من انحرافات عن النصرانية ، فإنه يمكن العودة بالمسلمين إلى حظيرة المسيحية

وقد ظهرت هذا الفكرة بصوة واضحة في كتابات نيقولاس الكوزي ، وخاصة في كتابه "تنقية القرآن" ، وقد اعتمد في كتابته هذه على الترجمة اللاتينية المحفوظة في دير كلوني في ذلك الوقت والمحفوظة حالياً في مكتبة الأرسينال في باريس والممهورة بتوقيع المترجم .

كما أعتمد أيضاً على كتابات أخرى كثيرة ظهرت عن القرآن الكريم ، أهمها كتابه "اريكولدوس الفلورنسي الدومينيكاني" والمطبوع في فينسيا عام 1609.
وتحت تأثير هذا المفهوم - وهو أن المسلم قاب قوسين أو أدنى من المسيحية - تجرأ البابا بيوس الثاني فأرسل رسالة للسلطان محمد الثاني يدعوه إلى النصرانية ليصبح خليفة لأباطرة بيزنطة .

ولما لم يكلف السلطان خاطره بالرد على هذه الدعوة أخذ الخيال يداعب الداعي باقتراب نصر سهل في الشرق بعد الكارثة التي حاقت بحروبهم الصليبية .
وفي النهاية فإنه يمكن القول بأن ترجمة القرآن الكريم إلى اللغة اللاتينية - لغة الكنيسة وبأيدي رجالها - لم تكن عملاً أكاديمياً أثاره حب الاستطلاع فقط ، بل كانت عن سابق تخطيط وترصد ، احتاج تنفيذه إلى إرسال البعثات لسنين عديدة لدراسة العربية ، ثم اعتكاف طويل للترجمة بتوجيهات أعلى سلطة دينية مسيحية وبمساعدة وإشراف رئيس رهبان أكبر رهبانية في ذلك الوقت وأقصد بها رهبانية كلوني والأخطر من هذا هو البحث عما ظنوه اختلافاً أو أخطاء أو ما شابه من الظنون، فكان الرد على القرآن والطعن فيه أهم عندهم من الترجمة ، حتى أن ماركيوس في طعنه للقرآن كان جاداً في استكمال مطاعنه وردوده التي فاقت ترجمة سابقية وردودهم ، وأشار إليها جورج سال مشمئزاً مما حوت مفضلاً عليها موضوعية مهذبة ماكرة قد تكون أفضل في التعامل مع المسلمين .
قال هذا الماكر في مقدمة ترجمته :
إنني لم أسمح لنفسي عند التحدث عن محمد أو قرآنه أن استعمل السباب المشين والتعبيرات اللا أخلاقية ، والتي ظنها الكثيرون ممن كتبوا ضده أنها أقوى أسلوب للمجادلة .
ولكن العكس هو الصحيح ، فقد وجدت أنه من الملائم معالجة الموضوع بالحكمة والأدب ، بل والموافقة على الأساسيات التي أعتقد أنها كمدى الجريمة الأبدية التي أرتكبها بفرضه ديناً مزيفاً على البشرية . جورج سال (1774) يقصد دين الإسلام .

خاتمة :
لقد ترجم القوم كتاب الله العزيز ، وحرفوا ، وهاجموا ، ونقدوا ، ورفضوا وأثاروا الشبهات ولا يزالون ، وكل ذلك ليس في لغة واحدة بل في عشرين لغة ونيف .
فما هو موقفنا من كل ذلك ؟ وماذا يجب علينا أن نفعله ازاء هذا الهجوم؟ هل نترك الحبل على غاربه لكل من أمسك قلماً ليعتدي على كتاب رب العالمين ونحن بما يجري إما غافلون أو جاهلون ؟
إن الأمر يحتاج إلى موقف من المسلمين عامة ومن المنظمات الإسلامية العالمية خاصة وفي تصوري أن الأمر يحتاج إلى مؤسسة إسلامية عالمية للقرآن الكريم .

وأناشد هنا مؤتمر العالم الإسلامي الذي نبعت منه منظمات مختلفة في شتى الميادين ، فهناك أجهزة تابعة ومنبثقة عن المؤتمر مثل مركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية ، واللجنة الدولية للحفاظ على التراث الحضاري الإسلامي ، والمؤسسة الإسلامية للعلوم والتكنولوجيا والتنمية والوكالة الإسلامية للأنباء ، ومنظمة إذاعات الدول الإسلامية ، والمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة ، ومجمع الفقه الإسلامي . والاتحاد العالمي للمدارس العربية الإسلامية الدولية ، حتى الرياضة فإن لها الاتحاد الرياضي للتضامن الإسلامي ، ويكاد الإنسان يجد جهازاً أو منظمة دولية في كل الميادين الثقافية والإعلامية وفي السيرة والسنة ما عدا منظمة دولية تقوم على خدمة كتاب الله العزيز .

حاجة الأمة إلى الهيئة العالمية للقرآن الكريم :
إنني أدعو الأمة الإسلامية إلى تبني فكرة الهيئة العالمية للقرآن الكريم.
إننا في حاجة إلى مؤسسة القرآن العالمية المنبثقة عن مؤتمر العالم الإسلامي يدعمها العالم الإسلامي مادياً ويضفي عليها الصفة الأدبية والمعنوية ، مما يمكنها من التحدث باسم القرآن الكريم نيابة عن المسلمين أجمعين ، فهي ستمثل العالم الإسلامي في خدمة القرآن الكريم ونشره ، وتوزيعه ، طبعه وتفسيره ، والدفاع عنه وكشف التحريف ، ومتابعة المعتدي ، وتفسير كتاب الله العزيز للشعوب الإسلامية حسب حاجاتها وأولوياتها ، ورصد ما يصدر من ترجمات في العالم ومحاربتها.

لقد أقامت الترجمات اللاتينية وتوابعها سداً بين الأوروبيين وبين المعاني الصافية للقرآن الكريم وأورتثهم عداوة وكرهاً شديدين للإسلام والمسلمين .
ولعله قد آن الأوان لأن نأخذ بزمام المبادرة ، ونبلغ للعالم ما عندنا من هداية ونور ، وقد أمر الله عز وجل رسوله الكريم بتبليغ ما أنزله عليه إلى الناس كافة ، كما أمره ببيان ما خفى عليهم من الأحكام قال تعالى: (يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل إليك من ربك . وإن لم تفعل فما بلغت رسالته) (المائدة:67) .
وقال تعالى : (وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبيّن لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون) (النحل:64) .
وقال تعالى : (وما أرسلناك إلى كافة للناس بشيراً ونذيراً ) (سبأ:28).
هدى الله أمة الإسلام إلى الخير ، ووفقها إلى نشر كتابه الكريم ، وجعلها أمة المبلغين ، الهادين إلى النور الذي بين أيديهم ،إنه على كل شيء قدير .

نور العين
26-Nov-2004, 10:19 AM
ترجمات معاني القرآن باللغات الافريقية

تمهيد : اللغة أصبحت مرادفة للسيادة والاستقلال السياسي والحرية وهي عامل توحيد بالغ الأهمية فمن الشروط الأساسية لقيام أي مجتمع موحد أن يتحدث أفراده نفس اللغة . وإذا كانت اللغة ضرورة حضارية وظاهرة اجتماعية مرادفة للاستقلال السياسي والسيادة فإن اللغة العربية ضرورة دينية بالإضافة إلى ذلك . وإذا كان الدين الإسلامي نظام حياة متكامل ومنهجـًا روحيـًا وإيمانيـًا فإن اللغة العربية كوعاء شرفت بنزول القرآن الكريم قد أضافت بُعداً ثالثـًا لمعنى اللغة ، وعلينا أن نتصور أهمية العربية من هذا المنطلق .

لذلك فإن الشعوب الناطقة بالعربية تسعد بانسجام لغتها مع دينها وقرآنها ، وتعيش في نعمة لا يشعر بها إلا المسلم الذين حُرم من معرفة هذه اللغة ، فالافريقي المسلم الذي لا يعرف العربية ويذوب قلبه وجداً وخشوعـًا عند سماعه لآيات الذكر الحكيم ، يتمنى لو يفهم معاني هذا الكتاب الكريم بلغة القرآن مباشرة وبالترجمة ، ولكنها ميئة الله وآيته : قال تعالى )ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم) <الروم:22> .

واللغة الأم هي اللغة التي يجيدها المرء أكثر من غيرها ، ويستطيع أن يعبر بها أفضل تعبير عما يجول بنفسه ، وأن يبلغ أقصى درجات الفهم عند سماعها أو قراءتها ، لذلك فهي أفضل وسيلة يمكنه أن يتلقى تعليمه بها .

لهذا السبب انعقد الاجماع على مبدأ تربوي يقضي (بأن استخدام اللغة الأم للدارس كأداة لتعليمه هي أفضل سبيل) .

لذا فإن من المشكلات التي تواجهنا في التبليغ هو تعدد اللغات في افريقيا ، ففي نيجيريا وحدها يتحدث السكان بزهاء 400 لغة منها 3 لغات اعتبرت وطنية رسمية وأوغندا بها 22 لغة وكينيا لديها من اللغات زهاء 94 لغة وقررت الدولة اعتبار السواحلية من لغاتها الوطنية.

أما مجموعة اللغات التشادية وهي التي تستعمل فيما بين بحيرة تشاد وحتى حدود نيجيريا والكاميرون وافريقيا الوسطى فإنها تبلغ 108 لغة علاوة على 84 لهجة .

ويقدر العلماء عدد لغات العالم ما بين 2500-5000 لغة وهذا لتقدير يتوقف على ما نعنيه باللغة ، وعلى الطريقة التي نميز بها بين اللغة واللهجة وتوزيعها كما يلي :

آسيا 1562 لغة

افريقيا 1600 لغة

جزر المحيط الهادي 34 لغة

الامريكيتين 812 لغة

اوروبا 55 لغة

الشرق الأوسط 40 لغة

المجموع 4103

وحوالي ثلثي سكان العلم يتحدثون 27 لغة بينما يتحدث الثلث الأخير بقية اللغات الأخرى ، لذا فإنه عندما نقرر سلم الأولويات للترجمة بقصد التبليغ تكون هذه اللغات الـ 27 على رأس القائمة باعتبارها الأكثر شيوعـًا .

وفي البلاد المتعددة اللغات تحدث صعوبات في اختيار اللغة الوطنية للبلاد . وقد تختار عدة لغات كلغات وطنية ، وما زال هناك 45 دولة افريقية من أصل 52 دولة افريقية لم تحدد بعد أو تبت في تحديد لغتها الوطنية ، ومثل هذه المشكلة لا نعرفها في بلادنا العربية ، إلا أنه توجد في موريتانيا لغتان ، هما : العربية والفرنسية .

وقد قطعت بعض البلاد الافريقية شوطـًا بعيداً في التعريب غير أن العراقيل التي وضعها الاستعمار أوقفت هذا النمو في اللغة العربية أو لغة القرآهن الكريم كما يسميها المبشرون . ففي الصومال مثلاً كان قرار استعمال الحرف اللاتيني لكتابة اللغة الصومالية حجر عثرة في سبيل تعريب المنشود رغم أن الصومال دولة من دول جامعة الدول العربية . وما أصاب الصومال قد أصاب اللغة السواحلية والتي قطعت شوطـًا بعيداً في التعرب . حتى أصبح ما يقرب من ثلثي الكلمات في اللغة كلمات عربية علاوة على أنها كانت تكتب بالحرف العربي أي الحرف القرآني حتى تمكن الاستعمار الألماني في عام 1911 من تحويل هذه اللغة عن الحرف العربي وتراجعت عملية التعريب والأمثلة على ذلك عديدة ، فإن الكثير من اللغات الإفريقية كان من الممكن أن تتحول تدريجيـًا إلى العربية علاوة على كتابتها بالحرف العربي وكان هذا أجدى من ترجمة معاني القرآن الكريم إلى لغات أخرى ، وما زال واجب نشر العربية بين القبائل الرفريقية واجبـًا دينيـًا يجب أن يكون من أولويات الدعوة في سبيل الله ، وإلى أن يتم ذلك فلا مناص من تفسير معاني القرآن الكريم بهذه اللغات حتى تشرق شمس اللغة القرآنية على ربوع افريقيا .

هذه لمحة سريعة الغرض منها الأمثلة فقط وليس الإحصاء في محاولة للتعرف على حجم هذا العمل الضخم الواجب علينا أداؤه والذي يقوم أعداء الإسلام بالمهمة فيه نيابة عنا ونحن في غفلة عما يصنع اليهود والنصارى وغيرهم بالقرآن الكريم من حيث ترجمته للشعوب الافريقية واحتلالهم المكان الحالي اللهم إلا من جهود فردية هنا وهناك تحاول سد الفراغ لأن ترجمة القرآن سلاح ذو حديثن إذا تُرك للأعداء وجّه إلى صدورنا وإذا قام بالترجمة المسلمون العارفون أفادوا وبلغوا .

وإن جهود الصالحين من المفسرين من أبناء أمة الإسلام قد قاموا باعمالهم دون أدنى ترتيب أو تخطيط ، إنما أعمالهم هي تبع الحاجة وثمرة الرغبة في تبليغ دين الله الحق ، وقطع الطريق على الترجمات المدسوسة والمغرضة ، ولا أقول إن العمل قد اكتمل بل أقول إن الميدان صال فيه رجال أشداء تركوا تراثـًا يجب حصره وإحياؤه والمحافظة عليه بما وهبنا الله في هذا العصر من الوسائل العديدة لحفظ هذه التفاسير القيمة ونشرها ، إلى أن يقيض الله السبيل لقيام هيئة إسلامية عالمية تتخصص في تفسير كتاب الله الكريم لشعوب المسلمين في افريقيا وشتى أنحاء الأرض بطرق علمية مدروسة ، وقد تعمدت هنا الاشارة إلى وسائل حفظ التفاسير لأن هناك الكثير من هذه التفاسير في افريقيا تتناقله الأجيال شفويـًا دون تسجيل أو كتابة .

القبائل والشعوب الإسلامية الافريقية : يمكن تقسم الشعوب الإسلامية إلى أربعة مجموعات كبيرة حسب الموقع الجغرافي .

(أ) الشعوب الإسلامية العربية وهي تتجمع في شمال القارة وهي : مصر - السودان - ليبيا - تونس - الجزائر - المغرب - موريتانيا - الصومال - جيبوتي .

وهذه الشعوب تسودها اللغة العربية التي يفسر بها القرآن الكريم ولا يعوقها إلا ارتفاع نسبة الأمية وانتشار بعض اللغات الأخرى مثل البربرية والنوبية والصومالة .

أما من ناحية التركيب السلالي لهذه الشعوب فأهما العرب والبربر والنوبيون والنيلوتيون (وهم الدنكا والنوير والشيلوك والأنواك) وهم في جنوب السودان .

(ب) الشعوب الإسلامية في شرق افريقيا وهي : تنزانيا - الحبشة - ارتيريا - جزر القمر - (ويمكن هنا تكرار الصومال وجيبوتي من حيث الموقع والتركيب السلالي) .

وشعوب شرق افريقيا هذه تتكون من المجموعات السلالية الآتية : الصوماليين - العفار أو الدناقل - التيجري والتجرينا - الجوارج - الباتو - الارمو - النياموزي - الياو - البجة .

(ج) الشعوب الإسلامية في وسط افريقيا وهي : التشاد والنيجر - وافريقية الوسطى كجابون وتتكون المجوعات السلالية الكبرى من البتو (في تشاد) والهوسا والصنغاي والجرما (في النيجر) والبانتو .

(د) الشعوب الإسلامية في غرب افريقيا وهي : السنغال - جامبيا - غينيا بيساو - مالي - فولتا العليا - بنين - سيراليون - توجو- داهومي - نيجيريا - الكاميرون - وتتكون المجموعات السلالية من الوولف - التوكولور - الماندج - الهوسا - الغولاني - الماساي - الدبولا - الكانوري - السرار - السينوفو - الساننكة - الباريبا - الفاي - الاكان - التيمن .

والجدول التالي يشتمل على دول القارة الافريقية كلها في محاولة لحصر عدد السكان وعدد المسلمين في كل دولة ثم اللغات المستعملة والأعراق المختلفة ، ولا شك أن استخراج أرقام احصائية دقيقة من الدول أغلبها لم تقم فيه عمليات احصائثة دقيقة ، وتتدخل في هذه الاحصائيات - إن وجدت - عوامل سياسية وعرقية ودينية مختفة ، وكل احصاء يختلف حسب مصدره . فالمصادر الاستعمارية التبشيرية التي عاشت في هذه البلاد مدداً طويلة تسمح بإجراء احصاءات للسكان لا يمكن الاعتماد عليها لأنها دائمـًا تقلل من شأن الاسلام والمسلمين ولا تذكر الحقائق كاملة ، لكن بتعدد المصادر ذات الاتجاهات المختلفة أمكن الخروج بجدول اعتقد أنه أقرب إلى الحقيقة رغم ما به من الأخطاء .

ومن هذا الجدول يظهر أن عدد سكان القارة في سنة 1980 كان 467 مليونـًا منه 297 مليون مسلمـًا أي بنسبة 64% وخلال السنوات الست الأخيرة حدث زيادات كبيرة في السكان في بلدان مثل نيجيريا ومصر وكينيا والسودان ، ولعل سكان القارة قد قارب الآن 485 مليونـًا ونسبة المسلمين قد ارتفعت إلى 67% وبذلك يبلغ عدد المسلمين نحو 325 مليون نسمة الآن (1986) .

لقد كان تقدير عدد سكان القارة الافريقية في أوائل هذا القرن 110-120 مليون نسمة فقط وارتفع العدد إلى 165 في 1930 ثم إلى 190 في 1940 ثم إلى 222 مليونـًا عام 1950 وفي عام 1960 ارتفع العدد إلى 277 مليون نسمة ثم إلى 310 مليون نسمة في عم 1965 .

ومن هذا نرى أن معدل الزيادة أخذ في الارتفاع فبينما كان معدل الزيادة 15 في الألف في عام 1950 فإن المعدل ارتفع إلى 21 في الألف في عام 1960 ثم إلى 27 في الألف 1970 .

نور العين
26-Nov-2004, 10:20 AM
الترجمات باللوجندا

واللوجندا هي اللغة التي تنتشر في جنوب وشرق أوغندا ويتفاهم بها ما ينيف عن الثلاثة ملايين مسلم ، وبعد أن ظهرت الترجمة القاديانية وباللغة السواحيلية عام 1953 لميرزا مبارك آنفة الذكر ، سرعان ما ظهرت ترجمة قديانية بلغة اللوجندا تعتبر أول ترجمة للقرآن الكريم بهذة اللغة مما سبب استياءً شديداً بين المسلمين وقد علمت أن الرئيس عيدي أمين جمع هذه الترجمة وأمر بإحراقها ولم يبق منها سوى أعداد قليلة جداً ، وهي تقع في 1001 صفحة وهي بعنوان Kurani Entukuve ويبدو أن لجنة من المترجمين قد قامت بهذا العمل وعلى رأسهم زكريا كيزيتو بولوادا وقامت بالنشر البعثة الأحمدية في أوغندا وكتبت بالحرف اللاتيني وتشتمل على النص القرآني وتم الطبع في كمبالا - أوغندا عام 1973م.

وكما كانت أول ترجمة في السواحلية واليوربا لإثنين من المبشرين المسيحيين فإن أول ترجمة في لغة اللوجندا كانت لمبشرين من الفرقة الأحمدية القاديانية .
وقد أعيدت طباعة هذه الترجمة مرة أخرى عام 1984م وكانت الطباعة هذه المرة في إنجلترا والناشر البعثة الأحمدية بايجولدواموا في أوغندا ، بعد ظهور الطبعة الأولى لهذه الترجمة تحرك الناطقون باللجوجندا لدفع الضرر ، فبادروا إلى القيام بترجمة بلغتهم تعاون عليها الشيخ عبد الرازق أحمد ماتوفو مفتي أوغندا في ذلك الوقت مع الشيخ شعيب سيماكولا وأتم ترجمة معاني 22 جزءاً من القرآن الكريم، وأتم الشيخ عبد الرازق العمل بعد وفاة الشيخ شعيب عام 1974م ، وظهرت هذه الترجمة على مراحل ، ففي عام 1983م طبعت المؤسسة الإسلامية في نيروبي كينيا ترجمةجزء عم للشيخ عبد الرزاق ماتوفو تقع الترجمة في 105 صفحة مكتوبة بالحرف اللاتيني، وتشتمل على النص العربي ، وكانت بعنوان ( Duraane Entukuvu Juzu Amma) Nairobi, 1998
وفي عام 1984 طبع جزء آخر من الترجمة يشتمل على ترجمة معاني القرآن الكريم من أول سورة الفاتحة حتى سورة التوبة ، وهي مطبوعة في نفس المطبعة وبنفس العنوان وتقع في 418 صفحة علاوة على 35 صفحة كمقدمة للكتاب ، ثم ظهر عام 1985م جزء آخر من الترجمة ينتهي بها إلى آخر سورة العنكبوت أي نهاية الجزء الحادي والعشرين ويصل ترقيم الصفحات المتسلسل إلى 817 صفحة ، هذا ما وصل إلى علمي عن هذه الترجمة وما وصل إلى مكتبتي حتى الآن ولعل جزءاً ثالثاً وأخيراً يكون قد ظهر لتتم الترجمة الكاملة .

ولعل رابطة العالم الإسلامي بمالها من أياد بيضاء في حقل ترجمة معاني القرآن الكريم أن تهتم بإخراج هذا العمل في كتاب واحد بعد مراجعته وتنقيحه .
وقد علمت أن المسلمين في أوغندا قد شكلوا لجنة من معهد بلال الإسلامي في كمبالا تحت رئاسة الشيخ على كلومبا نائب المفتي لعمل ترجمة جديدة ، والعاملون في هذه الترجمة معظمهم تخرجوا من الجامعات الإسلامية كالأزهر الشريف وجامعة الملك عبد العزيز وجامعة المدينة المنورة ، وقد قسمت اللجنة نفسها إلى ثلاثة مجموعات تقوم كل مجموعة بترجمة عشرة أجزاء من القرآن الكريم.

ولهذه اللجان لقاء أسبوعي يتم فيه عرض ما تم من الترجمة ويطرح الأمر لمناقشته ومراجعته وتصحيحه ، وآخر عهدي بهذا العمل أنه قد تم حتى الآن ترجمة إثني عشر جزءاً من القرآن الكريم .
وندعو الله أن تكلل هذه الجهود المباركة بالنجاح وأن يتصدى لطبع هذه الترجمة من يريد ثواب الآخرة .

نور العين
26-Nov-2004, 10:23 AM
دراسة علمية حول إشكالية ترجمة معاني القرأن الكريم

أكدت دراسة علمية حول ترجمة معاني القرآن واشكالياتها للدكتورة ليلى عبد الرازق عثمان رئيس قسم اللغة الانجليزية والترجمة الفورية بجامعة الأزهر استحالة ترجمة معاني القرآن الكريم الى اللغات الأخرى بنفس الدقة التي تحققت في اللغة العربية التي نزل بها كتاب الله عز وجل، مشيرة الى ان القرآن قد تترجم كلماته حرفياً لكن من الصعب ترجمة ما تحمله هذه الكلمات بباطنها من مدلولات ومعان تمثل روح القرآن وسره المنيع.

وأشارت الدراسة الى ان اسلوب القرآن عالي السمو ومميز البيان والاعجاز، وهذا يظهر في الفخامة البلاغية والفصاحة البالغة والنثر الإيقاعي والحبكة القصصية والتنسيق البارع بين المعاني وموسيقى الكلمات مما يصعب فهمه حتى على متحدثي اللغة العربية أنفسهم.

وقالت الباحثة ان آيات القرآن الكريم تنفرد بإيقاع وقافية ونظم وفواصل تظهر بوضوح في تلاوة القرآن، وكل ذلك لا تستطيع الترجمة أن تنقله، لذا توجد صعوبات كثيرة تواجه الذين يتصدون لترجمة معاني القرآن في مقدمتها صعوبة نقل الخصائص البلاغية للقرآن سواء كانت تتمثل في علم المعاني ويندرج تحته الاطناب والحذف والتقديم والتأخير والاستفهام أو علم البيان أي التشبيه والاستعارة والكناية أو علم البديع أي الطباق والمبالغة والنظم والفواصل والتكرار.

وأكدت الدراسة ان كثيرين ممن ترجموا معاني القرآن من غير الناطقين باللغة العربية مسلمين كانوا أو غير مسلمين اعترفوا بصعوبة ترجمة القرآن والعجز عن مضاهاة اللغات الأخرى باللغة العربية، ومن هؤلاء على سبيل المثال أ.ج.اربري الذي كان من أشد المعجبين بلغة القرآن لكنه قال: بدون شك لغة القرآن العربية تتحدى أية ترجمة مناسبة لان البيان المعجز يتلاشى حتى في أكثر الترجمات دقة.

وأوضحت الباحثة ان هذه الصعوبات دفعت مترجمي القرآن الى اللغة الانجليزية الى ابتكار ما يمكن تسميته بلغة اسلامية انجليزية Islamic inglish حيث قاموا بالتعبير عن الأسماء الاسلامية بمعانيها دون تحريف وبذلك ظهرت مفردات دينية بديلة تغلغلت في اللغة الانجليزية مثل كلمة Haj بدلا من Pilgrimage وZakat وSadakah بدلا من Charity وAlmsgiving وPoor-due مشيرة الى ان انتشار المفردات الاسلامية ودخولها الى اللغة الانجليزية يؤدي دوراً مهماً في توحيد المسلمين في العالم على اختلاف لغاتهم.

وأكدت الدراسة انه لكي ينقل المترجم معاني القرآن على أفضل وجه فانه يجب ان يفهم البيئة التي نزل فيها القرآن وأسباب النزول وان يفهم الخصائص البلاغية للغة الأصلية وينقلها بدقة متناهية، وان يلتزم بالنص الأصلي فلا يضيف أو يحذف شيئاً حتى لا يغير المعنى أو يضلل القارئ، موضحة ان هناك بعض المترجمين حاولوا نقل معنى كل كلمة وأضافوا هوامش لشرح الصور البلاغية مثل يوسف علي لكن هناك مترجمين آخرين لم يعتنوا بالخصائص البلاغية واهتموا فقط بتبسيط معاني القرآن حتى يفهمها العامة.

وأضافت الباحثة ان العطف هو صعوبة أخرى كبيرة تواجه المترجم لان العطف هو أحد تراكيب التماسك اللازمة لتكوين وحدات أكبر في الخطاب وهو يختلف ليس فقط في نسبة تواتره من لغة الى أخرى ولكن أيضا من حيث تراكيبه ووظائفه واستخدامه، مشيرة الى ان تكرار أداة العطف من أكثر الاخطاء الشائعة التي يقع فيها المترجمون فأداة العطف and على سبيل المثال يستخدمها المترجمون كلما وجدوا حرف «الواو» في النص الأصلي وهذا يؤدي الى الزيادة والحشو في الانجليزية. وأشارت الى ان من أهم الاخطاء الشائعة أيضاً تغيير صيغة الجملة المعطوفة من مبني للمجهول الى مبني للمعلوم بجانب الاخطاء الوظائفية والتوصيلية مثل الاختيار الخاطئ لأدوات العطف أو استبدال أداة عطف بأخرى.

نور العين
26-Nov-2004, 10:23 AM
نزول القرآن

أول ما نزل من القرآن
من المباحث التي توقف عندها علماء التفسير مبحث متعلق بأوائل ما نزل من القرآن وأواخره. وقد جرى خلاف بين أهل العلم حول هذا المبحث. وما يهمنا في هذه الوقفة السريعة أن نتعرف على أرجح الأقوال المتعلقة بهذه المسألة، فنقول:

الذي ذهب إليه أكثر أهل العلم وصححوه أن أول ما نزل من القرآن الآياتُ الأُولُ من سورة العلق، وهي قوله تعالى: {اقرأ باسم ربك الذي خلق li خلق الإنسان من علق li اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم li علم الإنسان ما لم يعلم} (العلق:1-5) واستدلوا لهذا بحديث عائشة رضي الله عنها، الذي رواه البخاري و مسلم وفيه فجاءه المَلَكُ فقال: {اقرأ باسم ربك الذي خلق} إلى قوله {علم الإنسان ما لم يعلم} قال النووي : هذا دليل صريح في أن أول ما نزل من القرآن قوله تعالى: {اقرأ} وهذا هو الصواب - والكلام للنووي - الذي عليه الجماهير من السلف والخلف. وأصرح من هذا الحديث، ما رواه الحاكم في "المستدرك" عن عائشة أيضاً، أن أول ما نزل من القرآن {اقرأ باسم ربك الذي خلق} .

والحكمة في هذه الأوَّلية - كما قال ابن حجر - أن هذه الآيات الخمس اشتملت على مقاصد القرآن، ففيها براعة الاستهلال، وهي جديرة أن تسمى "عنوان القرآن" لأن عنوان الكتاب يجمع مقاصده بعبارة وجيزة في أوله. وبيان كونها اشتملت على مقاصد القرآن أنها تنحصر في علوم التوحيد والأحكام والأخبار، وقد اشتملت على الأمر بالقراءة والبداءة فيها ببسم الله، وفي هذه الإشارة إلى الأحكام. وفيها ما يتعلق بتوحيد الرب وإثبات ذاته وصفاته، وفي هذا إشارة إلى أصول الدين. وفيها ما يتعلق بالأخبار من قوله تعالى: {علم الإنسان ما لم يعلم} .

هذا فيما يتعلق بأول ما نزل من القرآن من الآيات، أما السور فمن أوائل ما نزل منها سورة الإسراء والكهف ومريم وطه، ففي البخاري من حديث ابن مسعود رضي الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنهن من تلادي من العتاق الأول) والتلاد - كما قال أهل اللغة - القديم.

وعند البخاري أيضاً من حديث عائشة رضي الله عنها أن أول ما نزل سورة من المفصل، فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولقد نزلت بمكة، وإني لجارية ألعب: {والساعة أدهى وأمر} (القمر:46). والمفصل من القرآن يبدأ من سورة ( ق ) إلى سورة ( الناس ).

وأول آية نزلت في القتال مطلقاً، قوله تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} (الحج:39).

وأول آية نزلت في تحريم الخمر، قوله تعالى: {يسألونك عن الخمر} (البقرة:219) ثم قوله تعالى: {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} (النساء:43) ثم قوله تعالى: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (المائدة:90).

أما فيما يتعلق بأواخر ما نزل من القرآن، فقوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّه} وهذا أصح الأقوال - كما ذكر ابن حجر - ودليل هذا حديث ابن عباس في البخاري قال: "آخر آية نزلت آية الربا" قال ابن حجر : هذه الآية هي ختام الآيات المنـزَّلة في الربا، إذ هي معطوفة عليهن.

ولا بد من الإشارة هنا إلى أنه قد وردت كثير من الأخبار والروايات ذكرت أوائل وأواخر ما نزل من القرآن، إلا أن أغلبها لم يثبت، ولا يعول عليها، لذلك لم نعرج على ذكرها، فضلاً عن أنه لا يترتب على معرفة ذلك فائدة كبيرة، اللهم إلا ما كان يتعلق منها بباب النسخ، ولهذا حديث آخر إن شاء الله، والله ولي التوفيق، والحمد لله رب العالمين.

نور العين
26-Nov-2004, 10:24 AM
الحكمة من نزول القرآن مفرقاً
أجمع أهل العلم من أمة الإسلام على أن القرآن الكريم نزل من السماء الدنيا على قلب خاتم المرسلين صلى الله عليه وسلم مفرَّقاً على فترات، استغرقت أكثر من عشرين عاماً.
وكان من وراء نزول القرآن مفرقاً على رسول الله مقاصد وحِكَماً، ذكر أهل العلم بعضاً منها. وفي مقالنا التالي نحاول أن نقف على بعض تلك المقاصد والحِكَم.

فمن مقاصد نزول القرآن مفرقاً تثبيت قلب النبي صلى الله عليه وسلم ومواساته، لما ينتابه من مشقة تبليغ الرسالة وما يلاقيه من عنت المشركين وصدهم، فكان القرآن ينـزل عليه بين الحين والآخر تثبيتًا له وإمدادًا لمواجهة ما يلاقيه من قومه، قال تعالى مبينًا هذا المقصد: {كذلك لنثبِّت به فؤادك ورتلناه ترتيلاً} (الفرقان:32) فالمشركون بالله والمنكرون لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم قالوا معاندين: هلا نزل عليه القرآن مرة واحدة، كما نزلت التوراة والإنجيل، فردَّ الله عليهم قولهم ذلك، بأن الإنزال على تلك الصورة إنما كان لحكمة بالغة، وهي تقوية قلب النبي صلى الله عليه وسلم وتثبيته؛ لأنه كالغيث كلما أنزل أحيا موات الأرض وازدهرت به، ونزوله مرة بعد مرة أنفع من نزوله دفعة واحدة.

ثم من مقاصد تنـزيل القرآن مفرقاً الرد على شُبه المشركين أولاً بأول، ودحض حجج المبطلين، إحقاقًا للحق وإبطالاً للباطل، قال تعالى: {ولا يأتونك بمثلٍ إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيراً} (الفرقان:33) ففي الآية بيان لحكمة نزول القرآن مفرقاً، وهو أن المشركين كلما جاءوا بمثل أو عَرْضِ شبهة ينـزل القرآن بإبطال دعواهم وتفنيد كذبهم، ودحض شبههم.

ومن المقاصد المهمة لنزول القرآن مفرقاً تيسير حفظه على النبي صلى الله عليه وعلى أصحابه الذين لم يكن لهم عهد بمثل هذا الكتاب المعجز، فهو ليس شعراً يسهل عليهم حفظه، ولا نثراً يشبه كلامهم، وإنما كان قولاً ثقيلاً في معانيه ومراميه، فكان حفظه يحتاج إلى تريُّث وتدبر وتؤدة، قال تعالى: {وقرآناً فرقناه لتقرأه على الناس على مُكثٍ ونزلناه تنـزيلاً} (الإسراء:106) أي أنزلناه على فترات لحكمة اقتضت ذلك، وهي أن نزوله مفرقاً أدعى إلى فهم السامع،. وفي قوله تعالى: {ورتلناه ترتيلاً} إشارة إلى أن تنـزيله شيئاً فشيئاً إنما كان كذلك ليتيسر حفظه وفهمه ومن ثَمَّ العمل به.

ومن المقاصد التي أُنزل القرآن لأجلها مفرَّقاً، التدرج بمن نزل في عصرهم القرآن؛ فليس من السهل على النفس البشرية أن تتخلى عما ورثته من عادات وتقاليد، وكان عرب الجاهلية قد ورثوا كثيراً من العادات التي لا تتفق مع شريعة الإسلام، كوأد البنات، وشرب الخمر، وحرمان المرأة من الميراث، وغير ذلك من العادات التي جاء الإسلام وأبطلها، فاقتضت حكمته تعالى أن يُنـزل أحكامه الشرعية شيئاً فشيئاً، تهيئة للنفوس، وتدرجاً بها لترك ما علق بها من تلك العادات. يشير إلى هذا المعنى أن تحريم الخمر لم ينزل دفعة واحدة، بل كان على ثلاث مراحل، كما دلت على ذلك نصوص القرآن الكريم. وفي قوله تعالى: {ونزلناه تنـزيلاً} إشارة إلى أن نزوله كان شيئاً فشيئاً حسب مصالح العباد، وما تتطلبه تربيتهم الروحية والإنسانية، ليستقيم أمرهم، وليسعدوا به في الدارين.

ومن مقاصد نزول القرآن مفرقًا - إضافة لما سبق - مسايرة الحوادث المستجدة، والنوازل الواقعة، فقد كان القرآن ينـزل على النبي صلى الله عليه وسلم لمواكبة الوقائع الجديدة، وبيان أحكامها، قال تعالى: {ونزلنا عليك الكتاب تبيانًا لكل شيء وهدىً ورحمة وبشرى للمسلمين} (النحل:89) فكثير من الآيات القرآنية نزلت على سبب أو أكثر، كقصة الثلاثة الذي تخلَّفوا عن غزوة تبوك، وحادثة الإفك، وقصة المجادِلة، وغير ذلك من الآيات التي نزلت بياناً لحكم واقعة طارئة.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يتوقف عن البتَّ في حكم مسألة ما حتى ينـزل عليه الوحي، من ذلك مثلاً قصة المرأة التي ورد ذكرها في سورة المجادلة، وكان زوجها قد قال لها: أنتِ علي كظهر أمي، فاشتكت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قولَ زوجها، فأمرها أن تتمهل ريثما ينـزل الله في أمرها حكماً، فنـزل فيها قول الله تعالى: {الذين يظاهرون منكم من نسائهم} إلى قوله: {والله بما تعملون خبير} (المجادلة: 2-3) فكان فيما نزل عليه صلى الله عليه وسلم تقريراً شافياً، وحكماً عادلاً، لا يسع أحد رده أو الإعراض عنه.

وأخيراً فإن من المقاصد المهمة التي لأجلها نزل القرآن مفرقاً الدلالة على الإعجاز البياني التشريعي للقرآن الكريم، وذلك أن القرآن نزل على فترات متقطعة قد تطول وقد تقصر، ومع ذلك فنحن لم نجد اختلافاً في أسلوب بيانه، ولا خللاً في نسق نظمه، بل هو على وزان واحد من أول آية فيه إلى آخر آية منه، وهذا من أهم الدلائل على أن هذا القرآن لم يكن من عند البشر بل هو تنـزيل من رب العالمين، قال تعالى: {كتاب أُحكمت آياته ثم فُصلت من لدن حكيم خبير} (هود:1) وقال سبحانه في حق كتابه: {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنـزيل من حكيم حميد} (42).

ومن المفيد أن نشير في نهاية المطاف إلى أن أغلب أهل العلم - المتقدمين منهم خاصة - يستعملون مصطلح "التنجيم" للدلالة على أن القرآن نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم مفرقاً، وأنه لم ينزل جملة واحدة.
ولا شك أن لنـزول القرآن مفرقاً مقاصد أخرى غير ما ذكرناه، وإنما اقتصرنا على أهمها. نسأله تعالى التوفيق والسداد والقبول في أعمالنا، إنه خير مسؤول، والحمد لله رب العالمين.

نور العين
26-Nov-2004, 10:25 AM
كيفية نزول القرآن الكريم

القرآن الكريم نعمة السماء إلى الأرض، وحلقة الوصل بين العباد وخالقهم، نزل به الروح الأمين، على قلب رسوله الكريم بالحق ليكون للعالمين نذيراً، وهادياً ونصيراً، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً} (النساء: 174).

وكيفية نزول القرآن على خير خلق الله محمد صلى الله عليه وسلم من الأمور التي تستوقف المؤمن وتلح عليه بالسؤال، كيف نزل القرآن الكريم، وما هي المراحل التي استغرقها نزوله، وهل نزل جملة واحدة، على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم أم نزل على فترات متباعدة. في هذا المقال نحاول أن نتلمس الإجابة عما أثرناه من أسئلة، فنقول:

الذي عليه أهل العلم أن القرآن الكريم نزل من عند الله سبحانه وتعالى على قلب رسوله على فترات متقطعة، ولم ينزل عليه جملة واحدة. وقد كان كفار قريش يتشوفون إلى نزوله جملة واحدة، كما أخبر عنهم الله تعالى، فقال: {وقال الذين كفروا لولا نزِّل عليه القرآن جملة واحدة} (الفرقان:32) إلا أن الله سبحانه - وهو أعلم بما هو أوفق لرسالته وأصلح لعباده - أراد أن ينـزل القرآن مفرقاً؛ وذلك لحِكَم متعددة، منها ما ذكره سبحانه في الآية نفسها، فقال: {كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلاً} (الفرقان:32) فتثبيت قلب النبي صلى الله عليه وسلم كان حكمة بالغة من الحِكَم الذي نزل لأجلها القرآن مفرقاً.
ومن الآيات التي تبين أن القرآن نزل على نبينا صلى الله عليه وسلم مفرقاً - إضافة للآية السابقة - قوله تعالى: {وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً} (الإسراء:106) وفي هذه الآية حكمة أخرى من نزول القرآن مفرقاً، وهي نزوله على تمهل؛ ليكون ذلك أدعى إلى فهم من يسمعه ويستمع إليه.

أما عن القدر الذي كان ينزل من القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فالصحيح الذي دلت عليه الأحاديث أنه كان ينزل على حسب الحاجة أو الواقعة، فقد كان ينـزل عليه خمس آيات أو عشر أو أكثر من ذلك أو أقل، وربما نزل عليه آية واحدة أو بعض آية. وقد صح في الحديث المتفق عليه نزول آيات قصة الإفك جملة واحدة، وهي عشر آيات من قوله تعالى: {إن الذين جاؤوا بالإفك} إلى قوله تعالى {ولولا فضل الله عليكم ورحمة وأن الله رؤوف رحيم} (النور:11-20).

وصح في الحديث نزول بعض آية عليه صلى الله عليه وسلم، كما ثبت في الصحيح من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه أنه قال: لما نزل قوله تعالى: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين} (النساء) دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم زيداً فكبتها، فجاء ابن أم كلثوم فشكا ضرارته، فأنزل الله: {غير أولي الضرر} (النساء) رواه البخاري .

أما عن كيفيات نزول الوحي عليه صلى الله عليه وسلم فقد ذكر العلماء لذلك عدة كيفيات، نذكر منها ما يلي:
- أن يأتيه الوحي مثل صلصلة الجرس وهو أشد ما يكون عليه، كما ثبت عند البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن الحارث بن هشام رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي، فقال: (أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشده علي فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال) قالت عائشة رضي الله عنها: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه، وإن جبينه ليتفصد عرقاً. و"الصلصلة" كل صوت له طنين، وقوله "فيفصم" أي يُقلع وينجلي.

- وقد يأتيه الوحي بصورة رجل يلقي إليه كلام الله، كما في الحديث السابق عند البخاري ، وقد سئل صلى الله عليه وسلم عن كيفية الوحي، فقال: (وأحيانا يتمثل لي الملك رجلاً فيكلمني فأعي ما يقول) فإن المَلَك قد تمثل رجلاً في صور كثيرة، ولم ينفلت منه ما أتاه به، كما في قصة مجيئه في صورة دُحية الكلبي وفي صورة أعرابي، وغير ذلك من الصور، وكلها ثابتة في الصحيح.
- وقد يأتيه الوحي بطريق كلام الله في اليقظة، كما في حديث الإسراء الطويل، الذي رواه البخاري في "صحيحه" وفيه: (فلما جاوزتُ نادى منادٍ: أمضيتُ فريضتي وخففتُ عن عبادي) .

والأمر المهم في هذا السياق، الذي يجب اعتقاده والإيمان به، أن جبريل عليه السلام نزل بألفاظ القرآن المعجزة من أول سورة الفاتحة إلى آخر سورة الناس، وأن تلك الألفاظ هي كلام الله سبحانه، لا مدخل لجبريل ولا لنبينا في إنشائها ولا في ترتيبها، بل هي كما أخبرنا الله عنها بقوله: {كتاب أُحكمت آياته ثم فُصِّلت من لدن حكيم خبير} (هود:1) فالألفاظ القرآنية المقروءة والمكتوبة هي من عند الله سبحانه، ليس لجبريل فيها سوى نقلها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس للرسول فيها سوى وعيها وحفظها وتبليغها ثم بيانها والعمل بها، قال تعالى: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ li نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُliعَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ} (الشعراء:192-194) فالمتكلم هو الله، والناقل هو جبريل ، والمتلقي هو رسول رب العالمين، ومن اعتقد غير ذلك، فقد ضل سواء السبيل، نسأله تعالى العصمة والثبات على الحق والاعتصام بكتابه المبين ورسوله الكريم، وآخر دعوانا أنِ الحمد لله رب العالمين.

نور العين
26-Nov-2004, 10:25 AM
أول ما نزل من القرآن الكريم

اختلف العلماء في أول ما نزل من القرآن الكريم على أقوال :

أولها : وهو الصحيح : ( اقرأ باسم ربك .. ) الآية ، إلى قوله : ( ما لم يعلم ) ، وهو ما رواه البخاري ومسلم عن أم المؤمنين عائشة .

الثاني : ( يا أيها المدثر ) . والظاهر أن " سورة المدثر " نزلت بكمالها قبل نزول تمام " سورة أقرأ " التي نزل منها صدرها أولاً . وعبّر بعض العلماء للتوفيق بين الرأيين الاول و الثاني بقولهم : أول ما نزل للنبّوة ( اقرأ باسم ربّك ) وأول ما نزل للرسالة ( يا أيها المدثر ) .

الثالث : ( الفاتحة )

الرابع : ( بسم الله الرحمن الرحيم ) .
وقد روى الشيخان عن أم المؤمنين عائشة : أن أول ما نزل سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار ، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام .
وعن علي بن الحسين : أول سورة نزلت بمكة ( اقرأ باسم ربك ... ) وآخر سورة نزلت بها " المؤمنون " ، ويقال العنكبوت . وأول سورة نزلت بالمدينة ( ويلٌ للمطففين ) ، وآخر سورة نزلت "براءة " . وأول سورة أعلنها رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة " النّجم"
وفي شرح البخاري لابن حجر : اتفقوا على أن " سورة البقرة " أول سورة نزلت بالمدينة
وفي تفسير النسفي عن الواقدي أن أول سورة نزلت بالمدينة " سورة القدر " .

آخر ما نزل من القرآن الكريم :

وفيه اختلاف كذلك ، روى الشيخان عن البراء بن عازب قال : آخر آية نزلت : ( يستفتونك قل الله يُفتيكم في الكلالة ... ) الآية . وآخر سورة نزلت " براءة " .
وعن ابن عباس قال : آخر آية نزلت آية الربا ، والمراد بها قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا ... ) ( البقرة : 278- 280 )

وعن ابن عباس قال : آخر شيء نزل من القرآن ( واتقوا يومًا ترجعون فيه ... ) ( البقرة 281 ) .
ولا منافاة بين هذه الروايات في " آية الربا " و ( اتقوا يومًا .... ) و " آية الدين " ، لأن الظاهر أنها نزلت دفعة واحدة كترتيبها في المصحف ، ولأنها في قصة واحدة ، فأخبر كلٌّ عن بعض ما نزل بأنه آخر ، وذلك صحيح .

وعن أبيّ بن كعب قال : " آخر آية نزلت ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم .. ) ( التوبة : 128-129 ) إلى آخر السورة .

وعن عائشة : < آخر سورة نزلت " المائدة " فما وجدتم فيها من حلال فساتحلوه .. > ( أخرجه الحاكم والترمذي ) .

وقال القاضي أبوبكر ، في كتابه " الانتصار " : " هذه الأقوال ليس فيها شيء مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكُلٌّ قاله بضرب من الاجتهاد وغَلبَة الظن ، ويُحتمل أن كلا منهم أخبر عن آخر ما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم في اليوم الذي مات فيه ، أو قبل مرضه بقليل ، وغيره سمع منه بعد ذلك وإن لم يسمعه هو " .
ومن المشكل على ما تقدم قوله : ( اليوم أكملتُ لكم دينكم .... ) ( النساء : 176 ) الآية ، فإنها نزلت بعرفة عام حجة الوداع ، وظاهرها إكمال جميع الفرائض والأحكام قبلها ، وقد صرّح بذلك جماعة منهم : السُّدى فقال : " لم ينزل بعدها حلال ولا حرام " مع أنه ورد في آية " الربا " و " الدّين " و " الكلالة " أنها نزلت بعد ذلك ، وقد استشكل ذلك ابن جرير وقال : " الأوْلى أن يُتأوّل على أنه أكمل لهم دينهم بإقرارهم بالبلد الحرام ، وإجلاء المشركين عنه حتى حجة المسلمون لا يخالطهم المشركون " .

نور العين
26-Nov-2004, 10:25 AM
قراءات القرآن

القراءات القرآنية
روى البخاري ومسلم عن عمر رضي الله عنه أنه قال: ( سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة "الفرقان" في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستمعت لقراءته، فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يُقرئنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فكدت أُساوره - أي أثب عليه - في الصلاة، فصبرت حتى سلم، فَلَبَّبْتُه بردائه - أي أمسك بردائه من موضع عنقه - فقلت: من أقرأك هذه السورة ؟ قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: كذبت، فانطلقتُ به أقوده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرأ فيها، فقال: أرسله - أي اتركه - اقرأ يا هشام ، فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ، فقال: كذلك أنزلت، ثم قال: اقرأ يا عمر ، فقرأت القراءة التي أقرأني، فقال: كذلك أنزلت (إن القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرؤوا ما تيسر منه) .

وقد أجمع أهل العلم على أن القرآن الكريم نُقل إلينا عن النبي صلى الله عليه وسلم بروايات متعددة متواترة، ووضع العلماء لذلك علماً أسموه علم "القراءات القرآنية" بينوا فيه المقصود من هذا العلم، وأقسام تلك القراءات وأنواعها، وأهم القراء الذين رووا تلك القراءات، إضافة لأهم المؤلفات التي دوَّنت في هذا المجال.

والقراءات لغة، جمع قراءة، وهي في الأصل مصدر الفعل "قرأ"، أما المقصود من علم القراءات في اصطلاح العلماء، فهو العلم بكيفية أداء كلمات القرآن واختلافها، منسوبة لناقلها.

وقد قسَّم أهل العلم القراءات القرآنية إلى قسمين رئيسين هما: القراءة الصحيحة، والقراءة الشاذة.

أما القراءة الصحيحة فهي القراءة التي توافرت فيها ثلاثة أركان هي:
- أن توافق وجهاً صحيحاً من وجوه اللغة العربية.
- أن توافق القراءة رسم مصحف عثمان رضي الله عنه.
- أن تُنقل إلينا نقلاً متواتراً، أو بسند صحيح مشهور.

فكل قراءة استوفت تلك الأركان الثلاثة، كانت قراءة قرآنية، تصح القراءة بها في الصلاة، ويُتعبَّد بتلاوتها. وهذا هو قول عامة أهل العلم.
أما القراءة الشاذة فهي كل قراءة اختل فيها ركن من الأركان الثلاثة المتقدمة.

وهناك قسم من القراءات تُوقف فيه، وهو القراءة التي صح سندها، ووافقت العربية، إلا أنها خالفت الرسم العثماني. ويدخل تحت هذا القسم ما يسمى بـ "القراءات التفسيرية" وهي القراءة التي سيقت على سبيل التفسير، كقراءة سعد بن أبي وقاص قوله تعالى:{وله أخت}(النساء:176) فقد قرأها: (وله أخت من أم) وقراءة ابن عباس قوله تعالى:{وكان ورائهم ملك يأخذ كل سفينة غصباًliوأما الغلام فكان أبواه مؤمنين}(الكهف:79-80) حيث قرأها: (وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة غصباًliوأما الغلام فكان كافراً).

قال العلماء: المقصد من القراءة الشاذة تفسير القراءة المشهورة وتبيين معانيها؛ كقراءة عائشة و حفصة قوله تعالى:{حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى}(البقرة:238) قرأتا: (والصلاة الوسطى صلاة العصر) وقراءة ابن مسعود قوله تعالى:{فاقطعوا أيديهما}(المائدة:38) قرأها: (فاقطعوا أيمانهما) وقراءة جابر قوله تعالى:{فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم}(النور:33) قرأها: (من بعد إكراههن لهن غفور رحيم). فهذه الحروف - القراءات - وما شابهها صارت مفسِّرة للقرآن.

وقد اتفقت كلمة أهل العلم على أن ما وراء القراءات العشر التي جمعها القراء، شاذ غير متواتر، لا يجوز اعتقاد قرآنيته، ولا تصح الصلاة به، والتعبد بتلاوته، إلا أنهم قالوا: يجوز تعلُّمها وتعليمها وتدونيها، وبيان وجهها من جهة اللغة والإعراب.

والقراءات التي وصلت إلينا بطريق متواتر عشر قراءات، نقلها إلينا مجموعة من القراء امتازوا بدقة الرواية وسلامة الضبط، وجودة الإتقان، وهم:
قراءة نافع المدني، وأشهر من روى عنه قالون و ورش .
قراءة ابن كثير المكي، وأشهر من روى عنه البَزي و قُنْبل .
قراءة أبي عمرو البصري، وأشهر من روى عنه الدوري و السوسي .
قراءة ابن عامر الشامي، وأشهر من روى عنه هشام و ابن ذكوان .
قراءة عاصم الكوفي، وأشهر من روى عنه شعبة و حفص .
قراءة حمزة الكوفي، وأشهر من روى عنه خَلَف و خلاّد .
قراءة الكِسائي الكوفي، وأشهر من روى عنه أبو الحارث ، و حفص الدوري .
قراءة أبي جعفر المدني، وأشهر من روى عنه ابن وردان و ابن جُمَّاز .
قراءة يعقوب البصري، وأشهر من روى عنه رُوَيس و رَوح .
قراءة خَلَف ، وأشهر من روى عنه إسحاق و إدريس .

وكل ما نُسب لإمام من هؤلاء الأئمة العشرة، يسمى (قراءة) وكل ما نُسب للراوي عن الإمام يسمى (رواية) فتقول مثلاً: قراءة عاصم براوية حفص ، وقراءة نافع برواية ورش ، وهكذا.

وذكر ابن عاشور في تفسيره "التحرير والتنوير" أن القراءات التي يُقرأ بها اليوم في بلاد الإسلام هي: قراءة نافع براوية قالون ، في بعض القطر التونسي، وبعض القطر المصري، وفي ليبيا. وبرواية ورش في بعض القطر التونسي، وبعض القطر المصري، وفي جميع القطر الجزائري، وجميع المغرب الأقصى، وما يتبعه من البلاد والسودان. وقراءة عاصم براوية حفص عنه في جميع المشرق، وغالب البلاد المصرية، والهند، وباكستان، وتركيا، والأفغان، قال - والكلام لـ ابن عاشور -: وبلغني أن قراءة أبي عمرو البصري يُقرأ بها في السودان المجاور لمصر.

وقد ألَّف العلماء في علم القراءات تآليف عدة، وكان أبو عبيد - القاسم بن سلاَّم - من أوائل من قام بالتأليف في هذا العلم، حيث ألَّف كتاب "القراءات" جمع فيه خمسة وعشرين قارئاً. واقتصر ابن مجاهد على جمع القرَّاء السبع فقط. وكتب مكي بن أبي طالب كتاب "التذكرة".

ومن الكتب المهمة في هذا العلم كتاب "حرز الأماني ووجه التهاني" لـ القاسم بن فيرة ، وهو عبارة عن نظم شعري لكل ما يتعلق بالقرَّاء والقراءات، ويُعرف هذا النظم بـ "الشاطبية" وقد وصفها الإمام الذهبي بقوله: " قد سارت الركبان بقصيدته، وحفظها خَلْق كثير، فلقد أبدع وأوجز وسهَّل الصعب".

ومن الكتب المعتمدة في علم القراءات كتاب " النشر في القراءات العشر" للإمام الجزري ، وهو من أجمع ما كُتب في هذا الموضوع، وقد وضعت عليه شروح كثيرة، وله نظم شعري بعنوان "طيِّبة النشر".

ونختم هذا المقال بالقول: إن نسبة القراءات السبعة إلى القراء السبعة إنما هي نسبة اختيار وشهرة، لا رأي وشهوة، بل اتباع للنقل والأثر، وإن القراءات مبنية على التلقي والرواية، لا على الرأي والاجتهاد، وإن جميع القراءات التي وصلت إلينا بطريق صحيح، متواتر أو مشهور، منزلة من عند الله تعالى، وموحى بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لذلك وجدنا أهل العلم يحذرون من تلقي القرآن من غير طريق التلقي والسماع والمشافهة. والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل، والحمد لله رب العالمين.

نور العين
26-Nov-2004, 10:26 AM
للموضوع تتمه .........................................



نور العين

نجوم الليل
26-Nov-2004, 11:36 PM
جزاكي الله خير اختي نور العين
وننتظر التتمه

نور العين
01-Dec-2004, 06:20 AM
رجل الضل

الف شكر على المرور و الدعوة الكريمة
جوزيت خير الجزاء

نور العين

نور العين
01-Dec-2004, 06:20 AM
قراءة القرآن بالترجيع والتغني به

من الفِطَر التي فَطَرَ الله عليها قلوب عباده حب الاستماع إلى الصوت الحسن، ونفورها من الصوت القبيح. ولا شك أن للصوت أثر كبير على السامع إقبالاً وإدباراً. وواقع الناس أكبر دليل على هذه الحقيقة، فنحن مثلاً عندما نسمع صوت مؤذنٍ ينادي للصلاة بصوت ندي، نُرهف السمع إليه، ونتمنى ألا ينتهي مما هو فيه، ولهذا المعنى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن زيد ، أن يطلب من بلال رضي الله عنه أن يؤذن، قائلاً له: (إنه أندى صوتاً منك) رواه أحمد و أبو داود و ابن ماجه .
ولأهمية جمال الصوت وحسنه، وجدنا الناس يسعون إلى سماع كل ما يُدخل السرور إلى قلوبهم، فكانت العرب مثلاً إذا ركبت الإبل تتغنى بالحداء، وهكذا كانت في كثير من أحوالها.

ولما نزل القرآن الكريم على قلب خير المرسلين، أحب النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون سماعهم للقرآن، مكان التغني الذي كانوا عليه، فدعا صلى الله عليه وسلم إلى التغني بالقرآن، فقال: (ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي يتغنى بالقرآن) رواه البخاري ، ومعنى الحديث - كما قال شرَّاحه - ما استمع الله لشيء من كلام الناس، ما استمع لنبي يتغنى القرآن.
وثبت في السنة أنه صلى الله عليه وسلم كان أحسن الناس صوتاً بقراءة القرآن، فقد روى البخاري من حديث البراء رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ: {والتين والزيتون} في العِشاء، وما سمعت أحداً أحسن صوتاً منه، أو قراءة.

وجاء في حديث عبد الله بن المغفل المزني أنه قال: ( رأيت رسول صلى الله عليه وسلم يوم الفتح على ناقة له يقرأ سورة الفتح، قال: فرّجع فيها ) رواه البخاري . والترجيع في القراءة - كما قال العلماء - ترديد الصوت في الجهر بالقول مكرراً بعد خفائه. قال شرّاح الحديث في معناه: وفي هذا الحديث دلالة على جواز قراءة القرآن بالترجيع والألحان الملذذة للقلوب بحسن الصوت، وذلك أن القراءة بالترجيع تجمع نفوس الناس إلى الإصغاء، وتستميلها بذلك. وقد كان الجاهليون يُرجِّعون الشعر، بأن يقرؤونه على الألحان والتطريب والإيقاع ليؤثر في السامعين، ويقع منهم موقعا حسناً.

وكان صلى الله عليه وسلم يحب أن يسمع القرآن من غيره، وقد أثنى على صحابته الذين يقرؤون القرآن بصوت حسن، فعندما مرَّ صلى الله عليه وسلم بـ أبي موسى الأشعري وسمعه يقرأ القرآن - وكان ذا صوت حسن - سُرَّ بصوته، وقال له: (لو رأيتني وأنا أسمع قراءتك البارحة، لقد أوتيتَ مزماراً من مزامير آل داود ) والمراد بالمزمار هنا الصوت الحسن، وأصل الزمر الغناء. وفي رواية أخرى، قال أبو موسى رضي الله عنه: (لو كنت أعلم أنك تسمعه، لحبرته لك تحبيراً ) أي: حسنته وزينته بصوتي تزييناً.

وقد صح في السنة - إضافة لما تقدم - الترغيب بتحسين الصوت وتزيينه عند قراءة القرآن، من ذلك ما رواه البخاري معلقاً، أنه صلى الله عليه وسلم قال: (زينوا القرآن بأصواتكم) رواه أصحاب السنن إلا الترمذي ، وصححه الألباني .
قال النووي رحمه الله: أجمع العلماء على استحباب تحسين الصوت بالقرآن ما لم يخرج عن حد القراءة بالتمطيط ونحوه، فإن خرج حتى زاد حرفاً أو أخفاه حَرُم. قال: وأما القراءة بالألحان فقد كرهها بعضهم؛ لما رأى فيها من خروج عن الخشوع والتدبر المطلوب في القرآن، وأجازها البعض الآخر بحجة أنها تكون سبيلاً للرقة وحصول الخشية وإقبال النفوس على الاستماع والإنصات.
ومفاد قول النووي هنا، أن قراءة القرآن بالألحان إذا انتهت إلى إخراج الألفاظ أو بعضٍ منها عن مخارجها حرُم ذلك، فإن لم تخرج بالألحان عن المنهج القويم جاز، مع الإشارة إلى أن المقصود بالألحان في كلام الفقهاء ليس الآلات الموسيقية المعروفة لدينا اليوم، بل مقصودهم اللحن الصوتي، وهو النغم الصوتي فحسب، وإلا فالإجماع منعقد على تحريم قراءة القرآن بتلحين الموسيقى، وأن فاعله مستهزئ بكتاب الله تعالى، مستخِفٌّ به.

والذي يتحصل من الأدلة الواردة في مسألة التغني بالقرآن، أنه على وجهين، أحدهما: ما جاء على مقتضى الفطرة دون تكلف أو تصنع، فهذا جائز شرعاً ومرغَّب فيه، لأن الصوت الحسن أوقع في النفس من غيره، وأدعى للقبول والاستماع إليه. الثاني: ما كان متكلَّفاً فيه، ولا يحصل إلا بالتعلم، كما يُتعلم الغناء، فهذا هو المنهي عنه شرعاً.

والناظر في أحوال السلف رضي الله عنهم يعلم قطعاً أنهم براء من القراءة بالألحان المتكلفة، ويعلم قطعاً كذلك، أنهم كانوا يقرؤون بالترجيع، ويُحسِّنون أصواتهم بالقرآن، ويقرؤونه بصوت شجي تارة، وبصوت فيه شوق تارة أخرى، وهذا أمر مركوز في الطباع - كما ذكرنا بداية - ولم ينه الشارع عنه، بل أرشد إليه، ورغب فيه. والله الموفق والهادي لكل خير، والحمد لله رب العالمين.

نور العين
01-Dec-2004, 06:21 AM
سؤال وجواب في علم القراءات
ما المراد بعلم القراءات ؟

فهو علم مذاهب الأئمة في قراءات نظم القرآن والقراءات أبعاض القرآن لكن تنقسم إلى مشهورة وشاذة والمشهورة : هي الصحيحة المعتبرة ، والشاذة : هي الضعيفة والمراد من المشهورة هي المتواتر نقلها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ابن الجزري في النشر : كل قراءة وافقت العربية ( وأحد ) المصاحف العثمانية وصح نقلها عن النبي صلى الله عليه وسلم فهي صحيحة لا يحل ردها ويجب على الناس قبولها سواء كانت من قراءات الأئمة السبعة أو من قراءات غيرهم ومتى اختل أحد هذه الأركان فهي ضعيفة شاذة وإن كانت من قراءات الأئمة السبعة ولعل معناه تواتر نقلها فالتي ثبتت بخبر الآحاد شاذة قال أبو شامة أكثر العلماء اقتصروا في تصانيفهم على ذكر قراءات الأئمة السبعة لكثرة ( الصحيح ) المجمع عليه في قراءاتهم وبعض ما نسب إليهم غير مجمع عليه انتهى

والمجمع عليه هي المشهورة وغير شاذة وفي الإجماع هنا إشكال لأن الظاهر أن معناه ما أجمع عليه أئمة القراءات وقراءة بعضهم تخالف قراءة البعض الآخر منهم فيلزم أن لا تكون مجمعاً عليها كقراءة " ملك " قرأ بعضهم بالألف وبعضهم بلا ألف مع أن كلتا القراءتين مجمع عليها والجواب أن اختلاف أئمة القراءات ليس في الصحة والثبوت بل في الترجيح فكل من الأئمة يسلم ثبوت قراءة الأخرين وهذا بخلاف اختلاف المجتهدين فإن اختلافهم على طريق التدافع والرد قال الجعبري : إن الخلاف في وجوه القراءات ليس كالخلاف في الأحكام لأن كلاً من وجوه القراءات الصحيحة حق في نفس الأمر وأما كل من وجوه الحكم المختلف فيه فهو حق باعتبار الاجتهاد والحق في نفس الأمر واحد منها انتهى .

والمراد من الأئمة السبعة : نافع المدني وابن كثير المكي وأبو عمرو البصري وابن عامر الشامي وعاصم حمزة والكسائي الثلاثة كوفيون وأغلب قراءات ( هؤلاء ) الأئمة مشهورة صحيحة مجمع عليها .

واقتصر الشاطبي على ذكر قراءاتهم وزاد بعض المصنفين قراءة يعقوب البصري - وأبي جعفر المدني وخلف لكون أغلب قراءاتهم مشهورة صحيحة أيضاً

عن خلف راوي حمزة فما معنى زيادة قراءته ؟ له قرءاتان

إحداهما رواية عن حمزة والأخرى ما رجحها بنفسه وصار بما رجحه بنفسه شيخاً وله باعتباره ( راوية ) كسائر الأئمة

اعلم أن رد شيء من القراءات المتواترة كفر بخلاف غير المتواترة فمن لم يعلم القراءات المتواترة قد يرد ما لم يسمعه منها قال السيوطي أوعى ما صنف في القراءات المشهورة النشر في القراءات العشر وتقريب النشر كلاهما لابن الجوزي انتهى

ثم اعلم أن علم القراءات يخالف علم التجويد لأن المقصود من الأول معرفة اختلاف الأئمة في نفس الحروف أو في صفاتها ( والمقصود ) من الثاني معرفة حقائق صفات الحروف مع قطع النظر عن الخلاف فيها مثلا يعرف في التجويد أن حقيقة التفخيم كذا وحقيقة الترقيق كذا ويعرف في القراءات أن هذه الحروف فخمها فلان ورققها فلان وبهذا يندفع ما عسى يقال : علم القراءات يتضمن مباحث صفات الحروف كالإدغام والإظهار والمد والقصر والتفخيم والترقيق وهي من مباحث علم التجويد قال الجعبري نقل القراءات السبع فرض كفاية لأنها ابعاض القرآن انتهى .

و لا تنحصر القراءات الصحيحة في السبع كما عرفنا فالظاهر أن يقال نقل جميع القراءات الصحيحة فرض كفاية

ما المراد بالأحرف السبعة

أ . ذهب أكثر العلماء إلى أن المراد بالأحبرف السبعة سبع لغات من لغات العرب في المعنى الواحد ، على معنى أنه حيث تختلفلغات العرب في التعبير عن معنى من المعاني يأتي القرآن منزلاً بألفاظ على قدر هذه اللغات لهذا المعنى الواحد ، وحيث لا يكون هناك اختلاف فإنه يأتي بلفظ واحد أو أكثر .

واختلفوا في تحديد اللغات السبع :

فقيل : هي لغات : قريش ، هذيل ، وثقيف ، وهوازن ، وكنانة ، وتميم ، واليمن .

وقال أبوح حاتم السجستاني : نزل بلغة قريش ، وهذيل ، وتميم ، والأزد ، وربيعة ، وهوازن ، وسعد بن بكر .

وروي غير ذلك .

ب . وقال قوم: إن المراد بالأحرف السبعة سبع لغات من لغات العرب نزل عليها القرآن ، على معنى أنه في جملته لا يخرج في كلماته عن سبع لغات هي أفصح لغاتهم ، فأكثرة بلغة قريش ، ومنه ما هو بلغة هذيل ، أو ثقيف ، أو هوازن ، أو كنانة، أو تميم ، أو اليمن ، فهو يشتمل في مجموعة على اللغات السبع .

وهذا الرأي يختلف عن سابقه ، لأنه يعني أن الأحرف السبعة إنما هي أحرف سبعة متفرقة في سور القرآن ، لا أنها لغات مختلفة في كلمة واحدة باتفاق المعاني.

قال أبو عبيد : "ليس المارد ان كل كلمة تقرأ على سبع لغان ، بل اللغات السبع مفرقة فيه ، فبعضه بلغةقريش ، وبعضه بلغة هذيل ، وبعضه بلغة هوازن ، وبعضه بلغة اليمن ، وغيره ، قال : وبعض اللغات أسعد به من بعض وأكثر نصيباً " .

جـ. وذكر بعضهن أن المارد بالاحرف السبعة أوجه سبعة : من الأمر ، والنهي ، والوعد ، والوعيد ، والجدل ، والقصص والمثل ، أو من : الأمر ، والهي ، والحلال، والحرام ، والمحكم ، والمتشابه ، والامثال :

عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : < كان الكتاب الأول ينزل من باب واحد ، وعلى حرف واحد ، ونزل القرآن من سبعة أبواب ، على سبعة أحرف ، زجر ، وأمر ، وحلال ، وحرام ، ومحكم ، ومتشابه ، وأمثال .

د. وذهب جماعة إلى أن المراد بالأحرف السبعة ، وجوه التغاير السبعة التي يقع فيها الاختلاف : وهي :

1. اختلاف الأسماء بالإفراد والتذكير وفروعهما : التثنية ، والجمع ، والتأنيث ، كقوله تعالى : ( والذي هم لأماناتهم وعهدهم راعون) (المؤمنون:8) قرئ (لأماناتهم) بالجمع ، وقرئ (لأمانتهم) بالأفراد ، ورسمها في المصحف (أمتهم) يحتمل القراءاتين ، لخلوها من الألف الساكنة ، ومآل الوجهين المعنى الواحد ، فيراد بالجمع الاستغراق الدال على الجنسية ، ويراد بالإفراد الجنس الدال على معنى الكثرة ، أي جنس الأمانة ، وتحت هذه جزئيات كثيرة .

2. الاختلاف في وجوه الإعراب ، كقوله تعالى : (ما هذا بشراً ) (يوسف:31) قرأ الجمهور بالنصب ، على أن (ما) عاملة عمل (ليس) وهي لغة أهل الحجاز وبها نزل القرآن ، وقرأ ابن مسعود (ما هذا بشرٌ) بالرفع ، على لغة بني تميم ، فإنهم لا يعملون (ما) عمل (ليس) وكقوله (فتلقى آدم من ربه كلمات) (البقرة:37) وقرئ بنصب (آدم) ورفع (كلماتٌ) (فتلقى آدم من ربه كلماتٌ) .

3. الاختلاف في التصريف : كقوله تعالى ( فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا) (سبأ:19) قرئ بنصب (ربنا) على أنه منادى مضاف ، وع (باعد) بصيغة الأمر ، وقرئ (ربنا) بالرفع ، و(باعد) بفتح العين ، على أنه فعل ماض ، وقرئ (بعد) بفتح العين مشددة مع رفع (بنا) أيضاً .

ومن ذلك ما يكون بتغيير حرف ، مثل (يعلمون) وتعلمون بالياء والتاء ، و(الصراط) و(السراط) في قوله تعالى : (اهدنا الصراط المستقيم ) (الفاتحة:6) .

4. الاختلاف في التقديم والتأخير : إما في الحرف ، كقوله تعالى (أفلم ييأس) (الرعد:31) وقرئ (أفلم يأيس) وإما في الكلمة كقوله تعالى : (فيقتلوُن ويُقتلون ) (التوبة :111) بالبناء للفاعل في الأول ، وللمفعول في الثاني ، وقرئ بالعكس ، أي بالبناء للمفعول في الأول ، وللفاعل في الثاني .

أما قراءة (وجاءت سكرة الحق بالموت) (ق:19) بدلاً من قوله تعالى : (وجاءت سكرة الموت بالحق) فقراءة أحادية أو شاذة ، لم تبلغ درجة التواتر .

5. الاختلاف بالإبدال ، سواء كان إبدال حرف بحرف ، كقوله تعالى : (وانظر العظام كيف ننشزها) (البقرة:259) قرئ بالزاي المعمجمة مع ضم النون ، وقرئ بالراء المهملة مع فتح النون ، أو إبدال لفظ بلفظ ، كقوله تعالى : (كالعهن المنفوش) (القارعة:5) قرأ ابن مسعود وغيره (كالصوف المنقوش) وقد يكون هذا الإبدال مع التفاوت في المخارج كقوله تعالى (طلح منضود) (الواقعة:29) ومخرج الحاء والعين واحد ، فهما من حروف الحلق .

6. الاختلاف بالزيادة والنقص : فالزيادة كقوله تعالى : (وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار) (التوبة:100) قرئ (من تحتها الأنهار) بزيادة (من) وهما قراءاتان متواترتان ، والنقصان كقوله تعالى: (قالوا اتخذ الله ولداً) (البقرة:116) بدون واو ، وقراءة ابن عباس (وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصباً ) (الكهف:79) بزيادة (صالحة) وإبدال كلمة (أمام) بكلمة (وراء) وقارءة الجمهور (وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً) كما يثمل للنقصان بقراءة (والذكر والأنثى) بدلاً من قوله تعالى : (وما خلق الذكر والأنثى) (الليل:3).

7. اختلاف اللهجات بالتفخيم والترقيق ، والفتح والإمالة ، والإظهار والإدعام ، والهمو والتسهيل ، والإشمام ونحو ذلك ، كالإمالة وعدمها في مثل قوله تعالى : (هل أتاك حديث موسى) (طه:9) قرئ بإمالة (أتى) و(موسى) وترقيق الراء في قوله : (خبيراً بصيراً) وتفخيم اللام في (الطلاق) وتسهيل الهمزة في قوله (قد أفلح) (المؤمنون:1) ، وإشمام الغين ضمة مع الكسر في قوله تعالى : (وغيض الماء) (هود:44) وهكذا .

هـ. وذهب بعضخن إلى أن العدد سبعة لا مفهوم له ، وإنما هو رمز إلى ما ألفه العرب من معنى المال في هذا العدد ، فهو إشارة إلى أن القرآن في لغته وتركيبه كأنه حدود وأبواب لكلام العرب كله مع بلوغه الذورة في المال ، فلفظ السبعة يطلق على إرادة الكثرة والكمال في الآحاد ، كما يطلق السبعون في العشرات ، والسبعمائة في المئين ، ولا يراد العدد المعين .

و. وقال جماعة : إن المارد بالأحرف السبعة ،القراءات السبع .

والرجع من هذه الأراء جميعاً هو الرأي الأول ، وأن المراد بالأحرف السبعة سبع لغات من لغات العرب في المعنى الواحد ، نحو أقبل ، وتعال وهلم ،وعجل ، وأسرع ، فهي ألفاظ مختلفة لمعنى واحد ، وإليه ذهب سفيان بن عيينه ، وابن جرير ، وابن وهب، وخلائق ، ونسبه ابن عبد البر لأكثر العلماء ويدل له ما جاء في حديث أبي بكرة : "إن جبير قال : يا محمد ، أقرأ القرآن على حرف ، فقال ميكائيل : استزده ، فقال! على حرفين ،حتى بلغ ستة أو سبعة أحرف ، فقال: كلها شاف كاف ، ما لم يختم آية عذاب بآية رحمة ، أوآية رحمة بآية عذاب ، كقولك : هل وتعال وأقبل واذهب وأسرع وعجل ، قال ابن عبد البر : "إنما أراد بهذا ضرب المثل للحروف التي نزل القرآن بها عليها ، وأنها معان متفق مفهوما ، مختلف مسموعها ، لا يكون في شء منهامعنى وضده ،ولا وجه يخالف معنى وجه خلافاً ينفيه ويضاده ، كالرحمة هي خلاف العذاب .

ويؤيده أحاديث كثيرة :

"قرأ رجل عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه فغيّر عليه : فقال : لقد قرأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فل يغيّر عليّ ، قال: فاختصما عند النبيص صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسلو الله ، ألم تقرئني أية كذا وكذا ؟ قال : < بلى > قال : فوقع في صدر عمر شيء ، فعرف النبي صلى الله عليه ولم ذلك في وجهه ، قال : فضرب صدره وقال : < ابعد شيطاناً> قالها ثلاثاً ثم قال : < يا عمر ، إن القرىن كله صوال ما لم تجعل رحمة عذاباً أو عذاباً رحمة> (أخرجه أحمد) .

نور العين
01-Dec-2004, 06:22 AM
وعن بُسر بن سعيد : "أن أبا جُهيم الأنصاري أخبره : أن رجلين اختلفا في آية من القرآن ، فقال هذا : تلقيتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال الآخر :تلقيتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ،فسألا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : < إن القرآن أنزل على سبعة أحرف ، فلا تماروا في القرآن ، فإن المراء فيه كفر> .

وعن الأعمش قال : "قرأ أنس هذه الآية : (إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأصوب قيلاً ) (المزمل:6) فقال له بعض القوم : يا أبا حمزة ، إنما هي (وأقوم) فقال : أقوم أصوب وأهيا واحد" .

وعن محمد بن سيرين قال : نبئت أن جبائيل وميكائيل أتيا النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال له جبرائيل : اقرأ القرآن على حرفين فقال له ميكائيل : استزده ، قال : حتى بلغ سبعة أحرف ، قال محمد : لا تختلف في حلال ولا حرام ولا أمر ولا نهي ، هو كقولك : تعالى ،وهلم وأقبل ، قال : وفي قراءتنا حرام ، ولا أمر ولا نهي ، هو كقولك تعال ، وهلم وأقبل ، قال : وفي قراءتنا (إن كانت إلا صيحة واحدة) يونس29) ، (53) في قراءة ابن مسعود (إن كانت إلا زقية واحدة) .

ويجاب عن الرأي الثاني 0ب) الذي يرى أن المراد باأحرف السبعة سبع لغات من لغات العرب نزل عليها القرآن ، على معنى أنه في جملته لا يخرج في كلماته عنها فهو يشتمل في مجموعة عليها بأن لغات العرب أكثر من سبع ، وبأن عمر بن الخطاب وهشام بن حكيم كلاهما قرشي من لغة واحدة ، وقبيلة واحدة ، وقد اختلفت قراءتهما ، ومحال أن ينكر عليه عمر لغته ، فدل ذلك على أن المراد بالأحرف السبعة غير ما يقصدونه ، ولا يكون هذا إلا باختلاف الألفاظ في معنى واحد ، وهو ما نرجحه .

قال ابن جرير الطبري بعد أن ساق الأدلة ، مبطلاً هذا الرأي : "بل الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن ، هن لغات سبع في حرف واحد ، وكلمة واحدة، باختلاف الألفاظ واتفاق المعاني ، كقول القائل : هلم ، وأقبل وتعال ، ,إلي وقصدي ونحوي ، وقربي ، ونحو ذلك ، مما تختلف فيه الألفاظ بضروب من المنطق وتتفق فيه المعاني ، وإن اختلفت بالبيان به الألسن ، كالذي روينا آنفاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمن روينا ذلك عنه من الصحابة ، أن ذلك بمنزلة قولك: (هلم وتعال وأقبل) وقوله : (ما ينظرون إلا زقية) و(إلا صيحة) .

وأجاب الطبري عن تساؤل مفترح : ففي أي كتاب الله نجد حرفاً واحداً مقروءاً بلغات سبع مختلافت الالفاظ متفقات المعنى ؟ أجبا : بأننا لم ندع أن ذلك موجود اليوم، وعن تساؤل مفترض أخر : فما بال الأحرف الأخر الستة غير موجودة؟ بأن الأمة أمرت بحفظ القرآن وخيرت في قراءته وحفظه بأي تلك الأحرف السبعة شاءت كما أمرت ، ثم دعت الحاجة إلى التزام القراءة بحرف واحد مخافة الفتنة في زمن عثمان ، ثم اجتمع أمر الأمة على ذلك ، وهي معصومة من الضلالة .

ويجاب عن الرأي الثالث (جـ) الذي يرى أن المراد بالأحرف السبعة سبعة أوجه : من الأمر ، والنهي ، والحلال ، والحرام ، والمحكم ، والمتشابه ، والأمثال بأن ظاهر الأحاديث يدل على أن المراد بالأحرف السبعة أن الكلمة تقأ على وجهين أو ثلاثة إلى سبعة توسعة للأمة ، والشيء والواحد لا يكون حلالاً وحراماً في آية واحدة ، والتوسعة لم تقع في تحريم حلال ، ولا تحليل حرام ، ولا في تغيير شيء من المعاني المذكورة .

والذي ثبت في الأحاديث السابقة أن الصحابة الذين اختلفوا في القراءة احتكموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فاستقرأ كل رجل منهم ، ثم صوب جميعهم في قراءتهم على اختلافها ، حتى ارتاب بعضهم لتصويبه إياهم ، فقال صلى الله عليه وسلم ارتاب منهم عند تصويبه جميعهم < إن الله أمرني أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف> .

ومعلوم أن تماريهم فيما تماروا فيه من ذلك ، لو كانت تمارياً واختلافاً فيما دلت عليه تلاواتهم من التحليل والتحريم والوعد وما أشبه ذلك ، لكان مستحيلاً أن يصوب جميعهم ، ويأمر كل قارئ منهم أن يلزم قراءته في ذلك على النحو الذي هو عليه ، لأن ذلك لو جاء أن يكون صحيحاً وجب أن يكن الله جل ثناؤه قد أمر فعل شيء بعيه وفرضه ، وفي تلاوة من دلت تلاوته على فرضه ، ونهى عن فعل ذلك الشيء بعينه ، وجلع لمن شاء من عباده أن يفعل فعله ، ولم شاء منهم أن يتركه تركه ، في تلاوة من دلت تلاوته على التخيير .

وذلك من قائله إن قاله إثبات ما قد نفى الله جل ثناؤه عن تنزيله وحكم كتابه فقال : (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً ) (النساء:82) .

وفي نفي الله جل ثناءه عن ذلك عن محكم كتابه أوضح الدليل على أنه لم ينزل كتابه على لسان محمد صلى الله عليه وسلم إلا بحكم واحد متفق في جميع خلقه لا باحكام فيهم مختلفة .

ويجبا عن الرأي الرابع (د) الذي يرى أن المراد بالأ؛رف السبعة وجوه التغاير التي يقع فيها اختلاف بأن هذا كان شائعاً مقبولاً لكنه لا ينهض أمام أدلة الرأي الأول التي جاء فيها باختلاف الألفاظ مع أتفاق المعنى ، وبعض وجوه التغاير والاختلاف التي يذكرونها ورد بقراءات الآحاد ، ولا خلاف في أن كل ما هو قرآن يجب أن يكون متواتراً ، وأكثرها يرجلع إلى شكل الكلمة أو كيفية الأداء مما لا يقع به التغاير في اللفظ ، كالاختلاف في الإعراب ، أو التصريف ، أو التفخيم والترقيق والفتح والإمالة والإظهار والإدغام والإشمام فهذا ليس من الاختلاف الذي يتنوع في اللفظ والمعنى لأن هذه الصفات المتنوعة في أدائه لا تخرجه عن أن يكون لفظاً واحداً .

وأصحاب هذا الرأي يرون أن المصاحف العثمانية قد اشتملت على الأحرف السبعة كلها ، بمعنى أنها مشتملة على ما يحتمله رسمها من هذه الأحرف ، فآية (والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون) (المؤمنون:8) التي تقرأ بصيغة الجمع وتقرأ بصيغة الإفراد جاءت في الرسم العثماني (لأمانتهم) موصولة وعليها ألف صغيرة ، وآية (فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا) (سبأ:19) جاءت في الرسم العثماني (بعد) موصولة كذلك وعليها ألف صغيرة وهكذا .

وهذا لا يسلم لهم في كل وجه من وجوه الاختلاف التي يذكرونها .

كالاختلاف بالزيادة والنقص ن في مثل قوله تعالى (وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار) (التوبة:100) وقرئ (من تحتها الأنهار) بزيادة (من) وقوله (وما خلق الذكر والأنثى) (الليل:3) وقرئ (والذكر والأنثى) بنقص (ما خلق) .

والاختلاف بالتقديم والتأخير في مثل قوله تعالى : (وجاءت سكرة الموت بالحق) (ق:19) وقرئ (وجاءت سكر الحق بالموت) والاختلاف بالإبدال في مثل قوله تعالى : (وتكون الجبال كالعهن المنفوش) (القارعة:5) وقرئ (وتكون الجبال كالصوف المنفوش) .

ولو كانت هذه الأحرف تشتمل عليها المصاحف العثمانية لما كان مصحف عثمان حاسماً للنزاع في اختلاف القراءات ، إنما كان حسم هذا النزاع بجمع الناس على حرف واحد من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن ، ولولا هذا لظل الاختلاف في القراءة قائماً ، ولما كان هناك فرق بين جمع عثمان وجمع أبي بكر ، والذي دلت عليه الآثار أن جمع عثمان رضي الله عنه للقرآن كان نسخاً له على حرف واحد من الحروف السبعة حتى يجمع المسلمين على مصحف واحد ، حيث رأى أن القراءة بالأحرف السبعة كانت لرفع الحرج والمشقة في بداية الأمر ، وقد انتهت الحاجة إلى ذلك ، وترجع عليها حسم مادة الاختلاف في القراءة ، بجمع الناس على حرف واحد ، ووافقه الصحابة على ذلك ، فكان إجماعاً ، ولم يحتج الصحابة في أيام أبي بكر وعمر إلى جمع القرآن على وجه ما جمَعَه عثمان ، لأنه لم يحدث في أيامها من الخلاف فيه ما حدث في زمن عثمان ، وبهذا يكون عثمان قد وفق أمر عظيم ، رفع الاختلاف ، وجمع الكلمة ، وأراح الأمة .

ويجاب عن الرأي الخامس (هـ) الذي يرى أن العد سبعة لا مفهوم له بأن الأحاديث تدل بنصها على حقيقة العدد وإنحصاره : < أقرأني جبريل على حرف ، فراجعته ، فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف> (أخرجه البخاري ومسلم) < وإن ربي أرسل إليّ أن اقرأ القرآن على حرف ، فرددت عليه أن هوّن على أمتي فأرسل إلي أن أقرأ على سبعة أحرف > فهذا يدل على حقيقة العدد المعين المحصور في سبعة .

ويجاب عن الرأي السادس (و) الذي يرى أن المراد بالأحرف السبعة القراءات السبع ، بأن القرآن غير القراءات ، فالقرآن : هو الوحي المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم للبيان والإعجاز ، والقراءات : هي اختلاف في كيفية النطق بألفاظ الوحي ، من تخفيف أو تثقيل ، أو مد أو نحو ذلك ، قال أبو شامة : "ظن قوم أ ن القراءات السبع الموجودة الآن هي التي أريدت في الحديث ، وهو خلاف إجماع أهل العلم قاطبة ، وإنما يظن ذلك بعض أهل الجهل" .

قال الطبري : " وأما ما كان من اختلاف القراءة في رفع حرف وجره ونصبه وتسكين حرف وتحريكه ونقل حرف إلى آخر مع اتفاقت الصورة ، فمن معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم : < أمرت أن أقرا القرآن على سبعة أحرف> بمعزل لأنه معلوم أنه لا حرف من حروف القرآن مما اختلفت القراءة في قراءته بهذا المعنى يوجب المراد به كفر المماري به في قول أحد من علماء الأمة ، وقد أوجب عليه الصلاة والسلام بالمراء فيه الكفر ، من الوجه الذي تنازع فيه المتنازعون إليه ، وتظاهرت عنه بذلك الرواية .

ولعل الذي أقعهم في هذا الخطأ الاتفاق في العدد سبعة ، فالتبس عليه مالأمر ، قال ابن عمار: "لقد فعل مسبع هذه السبعة ما لا ينبغي له ، وأشكل الأمر على العامة بإبهامه كل من قل نظره أن هذه القراءات هي المذكورة في الخبر ، وليته إذا اقتصر على السبعة أو زاد ليزيل الشبهة) .

وبهذه المناقشة يتبين لنا أن الرأي الأول (أ) الذي رى أن المراد بالأحرف السبعة سبع لغات من لغات العرب في المعنى الواحد هو الذي يتفق مع ظاهر النصوص وتسانده الأدلة الصحيحة .

عن أبي بن كعب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : < إن ألله أمرني أن أقرأ القرآن على حرف واحد ، فقلت: ربي خفف عن أمتي ، فأمرني ، قال : أقرأه على حرفين ، فقلت : رب خفف عن أمتي ، فأمرني أن أقرأه على سبعة أحرف من سبعة أبواب الجنة ، كلها شاف كاف> (رواه مسلم والطبري) .

قال الطبري: "والسبعة الأخرى : هو ما قلنا من أنه الألسن السبعة ، والأبواب السبعة من الجنة هي المعاني التي فيها ، من الأمر والنهي والترغيب والترهيب والقصص والمثل ، التي إذا عمل بها العامل ، وانتهى إلى حدودها المنتهي ، استوجب به الجنة ، وليس والحمد لله في قول من قال ذلك من المتقدمين خلاف لشيء مما قلناه" ومعنى "كلها شاف كاف" كما قال جل ثناؤه في صفة القرآن : ( يا أيها النسا قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين) (يونس:57) جعله الله للمؤمنين شفاء ، يستشفون بمواعظه من الأدواء العارضة لصدورهم من وساوس الشيطان وخطراته ، فيكفيهم ويغنيهم عن كل ما عداه من المواعظ ببيان آياته .

ما الحكمة في نزول القران على سبعة احرف

نور العين
01-Dec-2004, 06:23 AM
تتلخص حكمة نزول القرآن على سبعة أحرف في أمور هي :

1. تيسير القراءة والحفظ على قوم أميين ، لكل قبيل منهم لسان ولا عهد لهم بحفظ الشرائع ، فضلاً عن أن يكون ذلك مما ألفوه وهذه الحكمة نصت عليها الأحاديث في عبارات :

عن أبي قال : "لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عند أحجار المراء فقال: إني بعثت إلى أمة أميين ، منهم الغلام والخادم والشيخ والعاس والعجوز ، فقال جبريل : فليقرأ القرآن على سبعة أحرف <إن الله أمرني أن أقرأ القرآن على حرف ، فقلت : اللهم رب خفف عن أمتي> "إن الله يأمرك أن تقرئ على أمتك القرآن على حرف ، قال : <أسألك الله معافاته ومغفرته ، وإن أمتي لا تطيق ذلك> .

2. إعجاز القرآن للفطرة اللغوية عند العرب ، فتعدد مناحي التأليف الصوتي للقرآن تعدداً يكافئ الفروع اللسانية التي عليها فطرة اللغة في العرب حتى يستطيع كل عربي أن يوقع بأحرفه وكلماته على لحنه الفطري ولهجة قومه مع بقاء الإعجاز الذي تحدى به الرسول والعرب مع اليأس من معارضته لا يكون إعجازاً للسان دون آخر ، وإنما يكون إعجازاً للفطرة اللغوية نفسها عند العرب .

3. إعجاز القرآن في معانيه وأحكامه : فإن تقلب الصور اللفظية في بعض الأحرف والكلمات يتهيأ معه استنباط الأحكام التي تجعل القرآن ملائماً لكل عصر ، ولهذا احتج الفقهاء في الاستنباط والاجتهاد بقراءات الأحرف السبعة .

هل القراءات التي يقرأ بها الناس اليوم ، وتنسب إلى الأئمة السبعة كنافع ، وعاصم ، وأبي عمرو ، وشبههم ، هي السبعة ( الأحرف ) التي أباح النبي صلى الله عليه وسلم القراءة بها ، وقال : < أُنزل القرآن على سبعة أحرف ، فاقرأوا بما شئتم >(تفسير الطبري1/25 ، وفضائل القرآن 94/أ ، وسنن النسائي 2/باب الاستفتاح ) أو هي بعضها ، أو هي واحدة منها ؟ ) .
فالجواب عن ذلك أن هذه القراءات كلها التي يقرأ بها الناس اليوم ، وصحّت روايتها عن الأئمة ، إنما هي جزء من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن ، ووافق اللفظ بها خط المصحف ، مصحف عثمان ، الذي أجمع الصحابة ، فمَن بعدهم عليه ، واطُّرح ما سواه مما يخالف خطه ، فقرئ بذلك لموافقة الخط ، لا يخرج شيء منها عن خط المصاحف التي نسخها عثمان ـ رضي الله عنه ـ ، وبعث بها إلى الأمصار ، وجمع المسلمين عليها ، ومنع من القراءة بما خالف خطها ، وساعده على ذلك زهاء اثنى عشر ألفــًا من الصحابة والتابعين واتّبعه على ذلك جماعة المسلمين بعدهم ، وصارت القراءة عند جميع العلماء بما يخالفه بدعة وخطأ ، وإن صحت ورويت .
وكان المصحف قد كُتب على لغة قريش ، على حرف واحد ، ليزول الاختلاف بين المسلمين في القرآن ، ولم ينقط ولا ضبط فاحتمل التأويل لذلك .
وإذا كان المصحف بلا اختلاف كُتب على حرف واحد من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن ، وعلى لغة واحدة ، والقراءة التي يُقرأ بها ، لا يخرج شيء منها عن خط المصحف ، فليست هي إذًا هي السبعة الأحرف التي نزل بها القرآن كلها ، ولو كانت هي السبعة كلها ، وهي موافقة للمصحف ، لكان المصحف قد كُتب على سبع قراءات ، ولكان عثمان ـ رضي الله عنه ـ قد أبقى الاختلاف الذي كرهه .

وإنما جمع الناس على المصحف ليزول الاختلاف ، فصحّ من ذلك أن الذي يقرأ به الأئمة ، وكلّ ما صحّت روايته ، مما يوافق خط المصحف ، إنما هو كله حرف من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن ، وافق لفظها ، على اختلافه ، خطَّ المصحف ، وجازت القراءة بذلك إذ هو غير خارج عن خط المصاحف التي وجّه بها عثمان ـ رضي الله عنه ـ إلى الأمصار ، وجمعهم على ذلك ، وسقط العمل بما يخالف خط المصحف ، من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن ، بالإجماع على خط المصحف .
فالمصحف كتب على حرف واحد ، وخطه محتمل لأكثر من حرف ، إذ لم يكن منقوطـًا ولا مضبوطــًا ، فذلك الاحتمال الذي احتمل الخط هو من الستة الأحرف الباقية ، إذ لا يخلو أن يكون ما اختـُلف فيه من لفظ الحروف التي تخالف الخط ، إما هي مما أراد عثمان ـ رض الله عنه ـ ، أو مما لم يرده ، إذ كتب المصحف ، فلا بد أن يكون إنما أراد لفظـًا واحدًا ، أو حرفــًا واحدًا ، لكنا لا نعلم ذلك بعينه ، فجاز لنا أن نقرأ بما صحّت روايته ، مما يحتمله ذلك الخط ، لنتحرّى مراد عثمان ـ رضي الله عنه ـ ، ومن تبعه من الصحابة وغيرهم ، ولا شك أن ما زاد على لفظ واحد ، في كل حرف اختُلف فيه ، ليس مما أراد عثمان ـ رضي الله عنه ـ فالزيادة لا بد أن تكون من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن ، فإن لم تكن كذلك ، وقد صحّ أن عثمان ـ رضي الله عنه ـ لم يردها كلها ، إذ كتب المصحف ، إنما أراد حرفـا واحدًا ، فهي إذًا خارجة عن مراد عثمان ـ رضي الله عنه ـ وعن السبعة الأحرف ، والقراءة بما كان هكذا خطأ عظيم ، فمن قرأ القرآن بما ليس من الأحرف السبعة وبما لم يرد عثمان ـ رضي الله عنه ـ منها ، ولا مَن تبعه ، إذ كُتب المصحف ، فقد غيّر كتاب الله وبدّله ، ومن قصد إلى ذلك فقد غلط .
وقد أجمع المسلمون على قبول هذه القراءات التي لا تخالف المصحف ، ولو تركنا القراءة بما زاد على حرف واحد من الحروف لكان لقائل أن يقول : لعل الذي تركت هو الذي أراد عثمان ـ رضي الله عنه ـ ، فلا بد أن يكون ذلك من السبعة الأحرف التي نزل بها القرآن على ما قلنا .
فأما من ظنّ أن قراءة كل واحد من هؤلاء القراء كنافع ، وعاصم ، وأبي عمرو أحد الحروف السبعة ، التي نصّ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عليها ، فذلك منه غلط عظيم ، لأن فيه إبطالاً أن يكون ترك العمل بشيء من الأحرف السبعة ، وأن يكون عثمان ـ رضي الله عنه ـ ما أفاد فائدة ، بما صنع من حمل الناس على مصحف واحد وحرف واحد ، ويجب منه أن يكون ما لم يقرأ به هؤلاء السبعة متروكــًا ، إذ قد استولوا على السبعة الأحرف عنده ، فما خرج عن قراءتهم فليس من السبعة عنده .
ويجب من هذا القول أن تترك القراءة بما روي عن أئمة هؤلاء السبعة من التابعين والصحابة ، مما يوافق خط المصحف ، مما لم يقرأ به هؤلاء السبعة ، ويجب منه ألاّ تُروى قراءة عن عثمان فما فوق ، لأن هؤلاء السبعة ، عند معتقد هذا القول ، قد أحاطت قراءتهم بالأحرف السبعة .
وقد ذكر الناس من الأئمة في كتبهم أكثر من سبعين ، ممن هو أعلى رتبة وأجل قدرًا من هؤلاء السبعة ، على أنه قد ترك جماعة من العلماء ، في كتبهم في القراءات ، ذكر بعض هؤلاء السبعة ، واطّرحهم ، قد ترك أبو حاتم ، وغيره ذكر حمزة ، والكسائي ، وابن عامر ، وزاد نحو عشرين رجلاً من الأئمة ممن هو فوق هؤلاء السبعة ، وكذلك زاد الطبري ،في كتابه " القراءات " له ، على هؤلاء السبعة نحو خمسة عشر رجـلاً ، وكذلك فعل أبو عبيد ، وإسماعيل القاضي ، فكيف يجوز أن يظن ظان أن هؤلاء السبعة المتأخرين قراءة كل واحد منهم أحد الحروف السبعة ، التي نصّ عليها النبي صلى الله عليه وسلم ، هذا خطأ عظيم ، أكان ذلك بنصّ من النبي صلى الله عليه وسلم ، أم كيف ذلك ؟ ، وكيف يكون ذلك والكسائي إنما أُلحق بالسبعة بالأمس ، في أيام المأمون ، وغيره كان السابع ، وهو يعقوب الحضرمي ، فأثبت ابن مجاهد ، في سنة ثلاث مائة أو نحوها ، الكسائي في موضع يعقوب ، وكيف يكون ذ1لك والكسائي إنما قرأ على حمزة وغيره ، وإذا كانت قراءة حمزة أحد الحروف السبعة فكيف يخرج حرف آخر من الحروف السبعة ، وكذلك إلى وقتنا هذا .
وكذلك يلزم أن تكون قراءة كل واحد ، من أئمة حمزة ، أحد الحروف السبعة ، فتبلغ الحروف السبعة ، على هذا ، إلى أكثر من سبعة آلاف .
وكذلك أبو عمرو إنما قرأ على ابن كثير وغيره ، وقراءة ابن كثير عند هذا الظان ، أحد الحروف السبعة ، وقراءة أبي عمرو كذلك ، فيجب أن تكون قراءة من قرأ على أبي عمرو وغيره أحد الحروف السبعة .
وكذلك من قرأ عليه ابن كثير قراءته أحد الحروف السبعة ، لأنهم كلهم مختلفون في قراءتهم وروايتهم ، وهذا تناقض ظاهر ، وأيضــًا فإن هؤلاء السبعة ، قد روى كل واحد منهم عن جماعة ، لم يختص واحد بعينه ، وروى عنه جماعة ، فيجب أن تكون قراءة كل من روى عنه باختلاف أحد الحروف السبعة ، فيبلغ عدد الحروف السبعة إلى مالا يحصى .
فإما قول الناس : قرأ فلان بالأحرف السبعة فمعناه أن قراءة كل إمام تُسمى حرفــًا ، كما يقال : قرأ بحرف نافع ، وبحرف أبي ، وبحرف ابن مسعود ، وكذلك قراءة كل إمام تسمى حرفــًا ، فهي أكثر من سبعمائة حرف ، لو عدّدنا الأئمة الذين نقلت عنهم القراءة من الصحابة ، فمن بعدهم ، فليس المراد بقولك : قرأ فلان بالأحرف السبعة هي التي نصّ عليها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ هذا شيء لم يتأوله أحد ، ولا تعاطاه أحد ، ولا يُقدر على ذلك ، فحصل ، من جميع ما ذكرنا وبيّنا ، أنّ الذي في أيدينا من القرآن هو ما في مصحف عثمان ـ رضي الله عنه ـ الذي أجمع المسلمون عليه ، وأخذناه بإجماع يقطع على صحة مغيّبة وصدقه ، والذي في أيدينا من القراءات هو ما وافق خطّ ذلك المصحف من القراءات التي نزل بها القرآن ، فهو من الإجماع أيضــًا .
وسقط العمل بالقراءات التي تخالف خط المصحف ، فكأنها منسوخة بالإجماع على خط المصحف ، والنسخ للقرآن بالإجماع فيه اختلاف ، فلذلك تمادى بعض الناس على القراءة بما يخالف خط المصحف مما ثبت نقله ، وليس ذلك بجيد ، ولا بصواب ، لأن فيه مخالفة الجماعة ، وفيه أخذُ القرآن بأخبار الآحاد ، وذلك غير جائز عند أحد من الناس ، وهذا الباب يتسع الكلام فيه ، وفيما أشرنا إليه كفاية لمن فهمه .

نور العين
01-Dec-2004, 06:23 AM
ما السبب الذي أوجب أن يختلف القراء فيما يحتمله خط المصحف ، فقرأوا بألفاظ مختلفة في السمع ، والمعنى واحد نحو : جُذوة ، وجِذوة ، وجَذوة ، وقرأوا بألفاظ مختلفة في السمع وفي المعنى ، نحو : يسيركم ، وينشركم ، وكل ذلك لا يخالف الخط في رأي العين ؟

فالجواب عن ذلك أن الصحابة رضي الله عنهم كان قد تعارف بينهم ، من عهد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، ترك الإنكار على من خالفت قراءته قراءة الآخر ، لقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : < أُنزل القرآن على سبعة أحرف فاقرأوا بما شئتم > ، ولقوله : < نزل القرآن على سبعة أحرف كل شاف كاف > ، ولإنكاره ـ صلى الله عليه وسلم ـ على من تمارى في القرآن .
والأحاديث كثيرة سأذكر منها طرفــًا في آخر هذا الكتاب إن شاء الله ، فكان كل واحد منهم يقرا كما عُلّم ، وإن خالف قراءة صاحبه ، لقوله صلى الله عليه وسلم :< اقرأوا كما عُلّمتم >(السبعة في القراءات/47) .
وحديث عمر مع هشام بن حكيم مشهور ، إذ تخاصم معه إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في قراءة سمعه يقرأها ،فأنكرها عمر عليه ، وقاده إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ملبّبا بردائه ، فاستقرأ النبي صلى الله عليه وسلم كل واحد منهما ، فقال له : < أصبت > ، ثم قال : < إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرأوا بما شئتم >(البخاري " كتاب فضائل القرآن " ، ومسلم ك : " صلاة المسافرين " والموطأ ك : " القرآن " ، وسنن النسائي 2/ب : الاستفتاح ) .

فكانوا يقرأون بما تعلموا ، ولا ينكر أحد على أحد قراءته ، وكان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد وجّه بعضهم إلى البلدان ليعلّموا الناس القرآن والدين ، ولمّا مات النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ خرج جماعة من الصحابة ، في أيام أبي بكر وعمر إلى ما افُتتح من الأمصار ،ليعلّموا الناس القرآن والدين ، فعلّم كل واحد منهم أهل مصره على ما كان يقرأ على عهد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فاختلفت قراءة أهل الأمصار على نحو ما اختلفت قراءة الصحابة الذين علّموهم ، فلما كتب عثمان ـ رضي الله عنه ـ المصاحف ووجّهها إلى الأمصار وحملهم على ما فيها ، وأمرهم بترك ما خالفها ، قرأ أهل كل مصر مصحفهم الذي وُجّه إليهم على ما كانوا يقرأون قبل وصول المصحف إليهم ، مما يوافق خط المصحف الذي وُجّه إليهم ، وتركوا من قراءتهم التي كانوا عليها مما يخالف خط المصحف ، فاختلفت قراءة أهل الأمصار لذلك بما لا يخالف الخط ، وسقط من قراءتهم كلهم ما يخالف الخط ، ونقل ذلك الآخرُ عن الأول في كل مصر ، فاختلف النقل لذلك ، حتى وصل النقل إلى هؤلاء الأئمة السبعة على ذلك ، فاختلفوا فيما نقلوا على حسب اختلاف أهل الأمصار ، لم يخرج واحد منهم عن خط المصحف فيما نقل ،كما لم يخرج واحد من أهل الأمصار عن خط المصحف الذي وُجّه إليهم ، فلهذه العلة اختلفت رواية القراء فيما نقلوا ، واختلفت أيضــًا قراءة من نقلوا عنه لذلك ، واحتاج كل واحد من هؤلاء القراء أن يأخذ مما قرأ ويترك ، فقد قال نافع : قرأت على سبعين من التابعين ، فما اجتمع عليه اثنان أخذته وما شذّ فيه واحد تركته ، حتى ألّقت هذه القراءة .
وقد قرأ الكسائي على حمزة ، وعنه أخذ القراءة ،وهو يخالفه في نحو ثلاث مائة حرف ، لأنه قرأ على غيره ، فاختار من قراءة حمزة ، ومن قراءة غيره قراءة ، وترك منها كثيرا .
وكذلك أبو عمر قرأ على ابن كثير ، وهو يخالفه في أكثر من ثلاث آلاف حرف ، لأنه قرأ على غيره ، فاختار من قراءته ، ومن قراءة غيره قراءة ، فهذا سبب الاختلاف الذي سألت عنه .



فما الذي يُقبل من القراءات الآن فيُقرأ به ، وما الذي لا يُقبل ولا يقرأ به ، وما الذي يقبل ولا يقرأ به ؟

فالجواب أن جميع ما روي من القراءات على ثلاث أقسام : قسم يقرأ به اليوم ، وذلك ما اجتمع فيه ثلاث خلال ، وهي أن ينقل عن الثقات إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويكون وجهه في العربية التي نزل بها القرآن شائعـًا ، ويكون موافقــًا لخط المصحف ، فإذا اجتمعت فيه هذه الخلال الثلاث قرئ به وقطع على مغيبه وصحته وصدقه ، لأنه أخذ عن إجماع من جهة موافقته لخط المصحف ، وكفرَ من جحده .
والقسم الثاني ما صح نقله عن الآحاد ، وصح وجهه في العربية ، وخالف لفظه خط المصحف ، فهذا يقبل ، ولا يقرأ به لعلتين : إحداهم : أنه لم يوجد بإجماع ، إنما أُخذ بأخبار الآحاد ، ولا يثبت قرآن يُقرأ به بخبر الواحد ، والعلة الثانية أنه مخالف لما قد أُجمع عليه ، فلا يقطع على مغيّبه وصحته ، وما لم يقطع على صحته لا تجوز القراءة به ، ولا يكفر من حجده ، وبئسما صنع إذ جحده .
والقسم الثالث : هو ما نقله غير ثقة ، أو نقله ثقة ولا وجه له في العربية ، فهذا لا يُقبل ، وإن وافق خط المصحف ، ولكل صنف من هذه الأقسام تمثيل ، تركنا ذكره اختصارا .

وقد قال الطبري في كتاب " البيان " : لا قراءة اليوم للمسلمين إلاّ بالحرف الواحد الذي اختاره لهم إمامهم الشفيق ، عليهم الناصح لهم دون ما عداه من الأحرف السبعة ، وقد ذكرنا هذا من مذهبه ، وقد ألّف هو كتابه في القراءات ، فذكر فيه اختلاف نحو عشرين من الأئمة من الصحابة والتابعين ومَن دونهم ، فنقض مذهبه بذلك ، وقد قال في كتاب القراءات له كلامـًا نقض أيضـًا به مذهبه ، قال : كل ما صح عندنا من القراءات أنه علّمه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأمته من الأحرف السبعة التي أَذِنَ الله له ولهم أن يقرأوا بها القرآن ، فليس لنا اليوم أن نخطّيء من قرأ به إذا كان ذلك موافقـًا لخط المصحف ، فإن كان مخالفـًا لخط المصحف لم نقرأ به ووقفنا عنه وعن الكلام فيه ، فهذا إقرار منه أن ما وافق خط المصحف ، مما اخُتلف فيه ، فهو من الأحرف السبعة ، على مثل ما ذهبنا إليه ، وقد تقدّم من قوله إن جميع ما خُتلف فيه مما يوافق خط المصحف فهو حرف واحد ، وإن الأحف الستة ترك العمل بها ، وهذا مذهب متناقض .
وقد قال إسماعيل القاضي في كتاب القراءات له : إن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنهه ـ قرأ : غير المغضوب عليهم وغير الضالين . قال : وهذا والله أعلم ، على ما جاء أن القرآن أنزل على سبعة أحرف ، ثم قال إسماعيل : وليس ينبغي لأحد اليوم أن يتعمد القراءة بهذا وما أشبهه ، يريد مما يخالف خط المصحف ، قال إسماعيل : لأن هذا وإن كان في الأصل جائزًا فإنه إذا فعل ذلك رغب عن اختيار أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حين اختاروا أن يجمعوا الناس على مصحف واحد مخافة أن يطول بالناس زمان ، فيختلفوا في القرآن ، ثم قال إسماعيل : فإذا اختار الإنسان أن يقرأ ببعض القراءات التي رويت ، مما يخالف خط المصحف صار إلى أن يأخذ القراءة برواية واحد عن واحد وترك ما نقلته الجماعة ، الذين هم حجة على الناس كلهم ، يعني خط المصحف ، قال إسماعيل : وكذلك ما روي من قراءة ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ وغيره ، ليس ينبغي لأحد أن يقرأ اليوم به ، يعني مما يُخالف خط المصحف من ذلك ، قال إسماعيل : لأن الناس لا يعلمون أنها قراءة عبد الله ، وإنما هي شيء يرويه بعض من يحمل الحديث ، يعني أن ما خالف خط المصحف من القراءات فإنما يؤخذ بأخبار الآحاد ، وما وافق خط المصحف " منها فهو يقين بالإجماع على المصحف ، قال إسماعيل : فلا يجوز أن يعدل عن اليقين إلى ما لا يعرف بعينه ، يعني أنه لا يجوز أن يعدل عما وافق خط المصحف " الذي هو يقين ، إلى ما يخالف خطه بما لا يقطع على صحته ، قال إسماعيل : فإن جرى شيء من ذلك على لسان الإنسان من غير أن يقصد له كان له في ذلك سعة إذا لم يكن معناه يخالف معنى خط المصحف المجمع عليه ، ويدخل ذلك في معنى ما جاء : أن القرآن أُنزل على سبعة أحرف .
قلت : فهذا كله ، من قول إسماعيل ، يدل على أن القراءات التي وافقت خط المصحف هي من السبعة الأحرف كما ذكرنا ، وما خالف خط المصحف أيضـًا هو من السبعة إذا صحت روايته ، ووجهه في العربية ، ولم يضادّ معنى خط المصحف ؛ لكن لا يقرأ به إذ لا يأتي إلا بخبر الآحاد ، ولا يثبت قرآن بخبر الآحاد ، وإذ هو مخالف للمصحف المجمع عليه ، فهذا الذي نقول به ، ونعتقده ، وقد بيّناه كله .

هل جمع حفظ القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم أحد من الصحابة ، فتقوى بذلك الأنفس فيما يقرءونه اليوم ؟
فالجواب أنه قد اختلف الناس فيمن جمع القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال جماعة : إن النبي صلى الله عليه وسلم توفي ولم يجمع القرآن إلا أربعة : أبيّ بن كعب ، ومعاذ بن جبل ، وزيد ابن ثابت ، وقيل : إن معهم عثمان وتميمـًا الداري ، وقيل ، عثمان وأبو الدرداء ، وروى ابن عيينة أن الشعبي قال لم يجمع القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلا ستة ، كلهم من الأنصار ، أبيّ ومعاذ وأبو الدرداء وسعد بن عبيد القاري وأبو زيد وزيد ، وليس بزيد بن ثابت ، وقال غيره : وزيد بن ثابت ، قال الشعبي : غلب زيد بن ثابت الناس بالقرآن والفرائض ، قال أنس : جمع القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم أربعة من الأنصار : أبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد قيل لأنس : من أبو زيد ؟ قال : بعض عمومتي .

نور العين
01-Dec-2004, 06:24 AM
التفسير و المفسرون


التفسير والتأويل
تفاوتت أنظار العلماء واختلفت في بيان معنى مصطلحي التفسير والتأويل، وبيان الفرق بينهما. ولا ندعي - في هذا المقال - أننا يمكن أن نحيط بهذا الخلاف أو نحسمه، بل كل ما نهدف إليه، أن نُجْمِلَ القول في هذه المسألة ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً، فُنعرِّف بداية بمعنى التفسير والتأويل لغة واصطلاحاً، ونحاول تلمُّس الفرق بينهما.

أما التفسير لغة فمعناه الإيضاح والتبيين، من ذلك قوله تعالى: {وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً} (الفرقان:33) أي كلما جاءك المشركون بمَثَلٍ لبيان معنى ما، جئناك بمَثَلٍ من عندنا، أحسن تبياناً وأدق تفصيلاً. والتفسير بهذا المعنى مأخوذ من الفَسْر، وهو الإبانة والكشف، تقول: فَسَر الأمرُ، أي انكشف واتضح.

أما من حيث الاصطلاح فالتفسير معناه، العلم الذي يبحث عن مراد الله سبحانه من كلامه في كتابه، مع بذل الجهد والوِسْع في تحصيل ذلك العلم. والتفسير بهذا المعنى شامل لكل ما يتوقف عليه فهم المعنى، وبيان المراد منه.

أما التأويل لغة، فهو مأخوذ من الأَوْلِ، وهو الرجوع، تقول: آلَ إليه الأمر، أي رجع الأمر إليه، واستقر لديه.

والجدير بالذكر، أن لفظ التأويل في القرآن الكريم ورد على معان عدَّة - كشأن القرآن دائماً مع كثير من الألفاظ - فقد ورد لفظ التأويل بمعنى التفسير والبيان، ومنه قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَه إلاَّ الله والراسخون في العلم} (آل عمران:7) أي وما يعلم تفسيره وبيان المراد منه إلا الله والراسخون في العلم، وهذا على قراءة من وصل، ولم يقف على قوله تعالى: {إلا الله} .

ويأتي التأويل بمعنى العاقبة والمصير، ومنه قوله تعالى: {ذلك خير وأحسن تأويلاً} أي أحسن عاقبة ومصيراً.

ويأتي بمعنى التحقق والوقوع، ومنه قوله تعالى: {هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تَأْوِيلُهُ} (الأعراف:53) أي هل ينتظرون تحقق وقوع ما وعد به القرآن، وما أخبر به من عواقب وأحداث.

وجاء التأويل أيضاً بمعنى تعبير الرؤيا، ومنه قوله تعالى: {وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الاَّحَادِيثِ} (يوسف:6).

والذي يتحصل من معاني التأويل في القرآن أنه يرجع إلى أمرين اثنين: أحدهما التفسير والتعيين، والآخر: العاقبة والمآل، فعاقبة الأمر امتثاله، وعاقبة الخبر حصوله ووقوعه.

أما التأويل اصطلاحاً، فله معنيان:
الأول: تفسير الكلام وبيان معناه، فالتأويل على هذا مرادف لمعنى التفسير. وهذا المعنى للتأويل هو الذي ذهب إليه السلف من أهل العلم، حيث اعتبروا التفسير والتأويل بمعنى واحد، دون فرق بينهما.
الثاني: صرف اللفظ عن ظاهره لدليل يستدعي ذلك الصرف. وهذا المعنى للتأويل حادث، لا يعرفه أهل اللغة، لكن استقر عليه المتأخرون من أهل العلم.

وحقيقة الأمر أنه إذا كان صرف اللفظ عن ظاهره لدليل صحيح، فهذا لا يسمى تأويلاً بل تفسيراً يعود للمعنى الأول، ومن أمثلة ذلك، قوله تعالى: {أتى أمر الله فلا تستعجلوه} (النحل:1) فاللفظ في الآية ليس على ظاهره؛ لأن أمر الله لم يأت بعد، بل هو آتٍ، والدليل الصارف لهذا الظاهر هو قوله تعالى: {فلا تستعجلوه} .

أما إن كان صَرْف اللفظ عن ظاهره لغير دليل، فهذا لا يُسمى تأويلاً بل تحريفاً للكلام عن مواضعه، وهو الذي ذمَّ الشرع الحنيف فاعله، وتوعده بأشد العقاب، كما أخبر الله عن ذلك بحق اليهود بقوله: {فبما نقضهم ميثاقهم لعنهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكَلِمَ عن مواضعه} (المائدة:13) أي إن من جملة أسباب لَعْنِهم، تحريفهم الكلم عن مواضعه، بالتغيير والتبديل والتأويل بغير مراد الله سبحانه.

وهناك أقوال أخرى في بيان الفارق بين التفسير والتأويل، أعرضنا عنها خشية الإطالة، فليس هذا مقام تفصيلها والخوض فيها، وفيما ذكرناه غُنية - فيما نحسب - عما لم نذكره، فنسأل الله الخير لنا ولك - أخي الكريم - وأن ينفعنا بما علمنا ويعلمنا ما ينفعنا، والله الموفق لكل خير، وهو الهادي إلى الحق وإلى طريق مستقيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

نور العين
01-Dec-2004, 06:25 AM
التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي

لا ندعي جديداً إذا قلنا إن القرآن الكريم هو الكتاب الوحيد الذي نال من العناية والاهتمام والدراسة ما لم ينله كتاب آخر، سواء أكان كتاباً سماوياً أم مما كتب الناس.

ولا عجب في ذلك، فهو كتاب رب العالمين، وهو للناس أجمعين، ختم به سبحانه كتبه السماوية، وتكفل بحفظه من أي تبديل أو تحريف، إلى أن وصل إلينا كما نزل على قلب خير المرسلين عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.

وقد اهتم علماء المسلمين بهذا الكتاب الكريم غاية الاهتمام، وأولوه من العناية أشدها، وذلك بغية الكشف عن معانيه ومراميه، وبيان مقاصده وأحكامه.
واختلفت مناهج المفسرين في تفسير كتاب الله، وظهر هناك منهجان - وإن شئت قل اتجاهان - في ذلك؛ المنهج الأول سُمي التفسير بالمأثور، والمنهج الثاني التفسير بالرأي أو المعقول.

وكانت لكل منهج من هذين المنهجين ملامح خاصة، تميزه عن المنهج الآخر. وفي ثنايا مقالنا التالي نحاول التعرف على ملامح وسمات كل منهج من هذين المنهجين.

أولاً: التفسير بالمأثور
يُقصد بهذا المصطلح، تفسير القرآن اعتماداً على ما جاء في القرآن نفسه من البيان والتفصيل لبعض آياته، وما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، وما نقل عن الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين.

ومن أمثلة التفسير بالمأثور، تفسير قوله تعالى: {صراط الذين أنعمت عليهم} فقد فُسِّر المُنْعَمُ عليهم بقوله تعالى: {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين} (النساء:69) وهذا من باب تفسير القرآن بالقرآن.

ومن الأمثلة أيضاً، تفسير قوله تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة} فقد فُسرت (القوة) في الآية بما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: ( ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي) ثلاث مرات، والحديث رواه مسلم ، وهذا من باب تفسير القرآن بالسنة.

ومن أمثلة تفسير الصحابة، تفسير ابن عباس لقوله تعالى: {إذا جاء نصر الله والفتح} حيث فسر هذه الآية باقتراب أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما ثبت في البخاري.

وقد رُويت عن التابعين في التفسير روايات كثيرة، ولا سيما ما رُوي عن تلاميذ ابن عباس رضي الله عنه، كمجاهد وعكرمة وعطاء وغيرهم. وكتب التفاسير غنية بأمثلة هذا النوع من التفسير.

ويلاحظ على هذا المنهج من التفسير - عموماً - أنه يعتمد على الرواية الثابتة في تفسير القرآن الكريم، سواء أكانت تلك الرواية نصاً من القرآن أو السنة، أم قولاً لصحابي أو تابعي.

ومن أشهر كتب التفسير بالمأثور نذكر الكتب التالية:
- جامع البيان في تفسير القرآن، ومؤلِّفه الإمام الطبري، وقد اشتهر هذا التفسير باسم تفسير الطبري.
- المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، ومؤلِّفه ابن عطية، وهذا الكتاب تولت وزارة الأوقاف في قطر الإشراف على طبعه، ووضعه بين أيدي أهل العلم.
- تفسير القرآن العظيم، ومؤلِّفه ابن كثير، وهو من التفاسير المشهورة بين الناس، والمتلقاة بالقبول عند عامة المسلمين وخاصتهم.

ثانياً: التفسير بالرأي
يُقصد بهذا المنهج، تفسير القرآن بالاجتهاد بعد معرفة المفسر لكلام العرب وأساليبهم في القول، ثم معرفته للألفاظ العربية، ووجوه دلالتها، ومعرفته بأسباب النزول والناسخ والمنسوخ.

وللعلماء في اعتماد هذا المنهج في التفسير موقفان، الأول يرى عدم جواز تفسير القرآن بالرأي، والثاني يرى جواز التفسير بالرأي عن طريق الاجتهاد.

والمتأمل في حقيقة هذا الخلاف يرى أنه خلاف لفظي لا حقيقي، وبيان ذلك أن الرأي لا يُذم بإطلاق، فهناك رأي محمود، وهو ما استند إلى دليل معتبر، وهذا النوع من الرأي لا خلاف في قبوله بين أهل العلم. وهناك رأي مذموم، وهو ما استند إلى الهوى، ولم يكن له ما يؤيده ويسدده من العقل أو الشرع.

ولا شك أن الذين قالوا بجواز تفسير القرآن بالرأي لم يقصدوا تفسير القرآن بمطلق الرأي، وإنما قيدوه بالرأي المعتبر والمستند إلى الدليل، ولم يعتبروا أو يلتفتوا إلى الرأي المستند إلى الهوى. وبهذا يؤول الخلاف في هذه المسألة إلى خلاف لفظي ليس إلا.

ونقتصر في هذا المقام على مثال واحد لهذا النوع من التفسير، وهو ما أورده الإمام الرازي عند تفسير قوله تعالى: {من كان يرد الحياة الدنيا} (هود:15) قال: يندرج فيه المؤمن والكافر والصديق والزنديق؛ لأن كل أحد يريد التمتع بلذات الدنيا وطيباتها، والانتفاع بخيراتها وشهواتها، ثم قال: إلا أن آخر الآية يدل على أن المراد هو الكافر، لأن قوله تعالى بعدُ: {أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار} (هود:16) لا يليق إلا بالكفار، وواضح أن هذا التفسير للآية يعتمد على إعمال الرأي الذي يسنده الدليل ويسدده.

ومن أهم كتب التفسير بالرأي نذكر ما يأتي:
- البحر المحيط، ومؤلفه أبو حيان الأندلسي الغرناطي.
- روح المعاني، ومؤلَّفه الألوسي.

نسأل الله أن يفقهنا في كتابه الكريم، وأن يجعلنا من المتمسكين بهديه إلى يوم الدين، وأن يلهمنا رشدنا في الأمر كله، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على خاتم الأنبياء والمرسلين.

نور العين
01-Dec-2004, 06:25 AM
التفسير والمفسرون

لاشك أن أحقَّ ما يُتعلَّم كتاب الله تعالى، وأجدرَ ما توجه إليه الهمم كلام رب العالمين، الذي {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنـزيل من حكيم حميد} (فُصِّلت)؛ لأجل هذا وجدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو لـ ابن عباس رضي الله عنه بقوله: (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل) رواه أحمد وابن حبان.

وقد أولى السلف رضي الله عنهم اهتماماً بتفسير القرآن، وكان حرصهم على معرفة معانيه قدر حرصهم على تلاوته وحفظه. وقد أخبرنا ابن مسعود رضي الله عنه عن ذلك بقوله: " كان الرجل منا إذا تعلَّم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن".

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أيضاً قال: " والذي لا إله غيره، ما نزلت آية في كتاب الله إلا وأنا أعلم فيما نزلت وأين نزلت، ولو أعلم مكان أحد أعلم بكتاب الله مني تناله المطايا لأتيته".

وقد أجمع العلماء على أن تفسير القرآن الكريم من فروض الكفايات على مجموع الأمة، إذا قام به من يكفي سقط عن الآخرين، وإلا أثم الجميع، قال ابن كثير رحمة الله: " الواجب على العلماء الكشف عن معاني كلام الله وتفسير ذلك، وطلبه من مظانه، وتعلم ذلك وتعلميه، كما قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ} (آل عمران:187).

وقد نص العلماء على جملة من الآداب التي ينبغي على المفسر لكتاب الله أن يلتزم بها، وعلى رأس تلك الآداب، الإخلاص لله وصحة النية، ومن ثَمَّ الامتثال والعمل بأوامر القرآن ونواهيه، والتخلق بأخلاقه، إضافة إلى تحري الصدق والضبط فيما ينقله من أقوال وتفاسير، مع ملاحظة أن أولى ما يُفسر به كلام الله ما فسره القرآن نفسه، أو بيَّنه رسول الله r، ومن ثَمَّ يأتي تفسير الصحابة والتابعين من بعدهم.

ثم إن على المفسر أن يتحرى في تفسيره الأقوال الصحيحة، والأحاديث الثابتة، وألا يعتمد على الأخبار الإسرائيلية، أو التفاسير الغريبة والممجوجة، وعليه ألا يتكلف في حمل آية على معنى لا تحتمله، أو يصرف آية إلى مالا يقتضيه ظاهرها، ونحو ذلك من التأويلات والتفسيرات التي لا تليق بكتاب الله الكريم.

وحاصل القول هنا، إنه ليس للمفسر أن يفسر كلام الله تفسير خبط عشواء، أو استناداً إلى الأهواء والميول والشهوات، بل لا بد له من منهج صحيح وواضح يسير عليه، حتى يكون تفسيره وفق الصورة المرضية والمقبولة.

ومن المناسب في مقامنا هذا أن نذكر أهم المفسرين، وأهم أسماء كتب التفاسير، تعميماً للفائدة.

أما بشأن الأمر الأول، فنذكر من أشهر مفسري الصحابة عبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود، وأُبي بن كعب، ومن التابعين مجاهد وعطاء بن أبي رباح، وسعيد بن جبير، ومن بعدهم الإمام الطبري والإمام القرطبي وابن كثير، ومن أشهر المفسرين المعاصرين العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله.

أما بشأن الأمر الثاني فنذكر التفاسير التالية:
- تفسير الطبري
- تفسير القرطبي
- تفسير ابن كثير
- تفسير السعدي، المسمى " تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان"

وختاماً نقول: إن على المسلم أن يكون على علم بكتاب الله تعالى وأحكامه، ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، وليس المطلوب منه أن يكون على علم تفصيلي بتفسير آيات القرآن، كشأن أهل العلم والتخصص، بل يكفيه من ذلك أن يكون على علم إجمالي بالقرآن، ومعرفة بآيات الأحكام التي يترتب عليها مسائل عملية تخصه.

فاحرص - أخي الكريم رعاك الله - على أن تُحَصِّل ثقافة تفسيرية، تؤهِّلك لفهم كتاب، واستعن بالله ولا تعجز، والله الموفِّق والهادي إلى سواء السبيل، والحمد لله أولاً وآخراً.

نور العين
01-Dec-2004, 06:30 AM
أبي بن كعب - أقرأ الأمة للقرآن
منزلة عالية أن يذكر الإنسان عند مسئوول ، ومرتبة فاضلة أن يرجع إليه في خيرما ، ولكن ترى ما هي هذه المنزلة التي ينالها الإنسان إن ذكر في الملأ الأعلى ؟ وما هي المرتبة التي يكون بها صاحبها مرجعـًا في القرآن ؟
نعم إن صاحب هذه الترجمة خص ، بأن تقرأ عليه سورة البينة ، ولكن الآمر من بالقراءة ؟ إنه الله رب العالمين ، ومن المأمور بالقراءة ؟ إنه الرسول صلى الله عليه وسلم .
أتعلم أخي القارئ أن صاحب هذه الترجمة كان أقرأ هذه الأمة للقرآن ؟
وهل تعلم أنه أحد الأربعة الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤخذ منهم القرآن ؟
وهل تعلم أنه أول إمام جمع عمر المسلمين خلفه لصلاة التراويح في المدينة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم في خلافة عمر ؟
وهل تعلم أنه خص بأن تقرأ عليه سورة البينة ؟
وهل تعلم أن اسمه ذكر في الملأ الأعلى ؟
وهل تعلم أنه من أهل بيعة العقبة الأولى ؟
وأخيرًا وليس آخرًا هل تعلم أنه أحد المفسرين للقرآن من الصحابة ؟
فمن يا ترى هذ1 الرجل ؟
إنه أبي بن كعب .. أقرأ الأمة للقرآن .
نسبه :

هو أبو المنذر أبي بن كعب بن قيس من بني النجار الأنصاري البدري القارئ .

إسلامه :

نشأ أبو المنذر رضي الله عنه في ديار يثرب غاضبـًا على حياة قومه ، معترضـًا على دينها ، متاملاً في الكون من حوله ، وعلى الرغم من وجود اليهود في المدينة آنذاك ، إلا أن ما وقع في يده من وريقاتها لم يشف غليله ، ولم يرو عطشه ، ولم تهد حيرته ، ولم تشبع نهمه ، وكان أبي رضي الله عنه يتأمل في الكون من حوله ليلاً ونهارًا ، وفي إحدى الليالي خرج رضي الله عنه يطوف بديار المدينة فسمع حوارًا في دار سعد بن الربيع فسمع بأذنه كلاما عن الإسلام و نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم، وعلم أن مصعب بن عمير أتى سفيرا ليعلم الناس الإسلام فما إن سمع الحوار حتى طرق الباب على سعد رضي الله عنه وأعلن إسلامه ليحظى رضي الله عنه بالسفر إلى مكة ليشهد بيعة العقبة الأولى .

جهاده :

ما إن هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة حتى كان أبيٌ ملازمـًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فاشترك في بناء المسجد ثم كانت غزوة بدرٍ فكان من أهلها ولم يتخلف عن غزوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قط ، بل حضر المشاهد كلها .

أبي والقرآن :

نال أبي رضي الله عنه شرفـًا ربما لم ينله غيره من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن ذلك أمر الله لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يقرأ عليه سورة البينة ، ففي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي : < إن الله عز وجل أمرني أن أقرأ عليك : ( لم يكن الذين كفروا )(البينة/1) قال : وسماني لك ؟ قال نعم فبكى >( متفق عليه ) .

وكان حريـًا رضي الله عنه أن يؤمر الرسول صلى الله عليه وسلم بعرض القرآن عليه وفي ذلك يقول أبي رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : <إني أمرت أن أعرض عليك القرآن فقال أبي رضي الله عنه : بالله آمنت وعلى يديك أسلمت ومنك تعلمت ، قال : فرد الرسول صلى الله عليه وسلم القول ، فقال يا رسول الله وذكرت هناك ؟ قال : نعم باسمك ونسبك في الملأ الأعلى ، قال : اقرأ إذًا يا رسول الله>(الترمذي) .

< ولما سئل رضي الله عنه فرحت بذلك؟ قال : وما يمنعني وهو تعالى يقول :

( قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا )(يونس/58) >(رواه أحمد ) .

وفي هذا دلالة على أن القرآن إنما الأصل في أخذه التلقي على يد شيخ ، لهذا كان جديرًا لأن يسأل عنه النبي صلى الله عليه وسلم إذا لبس عليه في صلاته ، فلما صلى النبي صلى الله عليه وسلم يومـًا فلبس عليه في القرآن ، فلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم من صلاته قال لأبي :< أصليت معنا ؟ قال : نعم قال : فما منعك ؟ >(أبو داود ) . أي ما منعك من الرد .

li ولقد كان فقه أبي بالقرآن يظهر على لسانه ومن ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله يومـًا عن أي أية في القرآن أعظم فقال أبي : ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم )(البقرة/255) فضرب النبي صلى الله عليه وسلم على صدره وقال: ليهنك العلم أبالمنـْـذر>(مسلم) .

ولم يكن بالمستغرب كذلك أن يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأخذ القرآن عنه فإنه جدير بهذه المنزلة ،ولم لا ؟وهو من أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقرا عليه القرآن وفي الحديث < خذوا القرآن من أربعة : من عبد الله بن مسعود ، وسالم ، ومعاذ ، وأبي بن كعب >(البخاري) .

وكيف لا يكون الأمر كذلك وهو أقرأ هذه الأمة بالقرآن بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال : < أرحم أمتي بأمتي أبو بكر وأشدهم في دين الله عمر ، وأصدقهم حياء عثمان، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل ، وأقرضهم زيد بن ثابت وأقرؤهم أبي بن كعب >(الترمذي ) .

ومن ثم فطن عمر رضي الله عنه لهذا فجمع الناس في صلاة التراويح على أبي رضي الله عنه ، فكان لذلك أهلاً ،فقد كان أقرأ الناس إلى جانب كونه طيب الصوت حسن الأداء .

مكانته في التفسير :

يعد أبي رضي الله عنه من أكثر الصحابة تفسيرًا لكتاب الله تعالى ويرجع ذلك إلى عدة أمور منها :
1- دعاء النبي صلى الله عليه وسلم حين قال له : < ليهنك العلم أبا المنذر >(مسلم) .
2- أنه رضي الله عنه كان من كتّاب الوحي مما جعله عالمـًا بأسباب النزول والناسخ والمنسوخ .
3- أنه كان قبل إسلامه حبرًا من أحبار اليهود العارفين بأسرار الكتب القديمة ، وما ورد فيها .

من تفسيره ـ رضي الله عنه ـ :
1 - في وقوله تعالى : ( ومن كفر فأمتعه قليلاً ثم أضطره إلى عذاب النار)(البقرة/126) قال أبي : هو قول الرب تعالى ذكره ..
2 - وفي قوله تعالى : ( كان الناس أمة واحدة )(البقرة/212) قال أبي : كانوا أمة واحدة حيث عرضوا على آدم ففطرهم يومئذ على الإسلام وأقروا له بالعبودية وكانوا أمة واحدة مسلمين كلهم ، ثم اختلفوا من بعد آدم ، فكان أبي يقرأ كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين ) إلى ( فيما اختلفوا فيه ) وإن الله إنما بعث الرسل وأنزل الكتب عند الإختلاف .
3 - وفي قوله تعالى : ( قل ما يعبؤا بكم ربي لولا دعاءكم فقد كذبتم فسوف يكونوا لزامـًا )(الفرقان/77) قال أبي : وهو القتل يوم بدر .

الرواية عن أبي ـ رضي الله عنه ـ :
1- طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبيٌ ، وهذا طريق صحيحة .
2- طريق وكيع عن سفيان عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن الطفيل ابن أبي بن كعب عن أبيه ، وهذه يخرج منها الإمام أحمد في مسنده .

وفاته رضي الله عنه :
عاش أبو المنذر رضي الله عنه حياته مريضـًا بالحمى وذلك أنه سأل الرسول صلى الله عليه وسلم جزاء الحمَّى ؟ قال تجرى الحسنات على صاحبها ما اختلج عليه قدم أو ضرب عليه عرق فقال أبي : اللهم إني أسألك حـمّى لا تمنعني خروجـًا في سبيلك ، ولا خروجـًا إلى بيتك ولا مسجد نبيك ، فلم يمس أبي إلا وبه حـمّى .(أحمد وأبو يعلى)
واختُلف في وفاته رضي الله عنه فقيل سنة اثنتين وعشرين والأصح أنها في اثنتين وثلاثين في خلافة عثمان رضي الله عنه ، ولما مات رضي الله عنه قال ابن ضمرة قال : رأيت أهل المدينة يموجون في سككهم فقلت ما شأن هؤلاء ؟ فقال بعضهم : ما أنت بأهل البلد ؟ قلت : لا قال : فإنه قد مات اليوم سيد المسلمين ، أبي بن كعب .

المراجع :
1 - سير أعلام النبلاء : جـ1" الذهبي " .
2 - صفة الصفوة : جـ1" ابن الجوزي " .
3 - الإصابة في تميز الصحابة : جـ1 " ابن الأثير " .
4 - التفسير والمفسرون : " د. محمد حسين الذهبي "
5 - الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفاسير : " د. محمد أبو شهبة " .
6 - صور من سير الصحابة : " عبد الحميد السحيباني " .
7 - تفسير الطبري المسمى " جامع البيان في تأويل القرآن " للإمام الطبري .

نور العين
01-Dec-2004, 06:31 AM
عطاء بن أبي رباح - شيخ الإسلام ومفتي الحرم

علو الهمة صفة ملازمة العلماء هذه الأمة ، وقد قالوا : رجل ذو همة يحيي أمة ، وعلو الهمة لا يحتاج إلى جمال منظر ، وحسن هيئة ، وبهاء طلعة ، ووفرة مال ، أو حتى عظيم نسب ، بيد أنه يحتاج إلى إخلاص نية ، وحسن طوية ، وصدق عزيمة ، وتوكل على الله .
وهل يظن أحد أن رجلاً كما جاء في وصفه أنه أسود ، أفطس ، أشل ، أعرج ، أعور ، ثم عمي ، ومع هذا كله يسود الناس ؟
إن صاحب هذه الترجمة كان بهذا الوصف ، ووالله ما افترينا عليه ، بل كل من ذكروه ، وحدثوا بمناقبه ذكروه هكذا ، وما حالت هذه الصفات بين صاحبنا وبين علو الهمة ، فكان في بداية عهده وهو عبد يقسم يومه ثلاثـًا ، قسم لسيدته ، وقسم لعبادة ربه ، وقسم لطلب العلم ، فلما طلب العلم وأخلص فيه رفع به ، وقديمـًا قال الشاعر :

العلم يرفع بيوتـًا لا عماد لها والجهل يهدم بيت العز والكرم

هل تصدق أخي القارئ أن صاحب هذه الترجمة احتاج الناس إلى علمه وفقه على درجة أنه كان ينادي في موسم الحج لا يفتى الناس إلا هو وإلى درجة أن أمير المؤمنين وقتها وخليفة المسلمين يجلس خلفه في موسم الحج وصاحبنا متجه إلى القبلة والخليفة يسأل وقد أعطى للخليفة ظهره ، وقد اتجه بقلبه ووجهه إلى مولاه ؟
إنه عطاء بن أبي رباح .. شيخ الإسلام ، ومفتي الحرم .

نسبه :
هو أبو محمد عطاء بن أبي رباح واسم أبي رباح أسلم، يمني الأصل من بلدة تسمى الجند والتي نزلها الصحابي معاذ بن جبل رضي الله عنه مبعوث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولد في خلافة عثمان رضي الله عنه سنة سبع وعشرين للهجرة .

نشأته :
نشأ عطاء في مكة عبدًا مملوكـًا لامرأة من أهل مكة وكان عطاء أسود أعور، أفطس، أعرج أشل، وضربت يده أيام ابن الزبير، ثم عمي بعد ذلك، لكن هذه الهيئة وتلكم الصورة لم تكن مانعـًا لأن يتصدر عطاء الناس بعد ذلك، فيهش له الملوك والأمراء، وينزل على رأيه المفتون والعلماء، ولقد نشأ ـ رحمه الله ـ محبـًا للعلم، ولم يمنعه كذلك رقه من طلب العلم، فقسم وقته ثلاثـًا، قسم جعله لسيدته، وقسم يفرغ فيه لعبادة ربه، وقسم جعله لطلب العلم، ولما رأت سيدته حرصه على طلب العلم، وتعلقه بمن بقى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أعتقته لوجه الله تعالى، فاتخذ عطاء بيت الله الحرام مقامـًا له، فجعله دارًا يأوي إليه، ومدرسة يتعلم فيها، ومصلاه الذي يتقرب فيه إلى الله تعالى حتى قيل كان المسجد فراشه نحوًا من عشرين عامـًا .

من لقيهم من الصحابة :
حدث عطاء عن نفر غير قليل من الصحابة، وحدث هو عن نفسه فقال أدركت مائتين من الصحابة، منهم عائشة، وأم سلمة، وأم هانئ، وأبي هريرة، وابن عمر، وحكيم بن حزام، ولازم ابن عباس ملازمة تامة حتى شهد له بالعلم .

مكانته العلمية :
بزغ نور عطاء ـ رحمه الله ـ في العلم، وظهر ذلك جليـًا في مكة وما حولها، حتى شهد له شيوخه بذلك، قال فيه ابن عباس : يا أهل مكة تجتمعون إليَّ وعندكم عطاء، وقال أبو جعفر الباقر واجتمع الناس له : عليكم بعطاء هو والله خير لكم مني، وقال عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه : ما أدركت أحدًا أعلم بالحج من عطاء، وقال عبد الرحمن ابن أبي ليلى : هو والله ـ يعني عطاء ـ أعلم مني، وقال أبو حازم الأعرج : فاق عطاء أهل مكة في الفتوى .
وقال قتادة : إذا اجتمع أربعة لم ألتفت إلى غيرهم، ولم أبال من خالفهم : الحسن، وابن المسيب، وإبراهيم النخعي، وعطاء، هؤلاء أئمة الأمصار .
وقال أبو حنيفة : ما رأيت فيمن لقيت أفضل من عطاء .
وقال : محمد بن عبد الله الديباج : ما رأيت مفتيـًا خيرًا من عطاء .
وقال الأوزاعي : مات عطاء بن أبي رباح يوم مات، وهو أرضى أهل الأرض عند الناس .
وقال سلمة بن كهيل : ما رأيت أحدًا يريد بهذا العلم وجه الله غير ثلاثة : عطاء ، وطاووس ، ومجاهد .
وعلى الرغم من هذا كله فلم يكن عطاء ـ رحمه الله ـ يستنكف أن يقول فيما لا يعلم لا أعلم، قال مصعب بن حيان : كنت عند عطاء فسئل عن شيء فقال : لا أدري نصف العلم .
وكان المتحدث يتحدث أمامه فيظهر له إعجابه بحديثه وإنه لأحفظ له منه، فيقول هو عن نفسه : والله إني لأسمع الحديث من الرجل وأنا أعلم به منه فأريه أني لا أحسن شيئـًا منه .

أسباب نبوغه العلمي :
وكان لنبوغه هذا أسباب منها :
1- عزوفه عن الدنيا وشهواتها .
2- تحكمه في سلطان وقته، فلم يكن ليهدره في فضول الكلام .
3- أخذه عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد عدهم نحوًا من مائتين .
4- ملازمته لحبر الأمة عبد الله بن عباس .
وقد ظهر هذا العلم حتى على عوام الناس، ولقد تعلم أبو حنيفة رحمه الله خمس مسائل من حلاق وفي ذلك يقول : " أخطأت في خمسة أبوابٍ من المناسك بمكة فعلمنيها حجَّامٌ، وذلك أني أردتُ أن أحلق لأخرج من الإحرام، فأتيت حلاقـًا، وقلت : بكم تَحلق لي رأسي ؟ فقال : هداك الله .. النُّسك لا يُشارطُ فيه، إجلس وأعط ما يتيسرُ لك . فخجلتُ وجلست ، غير أني جلستُ منحرفـًا عن القبلة ، فأومأ إليَّ بأن أستقبل القبلة ؛ ففعلتُ، وازددت خجلاً على خجلي، ثم أعطيته رأسي من الجانب الأيسر ليحلقهُ، فقال : أدرْ شِقَّك الأيمن ؛ فأدرتُهُ، وجعل يحلق رأسي وأنا ساكتٌ أنظر إليه وأُعجبُ منه، فقال لي : ما لي أراك ساكتـًا ؟ .. كَبِّرْ .. فجعلتُ أُكَبِّرُ حتى قُمتُ لأذهب، فقال : أين تُريد ؟ فقُلتُ : أُريدُ أن أمضيَ إلى رحْلي، فقال : صلِّ ركعتين، ثم امضِ إلى حيث تشاءُ، فصليتُ ركعتين، وقلتُ في نفسي : ما ينبغي أن يقع مثلُ هذا من حجَّامٍ إلا إذا كان ذا علمٍ، فقلت له : من أين لك ما أمرتني به من المناسك ؟ فقال : لله أنت .. لقد رأيتُ عطاءَ بن أبي رباح يفعلُهُ، فأخذتُهُ عنه، ووجَّهْتُ إليه الناس .

إعراضه عن الدنيا :
وعلى الرغم من هيئة عطاء ـ رحمه الله ـ ومنظره ـ فقد أقبلت عليه الدنيا فولاها ظهره، ونثرت أمامه خيرها فأدبر عنه، وقد كان الخلفاء يدعونه إلى مصحابتهم فأبى، وخاف على دينه من مصاحبتهم، وأعطوه فرد عطاياهم، وقد عاش حياته كلها، يلبس ما قل ثمنه، وضعفت قيمته، وما لبس طيلة حياته قميصـًا، ولا لبس ثوبـًا يساوي خمسة دراهم، كما يقول عمر بن ذر، وهذه واقعة توضح لنا زهده وإعراضه عن الدنيا، قال عثمان بن عطاء الخرساني : " انطلقت مع أبي نريد هشام بن عبد الملك، فلما غدونا قريبـًا من " دمشق "؛ إذا نحن بشيخٍ على حمار أسود عليه قميصٌ صفيقٌ ـ خشن كثيف النسج ـ وجُبَّةٌ باليةٌ وقلنسُوةٌ ـ غطاء الرأس ـ لازقةٌ برأسه، وركاباه من خشب، فضحكت منهُ، وقلت لأبي : من هذا ؟ فقال : اسكت، هذا سيدُ فقهاء الحجاز عطاء بن أبي رباح .. فلما قرب منا نزل أبي عن بغلته، ونزل هو عن حماره، فاعتنقا وتساءلا، ثم عادا فركبا، وانطلقا حتى وقفا على باب قصر هشام بن عبد الملك، فما أن استقرَّ بهما الجلوس حتى أُذن لهما، فلما خرج أبي قلت له : حدثني بما كان منكما، فقال : لمَّا علم هشام أن عطاء بن أبي رباح بالباب ؛ بادر فأذن له ـ ووالله ما دخلت إلا بسببه ـ فلما رآه هشامٌ قال : مرحبـًا مرحبـًا .. هَاهنا هاهنا .. ولا زال يقول له هاهنا هاهُنا .. حتى أجلسه معه على سريره، ومسّ بركبته رُكبتَهُ .. وكان في المجلس أشراف الناس، وكانوا يتحدثون فسكتوا، ثم أقبل عليه هشام وقال : ما حاجتك يا أبا محمد ؟ قال : يا أمير المؤمنين، أهل الحرمين .. أهل الله وجيرانُ رسول الله ؛ تُقسمُ عليهم أرزاقهم وأُعطياتهم .. فقال : نعم .. يا غُلام اكتب لأهل مكة والمدينة بعطاياهم وأرزاقهم لسنةٍ، ثم قال : هل من حاجة غيرها يا أبا محمد ؟ فقال : نعم يا أمير المؤمنين ، أهل الحجاز وأهل نجد أصلُ العرب ، وقادة الإسلام؛ تردُ فيهم فضول صدقاتهم .. فقال نعم .. يا غلام اكتب بأن تُرد فيهم فضول صدقاتهم ، هل من حاجةٍ غير ذلك يا أبا محمد ؟ فقال : نعم يا أمير المؤمنين، أهل الثغور يقفون في وُجُوه عدُوِّكُم، ويقتُلُون من رام المُسلمين بشرٍّ؛ تُجري عليهم أرزاقـًا تُدرُّها عليهم .. فإنهم إن هلكوا ضاعتِ الثُّغُورُ .. فقال نعم .. يا غلام اكتب بحمل أرزاقهم إليهم .. هل من حاجة غيرها يا أبا محمد ؟ قال : نعم يا أمير المؤمنين، أهل ذمَّتكم لا يُكلَّفون ما لا يُطيقون، فإن ما تجبونهُ منهم معونةٌ لكم على عدوكم ، فقال : يا غلام اكتب لأهل الذمة بألا يُكلفوا ما لا يُطيقون، هل من حاجة غيرها يا أبا محمد ؟ قال : نعم .. اتق الله في نفسك يا أمير المؤمنين .. واعلم أنك خُلقت وحدك، وتموت وحدك، وتحشر وحدك، وتُحاسبُ وحدك، ولا والله ما معك ممن ترى أحدٌ، فأكبَّ هشام ينكُتُ في الأرض وهو يبكي .. فقام عطاءٌ، فقمت معه، فلما صِرنا عند الباب، إذا رجلٌ قد تبعهُ بكيس لا أدري ما فيه وقال له : إن أمير المؤمنين بعث لك بهذا .. فقال هيهات : ( وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين )(الشعراء/109) فوالله إنه دخل على الخليفة .. وخرج من عنده .. ولم يشرب قطرة ماءٍ ..

اعتزازه بعلمه :
ولقد كان عطاء ـ رحمه الله ـ يعتز بعلمه ودينه أيما اعتزاز، وقد سبق أن قال سلمة بن كهيل : ما رأيت أحدًا يريد بهذا العلم وجه الله غير هؤلاء الثلاثة : عطاء، وطاووس، ومجاهد، ولم يكن ـ رحمه الله ـ يهبط بعلمه ليقرب إلى الملوك والأمراء، بل كانوا هم يترضونه ويدركون منزلته .

وفي سنة سبع وتسعين للهجرة كان سليمان بن عبد الملك خليفة المسلمين يطوف بالبيت ومن خلفه ولداه، فسال عن عطاء، فقيل إنه هناك قائم يصلي، فاتجه إليه سليمان بن عبد الملك، ومعه ولداه ، فلما انتهى من صلاته حياه سليمان فرد عليه التحية بمثلها.
وهنا أقبل عليه الخليفة، وجعل يسأله عن مناسك الحج منسكـًا منسكـًا، وهو يفيض بالإجابة عن كل مسألةٍ .. ويُفصِّلُ القول فيها تفصيلاً لا يدعُ سبيلاً لمُستزيدٍ .. ويُسند كل قولٍ يقوله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولما انتهى الخليفة من مُساءلته قال لولديهِ : قوما، فقاما .. ومضى الثلاثةٌ نحو المسعى، وفيما هم في طريقهم إلى السعي بين الصفا والمروة، سَمِعَ الفتيان المنادين يُنادون : يا معشر المسلمين .. لا يُفتي الناس في هذا المقام إلا عطاء بن أبي رباح .. فإن لم يُوجد فعبدُ الله بن أبي نجيح، فالتفت أحدُ الغلامين إلى أبيه وقال : كيف يأمرُ عامل أمير المؤمنين الناس بألا يستفتُوا أحدًا غير عطاء بن أبي رباح وصاحبه؟ ..

ثم جئنا نحن نستفتي هذا الرجل الذي لم يأبه للخليفة، ولم يُوفِّهِ حقَّهُ من التعظيم !! .
فقال سليمان لِولَدِه : هذا الذي رأيتهُ ـ يا بُني ـ ورأيت ذُلنا يين يديه هو عطاء بن أبي رباحٍ صاحب الفُتيا في المسجد الحرام .. ووارثُ " عبد الله بن عباس " في هذا المنصب الكبير . ثم أردف يقول : يا بَنيَّ .. تعلموا العلم .. فبالعلم يشرُفُ الوضيعُ .. وينْبُهُ الخاملُ .. ويغلُو الأرقَّاءُ على مراتب المُلُوك ..

وفاتـه :
وفي عام أربع عشرة ومائة وافت المنية عطاء ، وقد عمَّر طويلاً ، فوافته والناس أحوج ما يكونون إلى علمه، فله من الله الرحمة والرضوان .

المراجع :
1- البداية والنهاية : " ابن كثير " ج9 .
2- سير أعلام النبلاء : " الذهبي " ص5 .
3- صور من حياة التابعين : " عبد الرحمن رأفت الباشا " .
4- التفسير والمفسرون : " د. محمد حسين الذهبي " ج1
5- الإسرئيليات والموضوعات في كتب التفاسير : " د. محمد أبو شهبة "

نور العين
01-Dec-2004, 09:32 AM
الشيخ طنطاوي جوهري
يعتبر الشيخ طنطاوي جوهري ـ رحمه الله ـ أحد أتباع مدرسة التفسير العلمي للقرآن أو الإعجاز العلمي للقرآن ، بل يعتبر من أبرز عناصر هذه المدرسة ويرجع ذلك إلى أنه :
1- صاحب أول تفسير علمي شامل لآيات القرآن .
2- أنه صاحب أول تفسير شامل عامة في الفترة الأخيرة .
3- أنه أوفي كتاب تفسير تحدث عن الآيات العلمية في القرآن .
وقبل الحديث عن الشيخ ـ رحمه الله ـ وكتابه ، نود أن نذكر أولاً موقف العلماء من التفسير العلمي للقرآن :
فالكلام عن التفسير العلمي للقرآن قديم ، والخلاف فيه من زمن غير قريب ، ويبدو أن أول من تحدث فيه هو الإمام الغزالي ـ رحمه الله ـ حيث ذكر في إحيائه قول ابن مسعود : " من أراد علم الأولين والآخرين فليتدبر القرآن ، ونحو ذلك من الأقوال " ثم قال الإمام الغزالي : " وهذا العلم لا نهاية له وفي القرآن إشارة إلى مجامعه " .
وقال أيضـًا : " بل كل ما أشكل فهمه على النظار واختلف فيه الخلائق في النظريات والمعقولات ففي القرآن إليه رموز ودلالات عليه يختص أهل الفهم بدركها " .
وجاء بعد ذلك ابن أبي الفضل المرسي فذكر أن أصول الصنائع مذكورة في القرآن كالخياطة : " وطفقا يخصفان "(الأعراف/22) ، والحدادة ( آتوني زبرالحديد)(الكهف/96) ، والبناء ( وإذ يرفع إبراهيم القواعد )(البقرة/127) ، والنجارة : ( واصنع الفلك بأعيننا )(هود/37) ، والغزل والملاحة والفخارة ، وهكذا .
وقد أيد السيوطي في الإتقان " وفي كتابه " إكليل التأويل في استنباط التنزيل " هذا التوجه واستدل بالقرآن والحديث ، لكن الإمام الشاطبي ـ رحمه الله ـ عارض هذا القول في كتابه " الموافقات " وبين الشاطبي أن هذه الأمة أمة أمية فيلزم أن تكون الشريعة على معهودهم وفي مستواهم ، وفنّد هذه الدعوى قائلاً : ما تقرر من أمية الشريعة وأنها جارية على مذهب أهلها وهم العرب ينبني عليه قواعد منها أن كثيرًا من الناس تجاوزوا " في الدعوة على القرآن " الحد ، فأضافوا إليه كل علم يذكر للمتقدمين والمتأخرين من علوم الطبيعة والتعاليم والمنطق وعلوم الحروف ، وجميع ما نظر فيه الناظرون من هذه الفنون وأشباهها ، وهذا إذا عرضناه على ما تقدم لا يصح .

وكان من المعارضين لهذا النوع من التفسير في هذا العصر عدد غير قليل منهم ، الشيخ محمود شلتوت ، والأستاذ أمين الخولي ، والأستاذ سيد قطب ، والشيخ عبد الله المشد والشيخ الدكتور عبد الحليم محمود ، وغيرهم ـ رحمهم الله تعالى ـ .
وهؤلاء حين أنكروا هذا ، فإنما لعدم إلزام القرآن بنظريات علمية ، ربما تكون في طور التجربة ، وكان من العلماء الذين اتجهوا إلى هذا النوع من التفسير الأستاذ محمد أحمد الغمراوي ، والأستاذ طنطاوي جوهري ، وغيرهما ، والحق أنه ينبغي أن نقف موقفـًا وسطـًا بين كلا الطرفين ، فلا يفتح المجال مطلقـًا ولا يسد الباب إغلاقـًا وليكن ذلك وفق شروط معينة ومحددة ونلخصها فيما يلي :

1- ضرورة المعرفة بأوليات هذه العلوم .
2- التعويل على الحقائق لا الفرضيات .

3- تجنب التكلف في فهم النصوص .

4- ألا يحمل الرأي أو التفسير العلمي اتهامـًا للأمة كلها طوال تاريخها كله

5- أن تذكر هذه التفسيرات لأجل تعميق الشعور الديني لدى المسلم والدفاع عن عقيدته .

6- تقريب الحقائق الدينية لعقول البشر من خلال هذه الحقائق العلمية .

7- ألا تطغى هذه المباحث على المقصود الأول من القرآن ، وهو الهداية والإعجاز .

8- ألا تذكر هذه الأبحاث على أنها هي التفسير الذي لا يدل النص إلا عليه .

9- أن تذكر هذه الأبحاث والتفاسير على وجه يدفع المسلمين إلى النهضة ويلفتهم إلى جلال القرآن .

التعريف بالمؤلف :
هو الشيخ طنطاوي جوهري ، ولد سنة 1287هـ ـ 1870م ، بقرية تسمى كفر عوض الله حجازي ، إحدى قرى محافظة الشرقية بمصر ، تلقى تعليمه في الأزهر وانقطع عن التعليم ثلاث سنوات ، وذلك إثر دخول الإنجليز مصر واحتلالهم لها ، ثم عاود الدراسة بالأزهر ، ثم في المدرسة الحكومية ، والتحق بدار العلوم وتخرج فيها سنة 1310هـ - 1894م ، وتعلم الإنجليزية ، ثم عين بعد تخرجه في مدرسة دار العلوم ، وعمل بالتدريس بمختلف درجاته ، وطلب القضاء فلم يقبل ، وكان رئيسـًا لجمعية المواساة الإسلامية بالقاهرة ، وتولى رئاسة تحرير " مجلة الإخوان المسلمين " مدة وانقطع للتأليف ، فصنف كتبًا كثيرة بلغت نحو 30 مؤلفـًا منها :
1- الجواهر في تفسير القرآن .
2- الأرواح .
3- أصل العالم .
4- أين الإنسان .
5- التاج المرصع بجواهر القرآن .
6- جمال العالم .
7- جواهر العلوم .
8- جواهر التقوى .
9- النظر في الكون بهجة الحكماء وعبادة الأذكياء .
10- الزهرة في نظام العالم .
11- السر العجيب في حكمة تعدد أزواج النبي صلى الله عليه وسلم .
12- القرآن والعلوم العصرية .
ويبدو من خلال عناوين كتبه ـ رحمه الله ـ أنه كان صاحب اهتمام بالعلوم الحديثة وما يتعلق بها بالقرآن .

ما قيل في الرجل :
على الرغم من شطحات الشيخ طنطاوي ـ رحمه الله ـ في تفسيره ومجانبته للصواب كما سنذكره فيما بعد ، إلا أن الشيخ كان صاحب خلق ودين ، قال عنه الشيخ مصطفى محمد الحديدي الطير ـ رحمه الله ـ كان رجلاً تقيـًا على ما عرفته فيه وجربته منه .
ووصفه الدكتور محمد حسين الذهبي بأنه الفيلسوف الإسلامي ، وعلى كل حال فإن صلاح دين الرجل وحسن نيته ، وحرصه على فهم القرآن ، لا يكون ذلك كله مبررًا لإقراره فيما ذهب إليه أو قال به .

المؤلف وتفسيره للقرآن :
يقع تفسير الشيخ طنطاوي جوهري ـ رحمه الله ـ والمسمى بـ " الجواهر في تفسير القرآن الكريم " في خمسة وعشرين جزءًا أضاف إليها المؤلف الجزء السادس والعشرين على أنه ملحق لتفصيل ما أجمل فيه من العلوم الكونية والأحكام الشرعية واختلاف المذاهب فيها وجاء في آخر هذا الجزء " تم طبع الجزء الأول من ملحق الجواهر : تفسير القرآن " مما يدل على أن المؤلف سيضيف إلى هذا الملحق جزءًا آخر ، وقد بدأ المؤلف هذا التفسير يوم أن كان مدرسـًا في دار العلوم ، وكان ذلك في عام 1310هـ وله من العمر 23سنة .
الدوافع التي دعت المؤلف إلى التفسير :
كانت هناك عدة أمور دعت الشيخ إلى أن يفسر هذا التفسير وينحو بها هذا المنحى منها :

1- أن الشيخ كان مغرمـًا بالعجائب الكونية ومعجبـًا بالبدائع الطبيعية ، ومشوقـًا إلى ما في السماء من جمال وما في الأرض من بهاء وكمال .

2- توجيه أنظار الأمة الإسلامية إلى هذه العلوم والأخذ بها .

3- كان الشيخ يأمل في أن يشرح الله بهذا التفسير قلوبـًا ، ويهدي به أممـًا ، وتنقشع به الغشاوة عن أعين عامة المسلمين .

4- ويعتبر السبب الأساسي في تأليف الشيخ لهذا التفسير هو أنه مر بمرحلة شك ، وذلك بعد دخول الإنجليز مصر وانقطاعه عن الدراسة في الأزهر ، فحدث له نوع من الشك إلى أن ثبت الله قلبه ، فكان هذا الشك دافعـًا لهذا التفسير حتى لا يقع أحد في مثل ما وقع فيه .

5- الأخذ بمنجزات العلم الحديث والسير في طريقه ليتقدم المسلمون على غيرهم في هذا المضمار .
طريقته في التفسير :
يبدأ المؤلف تفسير كل سورة بمقدمة يذكر فيها ما للسورة من أسماء ، مكية هي أو مدنية ، وعدد آياتها وترتيبها في النزول ، وأحيانـًا صلتها بالسورة التي قبلها ، وهذا كله في أسطر قليلة جدًا .

ثم يقسِّم السورة إلى أقسام ، كل قسم يتكون من عدد من آيات السورة ، وغالبـًا ما يفرد البسملة في أوائل كل سورة بقسم خاص ،هو القسم الأول ، وأحيانـًا يسميه الفصل الأول ، وأحيانـًا مبحث في التسمية ، ثم يتبعه بالقسم الثاني ، وفيه التفسير اللفظي لآيات هذا القسم ، وهو تفسير مختصر جدًا أقرب ما يكون لتفسير الجلالين ، ثم بما يسميه " لطائف هذا القسم " وأحيانـًا يسميها أبحاثـًا وأحيانـًا جواهر وأحيانـًا حكايات ، وأحيانـًا يضع عنوانـًا خاصـًا بما تحته من أبحاث ويفعل في القسم الثالث وغيره، ما فعله في القسم الثاني ، وفي نهاية السورة يكتب تذييلاً لتفسير السورة وتحته فصول .. وأحيانـًا يضع لطائف عامة آخر السورة لكل أقسامها ، وكل هذه الأبحاث ما عدا التفسير اللفظي مليء بالأبحاث العلمية التجريبية البحتة ، موضحة بالصور والتفصيل الدقيق .
وكثيرًا ما يذكر في هذه الأبحاث ، الأحداث التي تقع له في حياته اليومية وما يراه في منامه ، وأحيانـًا خيالات يتحول بها من عالم الأشباح إلى عالم الأرواح فيلتقي بروح البصيرة فيحدثها وتحدثه الأمر العجاب ، وأحيانـًا كثيرة يسميها إلهامـًا أو نفحة ربانية وإشارة قدسية وبشارة رمزية أمر به بطريق الإلهام (‍‍!!) بل أحيانـًا يختلط عليه الأمر فلا يدري عما كتبه حلم هو أو حديث نفس أم إلهام .

وهو إضافة إلى كثرة توضيحه لأبحاثه العلمية يورد صورًا كثيرة للأفلاك ، والكواكب ، والشمس ، والقمر ، والسديم ، والمياه ، والأشجار ، والأحجار ، والحيوانات ، والحشرات ، والأسماك ، والإنسان ، والنباتات ، والجراثيم والميكروبات ، وأجزاء الإنسان كالبصمات ، والعين ، والأذن ، والجهاز الهضمي ، والديدان ، والطيور ، ويضع الجداول العلمية الرياضية ، والكيميائية والفيزيائية ، والفلكية ، والخرائط الجغرافية ، والصناعات والمخترعات الحديثة .

أما ما يستشهد به من الآراء والأقوال فإضافة إلى رؤاه وأحلامه في اليقظة والمنام وما بعده إلهامـًا فهو يستشهد بأقوال علماء الشرق والغرب في القديم ، والحديث وقد برز في تفسيره بروزًا واضحـًا باستشهاده بنصوص إنجيل برنابا وجمهورية أفلاطون ، ونصوص أخوان الصفا ، وألف ليلة وليلة ، وكليلة ودمنة والعديد من الجرائد والمجلات الغربية والعربية .
ولا يخفى على ذي لب أمر الاستشهاد بمثل هذا في تفسير القرآن الكريم وإضافة إلى هذه الشواهد فهو يذكر شواهد أخرى عجيبة من التنويم المغناطيسي وتحضير الأرواح ، زد على ذلك حساب الجمل ، وخوضه في فواتح السور خوضـًا عجيبـًا .

نور العين
01-Dec-2004, 09:33 AM
ملاحظات على تفسير المؤلف :
كثر الكلام حول تفسير الشيخ طنطاوي جوهري ، وتعددت عليه المآخذ والملاحظات ومن ذلك :

1- استشهاده بنصوص لأناس متقدمين مثل إخوان الصفا ، وأفلاطون ، وقد يستشهد بما جاء في الإنجيل وخصوصـًا إنجيل برنابا .

2- يستخرج كثيرًا من الأمور والعلوم بواسطة حساب الجمل .

3- إعجاب الرجل بتفسيره جدًا ويظهر ذلك في تعليقاته المفعمة بالثناء مثل : بمثل هذا تفسر هذه الآيات ، بمثل هذا فليفهم المسلمون كتاب الله ، وكثيرًا ما يقرر أن في كتابه خلاص الأمة وشفاءها ، بل ويرى أن قراءة تفسيره هذا إما فرض عين أو فرض كفاية .

4- تطاوله على العلماء السابقين والفقهاء الأقدمين ومن ذلك قوله : إن هذه العلوم التي أدخلتها في تفسير القرآن هي التي أغفلها الجهلاء من صغار الفقهاء في الإسلام .

5- ذمه لكتب الأقدمين ، فيقول : وكتب التوحيد كتب أكثرها جدلية ، وليس ينقذ أمة الإسلام من جهالتها إلا تأليف رسائل قصيرة وطويلة ونشرها بين العامة .

6- إدخاله في التفسير أمورًا لا علاقة لها بالتفسير أصلاً ومنها :

أ- أحداثه اليومية وأحلامه الليلية ، وخيالاته الذاتية ، ثم يطلق عليها نفحة ربانية ، أو إشارة قدسية ، أو بشارة رمزية .

ب - إضافة كثير من الصور للأفلاك ، والكواكب ، والنجوم ، والحيوانات وغيرها .

ج- الاستشهاد بما يسمى بالتنويم المغناطيسي وتحضير الأرواح وغيرها من الأمور التي لها علاقة بالتفسير لا من قريب ولا من بعيد .

رأي العلماء في هذا التفسير :
لم يلق كتاب الشيخ طنطاوي جوهري قبولاً في الأوساط العلمية سواء في مصر ، أو في غيرها ، بل لقد منع الكتاب في بلاد الحجاز ، ونذكر فيما يلي آراء بعض العلماء الذين أثنوا على الرجل في خلقه ودينه .
فمن هؤلاء الشيخ محمد حسين الذهبي ـ رحمه الله ـ الذي قال بعد أن أورد بعض الأمثلة من تفسيره : " هذا هو تفسير الجواهر ، وهذه نماذج منه وضعتها أمام القارئ ليقف على مقدار تسلط هذه النزعة التفسيرية على قلم مؤلفه وقلبه .

والكتاب ـ كما ترى ـ موسوعة علمية ضربت في كل فن من فنون العلم بسهم وافر ، مما جعل هذا التفسير يوصف بما وصف به تفسير الفخر الرازي ، فقيل عنه : " فيه كل شيء إلا التفسير " ، بل هو أحق من تفسير الفخر بهذا الوصف وأولى به ، وإذا دل الكتاب على شيء فهو أن المؤلف ـ رحمه الله ـ كان كثيرًا ما يسبح في ملكوت السماوات والأرض بفكره ، ويطوف في نواح شتى من العلم بعقله وقلبه ليجلي للناس آيات الله في الآفاق وفي أنفسهم ، ثم ليظهر لهم بعد هذا كله أن القرآن قد جاء متضمنـًا لكل ما جاء ويجيء به الإنسان من علوم ونظريات ، ولكل ما اشتمل عليه الكون من دلائل وأحداث ، تحقيقـًا لقول الله تعالى في كتابه : ( ما فرطنا في الكتاب من شيء )(الأنعام/38) ، ولكن هذا خروج بالقرآن عن قصده وانحراف به عن هدفه "(التفسير والمفسرون : محمد حسين الذهبي 3/183) .
أما الشيخ مصطفى محمد الحديدي الطير فقد ذكر أيضـًا بعض الأمثلة من تفسيره ثم عقب عليها قائلاً : " في وسعنا بعد أن عرفنا نماذج مما كتبه ، أن نسمي كتابه هذا جواهر العلوم ، لا جواهر التفسير ، فهو في وادٍ ، وتفسير القرآن في وادٍ آخر "(اتجاه التفسير في العصر الحديث : مصطفى محمد الحديدي الطير ص73) .
وقال أيضـًا : " وعلى الرغم من أن الشيخ ـ رحمه الله ـ كان رجلاً تقيـًا على ما عرفته فيه وجربته منه إنه كان ذا خيال خصيب ، وكان لهذا يخضع القرآن لما يتخيله في معانيه بأفكاره العريضة ذات الآفاق البعيدة ، وإن جانبها الصواب - غفر الله له - ما قال عن حسن ظن مما خالف فيه ما ينبغي في تفسير كتاب الله المجيد "(المرجع السابق:ص75) .

أما الدكتور عبد المجيد المحتسب فقال : " والحق يقال ـ أن الشيخ طنطاوي جوهري ـ مع مخالفتنا إياه في منحاه ونزعته يبدو حسن النية فيما ذهب إليه ، فقد وجد أن السبيل التي سلكها تبعث الأمة الإسلامية بعثـًا جديدًا في ميدان التقدم العلمي "(اتجاهات التفسير في العصر الراهن ص 276ـ277) .
ثم علق الدكتور على قرار منع الكتاب ومصادرته في الحجاز ونجد فقال : " والحق يقال أن المانعين لهذا التفسير لاحظوا جنوح صاحبه ، بل ولوعه الشديد بإخضاع الآيات القرآنية وقهرها لكي تحمل الكثير من مسائل العلوم الكونية ، وهذا تعسف ظاهر وميل بالقرآن عن مقصده الأسمى ألا وهو هداية البشر لما فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة ، وإن دل هذا المنع على شيء فإنما يدل على الورع وصيانة القرآن عن أن ينحرف أحد بتفسيره " .

أما الدكتور محمد إبراهيم شريف فقال : " ومع توافر حسن النية لدى طنطاوي جوهري فيما ذهب إليه من هذا الاتجاه العلمي في التفسير حيث رأى أن السبيل التي سلكها تبعث في الأمة الإسلامية بعثـًا جديدًا في ميدان التقدم العلمي ، كما تدل عليه نداءاته ، وخطاباته للأمة الإسلامية وعلمائها وفيضها بالغيرة والإشفاق والإخلاص مع ذلك قوبل تفسيره في الأوساط الإسلامية في مصر والبلاد العربية بالمعارضة والإنكار ، فقيل عنه ما قيل عن غيره من قديم أن فيه كل شيء إلاالتفسير ، حيث يذكر من الفصول المطولة في العلوم المختلفة ما يصد قارئه عما أنزل الله لأجله القرآن ، ونظر إليه على أنه مخدر للأمة وملهاة " .

نماذج من هذا التفسير :
فمثلاً عندما تعرض لقوله تعالى : ( وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعامٍ واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير .. )(البقرة/61) نجده يقول : ( الفوائد الطبية في هذه الآية ) ثم يأخذ في بيان ما أثبته الطب الحديث من نظريات طبية ، ويذكر مناهج أطباء أوروبا في الطب ، ثم يقول : " أو ليس هذه المناهج هي التي نحا نحوها القرآن ؟ أو ليس قوله " أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير " رمزًا لذلك ؟ كأنه يقول : العيشة البدوية على المن والسلوى .. وهما الطعامان الخفيفان اللذان لا مرض يتبعهما ، مع الهواء النقي والحياة الحرة ، أفضل من حياة شقية في المدن بأكل التوابل ، واللحم والإكثار من ألوان الطعام ، مع الذلة ، وجور الحكام ، والجبن ، وطمع الجيران من الممالك ، فتختطفكم على حين غفلة وأنتم لا تشعرون ، بمثل هذا تفسر هذه الآيات ، بمثل هذا فليفهم المسلمون كتاب الله )(الجواهر1/66ـ67) .

ومثلاً عندما تعرض لقوله تعالى : ( وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ) (البقرة/67 ) ، وما بعدها من الآيات ، نجده يعقد بحثـًا في عجائب القرآن وغرائبه ، فيذكر ما انطوت عليه هذه الآيات من عجائب ، ويذكر فيما يذكر علم تحضير الأرواح فيقول : " .. وأما علم تحضير الأرواح فإنه من هذه الآية استخراجه .. إن هذه الآية تتلى ، والمسلمون يؤمنون بها ، حتى ظهر علم الأرواح بأمريكا أولاً ، ثم بسائر أوربا ثانيـًا .. " ثم ذكر نبذة طويلة عن مبدأ هذا العلم ، وكيف كان انتشاره بين الأمم وفائدة هذا العلم ، ثم قال أخيرًا : " ولما كانت السورة التي نحن بصددها قد جاء فيها حياة العزيربعد موته ، وكذلك حماره ، ومسألة الطير وإبراهيم الخليل ، ومسألة الذين خرجوا من ديارهم فرارًا من الطاعون ، فماتوا ثم أحياهم .. وعلم الله أننا نعجز عن ذلك ، جعل قبل ذكر تلك الثلاثة في السورة ما يرمز إلى استحضار الأرواح في مسألة البقرة ، كأنه يقول : إذا قرأتم ما جاء عن بني إسرائيل في إحياء الموتى في هذه السورة عند أواخرها ، فلا تيأسوا من ذلك ؛ فإن قد بدأت بذكر استحضار الأرواح ، فاستحضروها بطرقها المعروفة " واسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون " ، ولكن ليكن المحضر ذا قلب نقي خالص على قدم الأنبياء والمرسلين ، كالعزير ، وإبراهيم ، وموسى ، فهولاء لعلو نفوسهم أريتهم بالمعاينة ، وأنا أمرت نبيكم أن يقتدي بهم فقلت : " فبهداهم اقتده " .. )أ.هـ( الجواهر1/71ـ77 ) .

ومثلاً عندما تعرض لقوله تعالى : ( ألم ) ( آل عمران/1 ) نجده يعقد بحثـًا طويلاً عنوانه " الأسرار الكيمائية في الحروف الهجائية ، للأمم الإسلامية ، في أوائل السور القرآنية " وفيه يقول : " انظر رعاك الله ، تأمل .. يقول الله : أ . ل . م ـ طس ـ حم ـ وهكذا يقول لنا : أيها الناس ، إن الحروف الهجائية ، إليها تحلل الكلمات اللغوية ، فما من لغة في الأرض إلا وأرجعها أهلها إلى حروفها الأصلية ، سواء أكانت اللغة العربية أم اللغات الأعجمية ، شرقية وغربية ، فلا صرف ، ولا إملاء ، ولا اشتقاق إلا بتحليل الكلمات إلى حروفها ، لا سبيل لتعليم لغة وفهمها إلا بتحليلها ، وهذا هو القانون المسنون في سائر العلوم والفنون .

ولا جرم أن العلوم قسمان : لغوية وغير لغوية ، فالعلوم اللغوية مقدمه في التعليم ؛ لأنها وسيلة إلى معرفة الحقائق العلمية من رياضية وطبيعية وإلهية ، فإذا كانت العلوم التي هي آلة لغيرها لا تعرف حقائقها إلا بتحليلها إلى اصولها ، فكيف إذًا تكون العلوم المقصودة لنتائحها المادية والمعنوية ؟ فهي أولى بالتحليل وأجدر بإرجاعها إلى أصولها الأولية التي لا تعرف الحساب إلا بمعرفة بسائط الأعداد ، ولا الهندسة إلا بعد علم البسائط والمقدمات ، ولا علوم الكيمياء إلا بمعرفة العناصر وتحليل المركبات إليها ، فرجع الأمر إلى تحليل العلوم )(الجواهر2/10،11) .
المراجع :

1- كيف نتعامل مع القرآن العظيم : د/ القرضاوي ط مركز بحوث السنة والسيرة .
2- اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر / د. فهد بن عبد الرحمن الروي / ط الأولى 1986م .
3- التفسير والمفسرون / د. محمد حسين الذهبي جـ2 .
4- لمحات في علوم القرآن : محمد لطفي الصباغ .

نور العين
01-Dec-2004, 09:34 AM
المنهج القويم في تفسير القرآن الكريم

ليس للمفسر أن يسير في تفسيره لكتاب الله خبط عشواء ، وإنما لابد له من منهج ينتهجه حتى يأتي بالتفسير على الصورة المرضية المقبولة، ولذلك قال أهل العلم: على من يفسر كتاب الله - تعالى - أن يبحث عن تفسيره في القرآن ـ فإن لم يجد فليطلبه فيما صح وثبت في السنة ، فإن لم يجد فليطلبه في أقوال الصحابة، وليتحاش الضعيف، والموضوع، والإسرائيليات، فإن لم يجد في أقوال الصحابة، فليطلبه في أقوال التابعين، فإن اتفقوا على شيء كان ذلك أمارة - غالبًا - على تلقيه عن الصحابة، وإن اختلفوا : تخير من أقوالهم، ورجح ما يشهد له الدليل، فإن لم يجد في أقوالهم ما يصلح أن يكون تفسيرًا للآية لكونه ضعيفًا، أو موضوعًا أو من الإسرائيليات التي حملوها عن أهل الكتاب الذين أسلموا: فليجتهد رأيه ولا يألوا - أي لا يقصر - ، إذا استكمل أدوات هذا الاجتهاد ، وعليه أن يراعي القواعد الآتية :

1- أن يتحرى في التفسير مطابقة التفسير للمفسَّر ، وأن يتحرز في ذلك عن نقص لما يحتاج إليه في إيضاح المعنى ، أو زيادة لا تليق بالغرض: أي لا يوجز فيخل ، ولا يطيل ويستطرد فيمل .
2- أن يُعنى بأسباب النزول؛ فإن أسباب النزول كثيرًا ما تعين على فهم المراد من الآية .
3- أن يُعنى بذكر المناسبات بين الآيات؛ لأن في ذلك الإفصاح عن خصيصة من خصائص القرآن الكريم وهي الإعجاز ، وللمناسبات في الكشف عن أسرار الإعجاز ضلع كبير .

وقد اختلفت مناهج المفسرين في هذين الأخيرين ، فمنهم : من يذكر المناسبة ، لأنها المصححة لنظم الكلام ، وهي سابقة عليه ، وبعضهم : يذكر السبب أولاً ، لأن السبب مقدم على المسبب .
والتحقيق: التفصيل بين أن يكون وجه المناسبة متوقفًا على سبب النزول كآية : ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ، وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ، إن الله كان نعمَّا يعظكم به ، إنَّ الله كان سميعًا بصيرًا) ، فهذا ينبغي فيه تقديم السبب على المناسبة ، لأنه حينئذ من باب تقديم الوسائل على المقاصد ، وإن لم يتوقف وجه المناسبة على ذلك : فالأولى تقديم المناسبة على سبب النزول لبيان تآلف نظم القرآن ، وتناسقه ، وأخذ آياته بعضها بحجز بعض .
4- أن يجرد نفسه عن الميل إلى مذهب بعينه، حتى لا يحمله ذلك على تفسير القرآن على حسب رأيه ومذهبه، ولا يزيغ بالقرآن عن منهجه الواضح، وطريقه المستقيم.
5- مراعاة المعنى الحقيقي والمجازي ، حتى لا يصرف الكلام عن حقيقته إلى مجازه إلا بصارف ، وليقدم الحقيقة الشرعية على اللغوية وكذلك الحقيقة العرفية ، وليراع حمل كلام الله على معان جديدة أولى من حمله على التأكيد ، وليراع الفروق الدقيقة بين الألفاظ .
6- مراعاة تأليف الكلام ، والغرض الذي سبق له ، فإن ذلك يعينه على فهم المعنى المراد ، وإصابة الصواب ، قال الزركشي في البرهان : ليكن محط نظر المفسر مراعاة نظم الكلام الذي سبق له ، وإن خالف أصل الوضع اللغوي ، لثبوت التجوز .
7- يجب على المفسر البداءة بما يتعلق بالمفردات، وتحقق معانيها ثم يتكلم عليها بحسب التركيب ، فيبدأ بالإعراب إن كان خفيًا ، ثم ما يتعلق بالمعاني ، ثم البيان ، ثم البديع ، ثم ليبين المعنى المراد ، ثم ما يستنبط من الآيات من الأحكام والآداب ، وليراع القصد فيما يذكر من لغويات ، أو نحويات ، أو بلاغيات ، أو أحكام ، حتى لا يطغى ذلك على جوهر التفسير .
8- التحاشي عن ذكر الأحاديث والآثار الضعيفة والموضوعة ، والروايات المدسوسة : من الإسرائيليات ونحوها ، حتى لا يقع فيما وقع فيه كثير من المفسرين السابقين من الموضوعات ، والإسرائيليات في أسباب النزول ، وقصص الأنبياء والسابقين ، وبدء الخلق والمعاد ونحوها .

نور العين
01-Dec-2004, 09:35 AM
التفسير والتأويل معناهما والفرق بينهما
اختلف العلماء في بيان معنى التفسير والتأويل ، وفي بيان الفرق بينهما اختلافــًا نتجت عنه أقوال كثيرة .. ولعل منشأ هذا الخلاف هو ذهاب الأصوليين إلى اصطلاح خاص للتأويل يختلف عن استعمال القرآن له ، ولهذا فرَّق المتأخرون بين التفسير والتأويل بينما كان الشائع عند المتقدمين تراد فهما كما قال أبو عبيدة وطائفة معه :

معنى التفسير والتأويل :
أولا التفسير

التفسير في اللغة: هو الإيضاح والتبيين، ومنه قوله تعالى في سورة الفرقان آية 33 : ( ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرًا ) أي بيانــًا وتفصيلاً، وهو مأخوذ من الفسر وهو الإبانة والكشف، قال في القاموس : " الفسر: الإبانة وكشف المغطى كالتفسير ، والفعل كضَرَب ونَصَر .. " . وقال في لسان العرب: " الفسر : البيان .. ثم قال : الفسر كشف المغطى ، والتفسير كشف المراد عن اللفظ المشكل .. " أهـ .
وقال أبو حيان في البحر المحيط :" ... ويطلق التفسير أيضـًا على التعرية للانطلاق ، قال ثعلب : تقول فسرت الفرس : عريته لينطلق في حصره ، وهو راجع لمعنى الكشف ، فكأنه كشف ظهره لهذا الذي يريده منه من الجري " أهـ .
وقال بعضهم: هو مقلوب من "سفر" ومعناه أيضـًا : الكشف ، يقال : سفرت المرأة سفورًا : إذا ألقت خمارها عن وجهها، وهي سافرة، وأسفر الصبح : أضاء .
ومن هذا يتبين لنا أن التفسير يستعمل لغة في الكشف الحسي ، وفي الكشف عن المعاني المعقولة، واستعماله في الثاني أكثر من استعماله في الأول.

التفسير اصطلاحــًا :

قال الزركشي : التفسير : علم يفهم به كتاب الله المنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم ، وبيان معانيه ، واستخراج أحكامه وحكمه . (الإتقان2/174) .
وعرفه بعضهم بأنه : علم يبحث فيه عن أحوال القرآن المجيد ، من حيث دلالته على مراد الله تعالى ، بقدر الطاقة البشرية . (منهج الفرقان2/6) .
وقال أبو حيان : " هو علم يبحث عن كيفية النطق بألفاظ القرآن ، ومدلولاتها ، وأحكامها الإفرادية والتركيبية ، ومعانيها التي تُحمل عليها حالة التركيب وتتمات لذلك " .

ثم خرَّج التعريف فقال : فقولنا : "علم"، هو جنس يشمل سائر العلوم ، وقولنا: " يبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن "، هذا هو علم القراءات، وقولنا: " ومدلولاتها " ، أي مدلولات تلك الألفاظ، وهذا هو علم اللًّغة الذي يُحتاج إليه في هذا العلم ، وقولنا : " وأحكامها الإفرادية والتركيبية " ، هذا يشمل علم التصريف وعلم الإعراب ، وعلم البيان ، وعلم البديع ، وقولنا : " ومعانيها التي تُحمل عليها حالة التركيب " ، يشمل ما دلالته عليه بالحقيقة ، وما دلالته عليه بالمجاز ، فإن التركيب قد يقتضي بظاهره شئيــًا ويصد عن الحمل على الظاهر صاد فيحتاج لأجل ذلك أن يعمل على غير الظاهر ، وهو المجاز ، وقولنا : " وتتمات لذلك " ، وهو معرفة النسخ وسبب النزول ، وقصة توضيح بعض ما أنبهم من القرآن ونحو ذلك .
وعرفه بعضهم بقوله : " هو علم نزول الآيات، وشؤونها، وأقاصيصها، والأسباب النازلة فيها، ثم ترتيب مكيها ومدنيها، ومحكمها ومتشابهها، وناسخها ومنسوخها ، وخاصة وعامها ، ومطلقها ومقيدها ، ومجملها ومفسرها ، وحلالها وحرامها ، ووعدها ووعيدها ، وأمرها ونهيها ، وعبرها وأمثالها. (الإتقان2/174) .
وهذه التعاريف الأربعة وما سواها من التعاريف الأخرى للتفسير لو تتبعناها لوجدنا أنه يمكن إرجاعها إلى أي واحد منها ، فهي وإن كانت مختلفة من جهة اللفظ إلا أنها متحدة من جهة المعنى والهدف ، وهي تتفق على أن التفسير علم يبحث عن مراد الله من كلامه بقدر الطاقة ، فهو شامل لكل ما يتوقف عليه فهم المعنى وبيان المراد.

ثانيا: التأويل
التأويل لغــة :
التأويل في اللغة مأخوذ من الأول وهو الرجوع .
قال في القاموس : " آل إليه أولاً ومآلاً : رجع ، وعنه : ارتد .. وأوَّل الكلام تأويلاً وتأوله : دبره وقدره وفسره ، والتأويل عبارة الرؤيـا " أهـ .
وقد ورد لفظ التأويل في القرآن في كثير من الآيات على معانٍ عدة ، ففي سورة آل عمران : جاء التأويل بمعنى التفسير والتعيين كما في قوله تعالى : ( فأما الذين في قلوبهم زيغٌ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله )(آل عمران/7) .
وفي قوله تعالى : ( ذلك خيرٌ وأحسن تأويلا )(النساء/59) فهو بمعنى العاقبة والمصير ، وقوله : ( بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله )(يونس/39) لما يتحق وقوعه بعد .
وجاء بمعنى تعبير الرؤيا كما في سورة يوسف : ( ويعلّمك من تأويل الأحاديث )(يوسف/ ) ، ( وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين )(يوسف/) ، ( أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون )(يوسف/) ... وغيرها .

التأويل في الاصطلاح :
أولاً : التأويل عند السلف :
التأويل عند السلف له معنيان :
أحدهما : تفسير الكلام وبيان معناه ، سواء أوافق ظاهره أو خالفه ، فيكون التأويل والتفسير على هذا مترادفين ، وهذا هو ما عناه مجاهد من قوله : " إن العلماء يعلمون تأويله " يعني القرآن ، وما يعنيه ابن جرير الطبري بقوله في تفسيره : " القول في تأويل قوله تعالى كذا وكذا " ، وبقوله : " اختلف أهل التأويل في هذه الآية " ونحو ذلك ، فإن مراده التفسير .
ثانيهما : هو نفس المراد بالكلام ؛ فإن كان الكلام طلبــًا كان تأويله نفس الفعل المطلوب ، وإن كان خبرًا ، كان تأويله نفس الشيء المخبر به ، وبين هذا المعنى والذي قبله فرق ظاهر ، فالذي قبله يكون التأويل فيه من باب العلم والكلام ، كالتفسير ، والشرح ، والإيضاح ، ويكون وجود التأويل في القلب ، واللسان ، وله الوجود الذهني واللفظي والرسمي ، وأما هذا التأويل فيه نفس الأمور الموجودة في الخارج ، سواء أكانت ماضية أم مستقبلة ، فإذا قيل : طلعت الشمس ، فتأويل هذا هو نفس طلوعها ، وهذا في نظر ابن تيمية هو لغة القرآن التي نزل بها ، وعلى هذا فيمكن إرجاع كل ما جاء في القرآن من لفظ التأويل إلى هذا المعنى الثاني .

ثانيًا : التأويل عند المتأخرين :
التأويل المتأخرين : هو صرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح لدليل يقترن به ، وهذا هو التأويل الذي يتكلمون عليه في أصول الفقه ومسائل الخلاف ، فإذا قال أحد مهم : هذا الحديث أو هذا النص مؤول أو هو محمول على كذا ، قال الآخر : هذا نوع تأويل ، والتأويل يحتاج إلى دليل ، وعلى هذا فالمتأول مطالب بأمرين :
الأمر الأول : أن يبين احتمال اللفظ للمعنى الذي حمله عليه وادعى أنه المراد .
الأمر الثاني : أن يبين الدليل الذي أوجب صرف اللفظ عن معناه الراجح إلى معناه المرجوح ، وإلا كان تأويلاً فاسدًا ، أو تلاعبــًا بالنصوص .

الفرق بين التفسير والتأويل :
اختلف العلماء ـ كما سبق ـ في بيان معنى كل من التفسير والتأويل ، وعلى حسب تعريفهم لكل كان الخلاف بين التفسير والتأويل :
فذهب قوم إلى أن التفسير والتأويل بمعنى واحد ، فهما مترادفان ، وهذا قول أبو عبيدة وطائفة معه ، وهذا هو الشائع عند المتقدمين من علماء التفسير .
وذهب آخرون ـ وهو قول أكثر المتأخرين ـ إلى التفريق بين التفسير والتأويل ، فقال الراغب الأصفهاني : " التفسير أعم من التأويل ، وأكثر ما يستعمل التفسير في الألفاظ ، والتأويل في المعاني كـتأويل الرؤيا "(الإتقان2/173) .
وقال البغوي : " التأويل صرف الآية إلى معنى محتمل يوافق ما قبلها وما بعدها ، غير مخالف للكتاب والسنة من طريق الاستنباط . والتفسير: هو الكلام في أسباب نزول الآية وشأنها وقصتها " (تفسير البغوي1/18) .

وذهب الإمام الآلوسي : " إلى أن التفسير هو بيان المعاني التي تستفاد من وضع العبارة ، والتأويل هو بيان المعاني التي تستفاد بطريق الإشارة ". (الآلوسي1/5) .

وقال بعضهم : التفسير ما يتعلق بالرواية ، والتأويل ما يتعلق بالدراية .
وذكر بعضهم أن التفسير : " القطع على أن المراد من اللفظ هذا ، والشهادة على الله أنه عنى باللفظ هذا ، والتأويل ترجيح أحد المحتملات بدون القطع والشهادة على الله ". (الإتقان2/173) .
وقال ثعلب : " التأويل إخبار عن حقيقة المراد ، والتفسير إخبار عن دليل المراد ".

هذه كانت جملة من أقوال العلماء والأئمة في الفرق بين التفسير والتأويل، ولا سبيل إلى الجزم بواحد من هذه الأقوال؛ لأن كل مفسر يستخدم الكلمة وفق مفهوم محدد عنده

نور العين
01-Dec-2004, 09:36 AM
آد اب المفسر
كما أن أهل العلم اشترطوا فيمن يتعرض لتفسير القرآن شووطا نبغي توفره فيه ، وعلما ينبغي أن يحصلهاقبل الإبقدام على ذلك الأمر الخطير والجليل ، جذلك ذكروا آدابا ينبغي أن يتأدب بها المفسر .. فمن ذلك :

1- حسن النية وصحة القصد :
فإنما الأعمال بالنيات، والعلوم الشرعية أولى بأن يكون هدف صاحبها منها الخير العام، وإسداء المعروف لصالح الإسلام، وأن يتطهر من أعراض الدنيا ليسدد الله خطاه، والانتفاع بالعلم ثمرة للإخلاص فيه .
2- حسن الخلق :
فالمفسر في موقف المؤدب، ولا تبلغ الآداب مبلغها في النفس إلا إذا كان المؤدب مثالاً يحتذى في الخلق والفضيلة، والكلمة النابية قد تصرف الطالب عن الاستفادة مما يسمع أو يقرأ وتقطع عليه مجرى تفكيره .
3- الامتثال والعمل :
فإن العلم يجد قبولاً من العاملين أضعاف ما يجد من سمو معارفه ودقة مباحثه ـ وحسن السيرة يجعل المفسر قدوة حسنة لما يقرره من مسائل الدين، وكثيرًا ما يصد الناس عن تلقي العلم من بحر زاخر في المعرفة لسوء سلوكه وعدم تطبيقه . وقد قال الخطيب البغدادي : " ... ثم اعلم يا طالب العلم أن أن العلم شجرة ، والعمل ثمرة ، وليس يعد عالما منلم يكن بعلمه عاملا ..."

4- تحري الصدق والضبط في النقل :
فلا يتكلم أو يكتب إلا عن تثبت لما يرويه حتى يكون في مأمن من التصحيف واللحن، والقول على الله بغير علم .
5- التواضع ولين الجانب :
فالصلف العلمي حاجز حصين يحول بين العالم والانتفاع بعلمه ، وقد قال تعالى: ( سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذو سبيلا ).
6- عزة النفس :
فمن حق العالم أن يترفع عن سفاسف الأمور، ولا يغشى أعتاب الجاه والسلطان كالسائل المتكلف .
7- الجهر بالحق :
فأفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر .
8- حسن السمت :
الذي يكسب المفسر هيبة ووقارًا في مظهره العام وجلوسه ووقوفه ومشيته دون تكلف .
9- الأناة والروية :
فلا يسرد الكلام سردًا ، بل يفصله ويبين عن مخارج حروفه .
10- تقديم من هو أولى منه :
فلا يتصدى للتفسير بحضرتهم وهم أحياء، ولا يغمطهم حقهم بعد الممات، بل يرشد إلى الأخذ عنهم وقراءة كتبهم .
11- حسن الإعداد وطريقة الأداء :
كأن يبدأ بذكر سبب النزول ـ ثم معاني المفرادات وشرح التراكيب وبيان وجوه البلاغة والإعراب الذي يتوقف عليه تحديد المعنى، ثم يبين المعنى العام ويصله بالحياة العامة التي يعيشها الناس في عصره، ثم يأتي إلى الاستنباط والأحكام .
أما ذكر المناسبة والربط بين الآيات أولاً وآخرًا فذلك حسب ما يقتضيه النظم والسياق .

قال الإمام السيوطي في كتابه " التحبير في علم التفسير: 532 " : ( قال العلماء : من أراد تفسير الكتاب العزيز، طلبه أولاً من القرآن، فإن ما أجمل في مكان قد فسر في مكان آخر ..

فإن أعياه ذلك طلبه من السُّنّة، فإنها شارحة للقرآن وموضحة له، وقد قال الإمام الشافعي :" كل ما حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو مما فهمه من القرآن، قال تعالى : ( إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله )(النساء/105) في آيات أخر، وفي الحديث : < ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه>(سنن الترمذي) يعني السُّنّة، وفيه كان جبريل ينزل بالسنة كما ينزل بالقرآن، وأما حديث عائشة الذي رواه البزار وابن جرير : " ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفسر شيئـًا من القرآن، إلا آيات بعدد علمه إياهنَّ جبريل " فهو حديث منكر، وإن أوّله ابن جرير ..
فإن لم يجده في السُّنّة رجع إلى أقوال الصحابة، فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوه من القرائن والأحوال عند نزوله، ولما اختصوا به من الفهم التام والعلم الصحيح والعمل الصالح ..

فإن لم يجد عن أحد من الصحابة رجع إلى أقوال التابعين، " وربما وقع في عباراتهم تباين في الألفاظ، فحسبها بعض من لا فطنة له اختلافـًا فيحكيها أقوالاً ، ومنهم من ينص على الشيء بعينه، والكل بمعنى واحد في ـ كثير من الأماكن فليتفطن اللبيب لذلك "، وأما قول ـ شعبة بن الحجاج ـ : أقوال التابعين في الفروع غير حجة، فكيف تكون حجة في المفسر ‍‍!! فمعناه أنها لا تكون حجة على غيرهم ممن خالفهم، وهو صحيح، أما إذا أجمعوا على الشيء فلا يرتاب في كونه حجة، فإن اختلفوا لم يكن قول بعضهم حجة على بعض، ولا على من بعدهم، ويرجع في ذلك إلى لغة القرآن أو السُّنّة، أو عموم لغة العرب، أو أقوال الصحابة " .

وعليه - أي المفسر - أن لا يكون تفسيره من الأقوال المحتملة البعيدة، والتفاسير الغريبة، ولا يتكلف في حمل الآية على مذهبه إذا كان ظاهرها يخالفه، ففي الحديث : < مراء في القرآن كفر >، وأن يرجح من " الأقوال "، ما وافق قراءة أخرى كقوله تعالى : ( أو لا مستم النساء )(النساء/43) فتفسير الملامسة " بالجس " باليد أولى من الجماع لموافقته للقراءة الأخرى ( أو لمستم .. ) (النساء/43).

ويحرم تحريمـًا غليظـًا أن يفسر القرآن بما لا يقتضيه جوهر اللفظ كما فعل ابن عربي المبتدع الذي ينسب إليه كتاب " الفصوص " الذي هو كفر كله، وكما يحكى عن بعض الملاحدة أنه قال في قوله تعالى : ( من ذا الذي يشفع )(البقرة/255) أن معناه من ذل ـ أي من الذل ـ " ذي " إشارة إلى النفس ، " يشف " جواب " من " من الشفا " ع " فعل أمر من الوعي.
ويحرم أن يخرّج القرآن على القواعد المنطقية، وقد اتفق أهل عصرنا - من يبيح المنطق منهم ومن يحرمه - على التغليظ على بعض العجم، وقد خرج بعض آيات القرآن عليه، وأفتوا بتعزيره، وأنه أتى بابًا من العظائم، وإذا أعرب آية أعربها على أظهر محتملاتها ـ وأرجحها ـ، ولا يذكر كل ما يحتمله وإن كان بعيدًا جائزًا إلا لقصد ـ التمرين، ولا يذكر الاقاصيص التي لا يدري صحتها، خصوصـًا الإسرائيليات، وليقتصر منها على ما تدعو الضرورة إليه إذا كان في الآية إشارة إليه، متحريـًا ما ورد.

هذه كانت بعض الآداب التي ذكرها أهل العلم والفضل لم أراد أن يتصدى لتفسير القرآن ، ولا شك أن هذا التشديد من العلماء في شروط المفسر وآدابه من باب حفظ كتاب الله حتى لا يتطاول عليه من ليس أهلا لتفسيره فيضل ويضل ، وصدق الله العظيم إذ يقول : ( إنانحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون " .

نور العين
01-Dec-2004, 09:36 AM
شرف علم التفسير

الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده .. وبعد
فإن قيمة أي علم وأهميته إنما تقاس بأهمية المعلوم، والغرض من تعلمه، وبمقدار حاجة العباد إلى ذلك العلم وضرورتهم إليه، ومن ثَم كان علم تفسير القرآن من أجل علوم الشريعة وأرفعها قدرًا، إذ هو أشرف العلوم موضوعا وغرضا وحاجة إليه _ لأن موضوعه كلام الله تعالى الذي هو ينبوع كل حكمة، ومعدن كل فضيلة ولأن الغرض منه هو


الاعتصام بالعروة الوثقى والوصول إلى السعادة الحقيقية .
وحاجة الناس إليه وضرورتهم له فوق كل حاجة ، وأعظم من كل ضروروة، وإنما اشتدت الحاجة إليه لأن كل كمال ديني أو دنيوي لا بد وأن يكون موافقا للشرع ، وموافقته تتوقف على العلم بكتاب الله . وبمعرفة التفسير يعرف الإنسان منهج الله الذي أودعه كتابه، وما في هذا المنهج من الراحة والطمأنينة والرفعة والبركة والطهارة، كما يعلم أيضا منهج الشيطان ، ووهو كل منهج خالف منهج القرآن ، وما في هذه المناهج من الفساد والضياع والضنك والضلال ( فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى، ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكى ونحشره يوم القيامة أعمى).

الأمر بتدبر القرآن

لما كان القرآن الكريم رسالة الله إلى عباده ودستوره الذي أنزله إليهم ليعملوا به ويتحاكموا إليه كان لابد لهم أن يفتحوا تلك الرسالة ويقرؤوها ويفهموا ما فيها حتى يمكنهم أن ينفذوا ما فيها ويطبقوه؛ ولذلك أمرهم الله سبحانه بتدبره وتفهمه وحثهم عليه فقال سبحانه : ( كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب ) وقال : ( أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها )، ( أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا )

وقال تعالى: ( يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ) ، قال ابن عباس :
"الحكمة: المعرفة بالقرآن ناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه ومقدمه ومؤخره وحلاله وحرامه وأمثاله". (أخرجه ابن أبي حاتم وغيره)
وقال تعالى: (وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون). أخرج ابن أبي حاتم عن عمرو ابن مرة قال: ما مررت بآية في كتاب الله لا أعرفها إلا أحزنتني؛ لأني سمعت الله يقول : " وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون ".

اهتمام السلف بتفسير القرآن
ذكر الإمام الطبري بسنده عن ابن مسعود قال : كان الرجل مـِنـَّا إذا تعلَّم عَشر آيات لم يجاوزهُنَّ حتى يعرف معانيهُنَّ ، والعمل بهنَّ .
وعن أبي عبد الرحمن السلمي قال: حدثنا الذين كانوا يُقرئوننا القرآن: أنهم كانوا يستقرئون من النبي صلى الله عليه وسلم ، فكانوا إذا تعلَّموا عَشر آيات لم يخلِّفوها حتى يعملوا بما فيها من العلم والعمل ، فتعلَّمنا القرآن والعلم والعمل جميعــًا .
وعن عبد الله ـ يعني ابن مسعود ـ قال: والذي لا إله غيره، ما نزلت آية في كتاب الله إلا وأنا أعلم فيمَ نزلت، وأين نزلت، ولو أعلم مكان أحدٍ أعلم بكتاب الله مِنّي تنالُه المطايا لأتيته .
وعن أبي وائل شقيق بن سلمة : قال : قرأ ابنُ عباس سورة البقرة، فجعل يُفسرها فقال رجل: لو سمعتْ هذا الديلمُ لأسلمت .

وأخرج ابن الأنباري عن أبي بكر الصديق قال: لأن أُعرب آية من القرآن أحب إلي من أن أحفظ آية . وعن عبد الله بن بريدة عن رجل من أصحاب النبي قال: لو أني أعلم إذا سافرت أربعين ليلة أعربت آية من كتاب الله لفعلت . ( قال الإمام السيوطي : الإعراب هنا بمعنى البيان والتفسير ).

أقوال في فضل التفسير
أخرج أبو ذر الهروي في فضائل القرآن من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: الذي يقرأ القرآن ولا يحسن تفسيره كالأعرابي يهذ الشعر هذا.
وعن سعيد بن جُبير قال : من قرأ القرآن ثم لم يُفسره ، كان كالأعمى أو كالأعرابي .
وذكر القرطبي عن إياس بن معاوية قوله: "مثل الذين يقرؤون القرآن وهم لا يعلمون تفسيره كمثل قومٍ جاءهم كتاب من ملكهم ليلاً وليس عندهم مصباح ، فتداخلتهم روعةٌ ولا يدرون ما في الكتاب، ومثل الذي يعرف التفسير كمثل رجل جاءهم بمصباح فقرؤوا ما في الكتاب) (تفسير القرطبي1/26).

قال الإمام السيوطي : أجمع العلماء على أن التفسير من فروض الكفايات، وأجل العلوم الثلاثة الشرعية .
قال الأصبهاني : أشرف صناعة يتعاطاها الإنسان تفسير القرآن . ثم بين ذلك على ما تجده في كتاب الإتقان للسيوطي 2/175.

وأخرج أبو عبيد عن الحسن قال: ما أنزل الله آية إلا وهو يحب أن تُعلم فيم أنزلت وما أراد بها .
وقال ابن جرير الطبري ما ملخصه: وفي حثِّ الله عز وجل عباده على الاعتبار بما في آي القرآن من المواعظ والبينات ـ بقوله جل ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم كتاب أنزلنا إليك مباركٌ ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب ) (ص/29)، وما أشبهه من آي القرآن ما يدل على أن عليهم معرفة تأويل ما لم يُحجب عنهم تأويله من آيه؛ لآنه محالٌ أن يُقال لمن لا يفهم اعتبر بما لا فهم لك به ولا معرفة. (تفسير ابن جرير الطبري1/60)

وقد أشار الإمام القرطبي إلى أهمية التفسير فعقد فصلاً موجزًا في ذلك .( انظر القرطبي1/26).

قال الإمام ابن كثير : الواجب على العلماء الكشف عن معاني كلام الله وتفسير ذلك، وطلبه من مظانه، وتعلم ذلك وتعليمه كما قال تعالى: ( وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولاتكتمونه .. الآية ( تفسير القرآن العظيم1/4 ).
وفي صفوة البيان لحسنين مخلوف: وقد ورد عن النبي صلى لله عليه وسلم وعن أصحابه والتابعين حث المسلمين في كل العصور على أن يتخذوا إمامهم القرآن، ويهتدون بهديه، ويخضعون لحكمه،ويجتهدون في تعلمه، تفهم أسراره،وتدبر معانيه ... فقارئ القرآن وسامعه ينبغي له أن يعرف تفسير ما يحتاج إلى تفسيره من آياته ؛ إذ كانت هي الصراط المستقيم، وهي النور والهدى، وهي الحجة والبرهان، وهي أصل كل علم، ومنبع كل خير . ( صفوة البيان 6،7 )

وقال الشيخ سيد قطب: ... والبشرية من صنع الله تعالى؛ ولذلك لا تفتح مغاليق فطرتها إلا بمفاتيح من صنع الله خالقها، ولا تعالج أمراضها وعللها إلا بالدواء الذي يخرج من يده سبحانه، وقد جعل الله مفاتيح كل مغلق، وشفاء كل داء في كتابه المجيد: (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين) ( إن هذاالقرآن يهدي للتي هي أقوم ). ( في ظلال القرآن 1/15).

وبعد فهذه قطرة من بحر فضل هذا العلم ، تكفي اللبيب لمعرفة فضله ، وتشحذ الهمم لتعلمه والسعي في تفهمه ، نسأل الله تعالى أن يفتح على عباده أبواب العلم والفهم لدينه وكتابه...آمين

نور العين
01-Dec-2004, 09:38 AM
سعيد بن جبير - جهبذ العلماء

جهبذ من الجهابذة ، وعلم من الأعلام ، وشمس ظهر نورها ، وقمر بزغ نوره ، إن عددت المفسرين ذكرته ، وإن عددت القراء ذكرته ، لا يذكر ظلم الحجاج وبغيه ، إلاو يذكر الناس صاحب هذه الترجمة ، قتله الحجاج حيـًا ، لكنه قتل الحجاج وهو ميت ، قتله الحجاج مرة واحدة ، لكنه قتل الحجاج مرتين ، مرة حين قال : اللهم لا تسلطه على أحد يقتله بعدي ، وفي المرة الثانية قتله فيها مرات ومرات ، حتى كان الحجاج يقوم من نومه مفزعـًا وهو يقول : هذا سعيد بن جبير آخذ بخناقي ، هذا سعيد بن جبير يقول فيم قتلتني ، ثم يبكي ويقول مالي ولسعيد بن جبير ؟‍! مالي ولسعيد بن جبير ؟‍‍!
إن صاحب هذه الترجمة ، رفيق لحمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه سيد الشهداء ،فقد قام صاحبنا وقال كلمة الحق عند سلطان جائر ، فقتله ،إي والله قتله ، لكنه قتل رضي الله عنه يوم قتل وهو رابط الجأش ثابت الخطى ، قوي الإيمان ، باسم الثغر ، مطمئن القلب ، مرتاح الفؤاد ، ولقد ظهرت على الرجل صفاته القرآنية ، فكان قرآنيـًا بحق ، يؤمر بقتله فيقول : (وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفـًا وما أنا من المشركين )(الأنعام/79) ، فيقال : وجهوه عن القبلة ، فيقول : ( فأينما تولوا فثم وجه الله )(البقرة/115) ، فيقال : كبوه على الأرض فيقول : ( منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى )(طه/55) .
أرأيت حجة كهذه ؟ وفصاحة كتلك ؟ إن صاحب هذه الترجمة هو الإمام المفسر القارئ الشهيد رفيق حمزة بن عبد المطلب جهبذ العلماء " سعيد بن جبير " .

نسبه :
هو أبو عبد الله، ويقال أبو محمد سعيد بن جبير الأسدي الوابلي الحبشي أصلاً العربي ولاءً الإمام الحافظ القارئ المفسر الشهيد .

نشأته :
نشأ سعيد منذ نعومة أظفاره حريصـًا على العلم، شغوفـًا بطلبه، مهتمـًا به، ولم يثنيه أصله الحبشي عن طلب العلم، بل أدرك منذ حداثة سنّه أن العلم هو الطريق القويم الذي يوصله إلى الله وأن التقى هو سبيله الممهدة التي تبلغ به الجنة، فجعل التقى مطيته والعلم دابته، وانطلق بهما غير آبهٍ بما حوله .

مكانته العلمية :
اشتغل سعيد بن جبير بطلب العلم، وشجعه على ذلك إدراكه عددًا لا بأس به من الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ ولم يترك فرصة أمامه تلوح له إلا واقتنصها، فأخذ عن ابن عباس، وعبد الله بن مغفل، وعائشة، وعدي بن حاتم، وأبي موسى، وأبي هريرة، وابن عمر، وابن الزبير، وغيرهم، غير أن سعيدًا ـ رضي الله عنه ـ أدرك مكانة ابن عباس فلازمه وأخذ منه القرآن والتفسير والحديث واللغة ، وتعلم منه التفقه في الدين ،وأدرك أسرار التأويل، فكان بحق حجة وإمامـًا، ولما اكتمل له ما أراد من العلم اتخذ الكوفة دارًا له، يبث فيها علمه، وينشر فيها فقهه، ويربّى فيها تلامذته، ولقد ظهر نبوغه ـ رضي الله عنه ـ هذا حتى كان الناس يأتون ابن عباس فيسألونه فيقول لهم : أليس فيكم ابن أم الدهماء ؟ يعني سعيدًا ـ رضي الله عنه ـ ويعبر عن ذلك إسماعيل بن عبد الملك فيقول : كان سعيد بن جبير يؤمُّنا في شهر رمضان فيقرأ ليلة بقراءة ابن مسعود، وليلة بقراءة زيد بن ثابت، وليلة بقراءة غيره، وهكذا .
ويبدو أن هذه المكانة العالية التي أدركها ابن جبير في العلم ترجع إلى أمور عدة منها :
1- أخذه عن عدد كبير من الصحابة فجمع ما كان لدى كل واحد منهم .
2- ملازمته الطويلة لعبد الله بن عباس ـ رضي الله عنهما ـ وعبد الله هو حبر الأمة وترجمان القرآن، فما ظهر عليه فيما بعد فكان خير خلف لخير سلف، وخير تلميذ لخير أستاذ، وكان ابن عباس يأمره بأن يحدث ويقول : حدث .. فيقول سعيد : أحدث وأنت هاهنا ؟! قال : أوليس من نعمة الله عليك أن تحدث وأنا شاهد، فإن أصبت فذاك وإن أخطأت علمتك .
3- تعمق سعيد ـ رضي الله عنه ـ في القراءات، فقد جمع ـ رضي الله عنه ـ بين قراءة ابن مسعود، وزيد بن ثابت، وغيرهما من الصحابة، مما زوده بعمق في المعنى وإدراك للمقصود .

عبادته :
ومع هذا فلم يكن سعيد ـ رضي الله عنه ـ ممن ينشغل بطلب العلم عن قراءة القرآن؛ بل كان قارئـًا له بالنهار، تاليـًا له بالليل، متدبرًا لآياته، منفذًا لأحكامه، يقول هلال ابن يساق : دخل سعيد بن جبير الكعبة فقرأ القرآن في ركنه . (رواه أحمد في الزهد) .
وقال عبد الملك بن سليمان : كان سعيد يختم القرآن في كل ليلتين .(أحمد في الزهد) .

استجابة دعائه :
وكان سعيد ـ رحمه الله ـ مستجاب الدعوة، وقد جاء أنه كان له ديك، وكان سعيد يقوم من الليل بصياحه، فلم يصح ليلة من الليالي حتى أصبح، فلم يصل سعيد تلك الليلة، فشق عليه، فقال : ما له قطع الله صوته ؟ فما سمع له صوت بعد، فقالت له أمه : يا بني لا تدع على شيء بعدها . ( أبو نعيم في الحلية) .

خوفـه :
وكان سعيد ـ رحمه الله ـ شديد الخوف من الله، يطيل الدمعة، ويكثر العبرة، فكان إذا خلا بالليل، صف قدمه، ورتل القرآن، فيكثر البكاء، قال القاسم الأعرج : كان سعيد يبكي بالليل حتى عمش، وقال ابن شهاب : كان سعيد بن جبير يؤمنا يرجع صوته بالقرآن، وكان ـ رحمه الله ـ كثير ذكر الموت، ملازمـًا له، وكان يقول : لو فارق ذكر الموت قلبي لخشيت أن يفسد علي قلبي .(أحمد في الزهد) .

ما قيل فيه :
لا يستطيع أحدٌ أن يُنكر منزلة سعيد ـ رحمه الله ـ في العلم والتفسير، وقد شهد بذلك جهابذة العلم، وعده بعضهم جهبذًا من جهابذة هذا الدين .
قال أشعث بن إسحاق : كان يقال : سعيد بن جبير جهبذ العلماء، وقال فيه عمرو بن ميمون قال أبي : لقد مات سعيد بن جبير وما على ظهر الأرض أحد إلا وهو محتاج إلى علمه .
وقال أحمد بن حنبل مثل ذلك : لقد قتل سعيد بن جبير وما على الأرض أحد إلا وهو محتاج إلى علمه .
وقال فيه حبر الأمة ابن عباس لأهل الكوفة : أليس فيكم ابن أم الدهماء ؟ وسئل ابن عمر عن فريضة " مسألة في الميراث " فقال للسائل : ائت سعيد بن جبير فإنه أعلم بالحساب مني وهو يفرض فيها ماأفرض. وقال خصيف : كان أعلمهم بالقرآن مجاهد، وأعلمهم بالحج عطاء، وأعلمهم بالحلال والحرام طاووس، وأعلمهم بالطلاق سعيد بن المسيب، وأجمعهم لهذه العلوم سعيد بن جبير .
وقال عليّ بن المديني : ليس في أصحاب ابن عباس مثل سعيد بن جبير، قيل ولا طاووس ؟ قال : ولا طاووس، ولا أحد .
وقال سفيان الثوري : خذوا التفسير عن أربعة : سعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، والضحاك .

سعيد وفتنة ابن الأشعث :
وفي سنة اثنتين وثمانية للهجرة وقع ما يسمى بفتنة ابن الأشعث، وكان سبب هذه الفتنة أن ابن الأشعث كان الحجاج يبغضه، وكان هو يفهم ذلك ويضمر له السوء وزوال الملك عنه ، وكان الحجاج قد جهز جيشـًا في سنة ثمانين من الكوفة والبصرة وغيرهما، فجهز أربعين ألفـًا وأمر عليهم ابن الأشعث لقتال رتبيل ملك الترك، والذي كان قتل جيش عبيد الله بن أبي بكرة في السنة الماضية، ولما توجه ابن الأشعث، أخذ بعض بلاد الترك، ثم رأى لأصحابه أن يقيموا حتى يتقووا إلى العام المقبل، فكتب إلى الحجاج بذلك فكتب إليه الحجاج يستهجن رأيه، ويستضعف عقله، ويقرعه بالجبن والنكول عن الحرب، ويأمره حتما بدخول بلاد رتبيل،ثم أرسل إليه ثانية وثالثة، فجمع ابن الأشعث رؤوس العراق وقال لهم، إن الحجاج ألح عليكم في الايغال في بلاد العدو، وهي البلاد التي هلك فيها أخوانكم بالأمس، وقد أقبل عليكم فصل الشتاء والبرد، ثم قام فيهم خطيبـًا وأخبرهم برأيه بإصلاح البلاد التي فتحوها، وأن يقيموا بها حتى يتقووا بغلاتها وأموالها ويخرج عنهم فصل البرد ثم يسيرون إلى بلاد العدو، فنزلوا على رأيه وخلعوا بيعة الحجاج، وبايعوا ابن الأشعث وكان ممن بايع ابن الأشعث القراء والعلماء وعلى رأسهم سعيد بن جبير ومطرف والشعبي وغيرهم وعزم الحجاج على قتالهم ، فوقعت بينهم معارك منها معركة الزاوية سنة اثنتين وثمانين، ووقعة دير الجماجم ، إلى أن استطاع الحجاج هزيمة ابن الأشعث، وتفرق الناس من حوله، وهرب منهم من هرب، وكان من بينهم سعيد بن جبير، وكان الحجاج يدعوهم ليجددوا بيعتهم، فسبق إلى الحجاج نفر غير قليل، فقتل منهم جمـًا غفيرًا، وكان الحجاج يقرهم على أنفسهم بالكفر إذ خلعوا البيعة، فإن أقر بكفره، وبايع تركه وإلا قتله، وظل سعيد يتخفى من مكان إلى مكان حتى استقر به المقام في قرية صغيرة في أراضي مكة واستمر ذلك عشر سنين، فلما ولي المدينة خالد بن عبد الله القسري وكان سيئ السيرة حذر الناس سعيدًا منه وأمروه بالخروج من البلد، فقال سعيد : والله لقد فررت حتى صرت استحي من الله ، ولقد عزمت على أن أبقى في مكاني هذا، وليفعل الله بي ما يشاء، وأطبق الجند على بيت سعيد فقيدوه وأخذوه وأخذت ابنته تبكي وتمسك به فنحاها بعيدًا عنه وقال لها : قولي لأمك يا بنية : إن موعدنا الجنة إن شاء الله .

نور العين
01-Dec-2004, 09:39 AM
سعيد والحجاج :
بلغ الجند بالإمام الحبر العابد الزاهد، التقي النقي الورع مدينة " واسط " وأدخلوه على الحجاج، فلما صار عنده نظر إليه في حِقدٍ وقال : ما اسمُك ؟ فقال : سعيد بن جبير ، فقال : بل شقيٌ بنُ كُسَيْرٍ ، فقال : بل كانت أُمِّي أعلم باسمي منك ، فقال : ما تقول في مُحمَّدٍ ؟ قال : تعني مُحمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه ؟! فقال نعم : قال : سيدُ ولد آدم، النبيُّ المصطفى .. خيرُ من بقي من البشر، وخيرُ من مضى .. حمل الرسالة، وأدى الأمانة .. ونصح لله، ولكتابه، ولعامَّةِ المُسلمين، وخاصتهم، قال : فما تقول في أبي بكر ؟ قال : هو الصّدّيق خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذهب حميدًا، وعاش سعيدًا .. ومضى على منهاج النبي صلوات الله وسلامه عليه، لم يُغيّر ولم يُبدِّلْ، قال : فما تقول في عمر ؟! قال : هو الفاروق الذي فرق الله به بين الحق والباطل .. وخيرةُ الله وخيرةُ رسوله، ولقد مضى على منهاج صاحبيه .. فعاش حميدًا، وقتل شهيدًا، قال : فما تقول في عثمان، قال : هو المُجَهِّز لجيش العُسرة .. الحافر بئر رُومة .. المشتري بيتـًا لنفسه في الجنة .. صِهْرُ رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابنتيه ، ولقد زوجه النبي بوحي من السماء، وهو المقتول ظُلمـًا، قال : فما تقول في علي ؟! قال : ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأول من أسلم من الفتيان .. وهو زوجُ فاطمةَ البتول، وأبو الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، قال : فأيُّ خلفاء بني " أمية " أعجب لك ؟ قال : أرضاهم لخالقهم، قال : فأيهم أرضى للخالق ؟ قال : علمُ ذلك عند الذي يعلم سرهم ونجواهم، قال : فما تقول فيّ ؟ قال : أنت أعلمُ بنفسك ، قال : بل أريد علمك أنت ، قال : إذن يسُوءك ولا يسرُّك ، قال : لابد من أن أسمع منك ، قال : إني لأعلم أنك مُخالفٌ لكتاب الله تعالى .. تُقدم على أمور تريد بها الهيبة، وهي تُقحمك في الهلكة ، وتدفعك إلى النار دفعـًا ، قال : أما والله لأقتُلنك ، قال : إذن تُفسد علي دُنيايَ، وأُفسد عليك آخرتك ، قال : اختر لنفسك أي قتلة شئت، قال : بل اخترها أنت لنفسك يا حجاج .. فوالله ما تقتلني قتلةً إلا قتلك الله مثلها في الآخرة ، قال : أفتريد أن أعفو عنك ؟ قال : إن كان عفوٌ فمن الله تعالى .. أما أنت فلا براءة لك ولا عذر . فاغتاظ الحجاج وقال:السَّيف والنطع (بساط من الجلد يضرب عليه القتيل) يا غلام ، فتبسم سعيد، فقال له الحجاج : وما تبسمك ؟! قال : عجبتُ من جراءتك على الله وحلم الله عليك ، فقال : اقتله يا غلام ، فاستقبل القبلة وقال : ( وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفـًا وما أنا من المشركين )(الأنعام/79) فقال : حرفوا وجهه عن القبلة ، فقال : ( فأينما تولوا فثم وجه الله )(البقرة/115) فقال : كُبُّوه على الأرض ، فقال : ( منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارةً أخرى )(طه/55) فقال : اذبحوا عدو الله ، فما رأيت رجلاً أدعى منه لآيات القرآن فرفع سعيدٌ كفيه وقال : اللهم : لا تسلِّط الحجاج على أحدٍ بعدي ،

لم يمض على مصرع سعيد بن جبير غير خمسة عشر يومـًا حتى حُمَّ الحجاج، واشتدت عليه وطأة المرض، فكان يغفو ساعةً ويفيق أخرى ، فإذا غفا صغيرةً؛ استيقظ مذعورًا وهو يصيح : هذا سعيد بن جبير آخذٌ بخناقي، هذا سعيد بن جبير يقول : فيم قتلتني ؟! ثم يبكي ويقول : ما لي ولسعيد بن جبير ؟!! رُدوا عني سعيد بن جبير .. فلما قضى الحجاج نحبه وووري التُراب، رآه بعضهم في المنام فقال له : ما فعل الله بك في مَن قتلتهم يا حجاج ؟ فقال : قتلني الله بكل امرئ قتلةً واحدة .. وقتلني بسعيد بن جبير سبعين قتلة .
وكان مقتله رضي الله عنه سنة 95هـ رحمه الله رحمة واسعة .

المراجع :
1- البداية والنهاية : " ابن كثير " جـ9
2- سير أعلام النبلاء : " الذهبي جـ5
3- صور من حياة التابعين: " عبد الرحمن رأفت الباشا".
4- التفسير والمفسرون : " د.محمد حسين الذهبي " جـ1
5- الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفاسير : " د. محمد أبو شهبة " .

نور العين
01-Dec-2004, 09:40 AM
عبد الله بن عباس
نسبه : هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي ، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم أمه لبابة الكبرى بنت الحارث الهلالية .

مولده : ولد والنبي صلى الله عليه وسلم بالشعب بمكة في حصار قريش للمسلمين فأتى به فحنكه الرسول صلى الله عليه وسلم بريقه وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين ، ولازم الرسول صلى الله عليه وسلم في صغره ، وذلك لقرابته من الرسول ولأن خالته ميمونة كانت من أزواج الرسول صلى الله عليه وسلم . توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأبن عباس من العمر ثلاث عشرة سنة ، قال الواقدي: "وهذا ما لا خلاف فيه بين أهل العلم" ، لازم ابن عباس كبار الصحابة ، وأخذ عنهم ما فاته في صغره حتى شهدوا له بعد ذلك ، قاتل ابن عباس مع علي رضي الله عنه وكان على الميسرة يوم صفين ، وولاّه علي على البصرة ، وظلّ عليها حتى قتل علي رضي الله عنه .

مكانته العلمية : يعتبر ابن عباس رئيس المفسرين وشيخهم ، وإن ذكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ففارس الحلبة في هذا الميدان هو ابن عباس ، ولا غرو فقد لُقّب بالبحر والحبر وترجمان القرآن ، وانتهت إليه الرياسة في الفتوى والتفسير حتى قال ابن مسعود : "نعم ترجمان القرآن ابن عباس" (البيهقي في الدلائل) ، وقال مجاهد : "كان ابن عباس يُسمَّى البحر لكثرة علمه" (أنو نعيم) ، ولما مات زيد بن ثابت قال أبو هريرة : "مات حبر هذه الأمة ولعل الله أن يجعل في ابن عباس خلفاً" . (ابن سعد) ، وكان عمر يجلسه في مجلسه مع كبار الصحابة ويدنيه منه ويقول له : "إنك لأصبح فتياننا وجهاً ، وأسنهم عقلاً ، وأفقههم في كتب الله" ، وكان يقول : "ذاكم فتى الكهول ، إن له لساناً سؤولا وقلباً عقولاً "، ولكانت المسائل المعضلة تأتي عمر فيقول لابن عباس : "أنت لها ولأمثالها" ، وقال فيه عطاء : "ما رأيت أكرم من مجلس ابن عباس أصحاب الفقه عنده ، وأصحاب القرآن عنده ، أصحاب الشعر عنده ، يصدرهم كلهم من واد واسع" ، ولقد فاق ابن عباس أقرانه من الصحابة ومن سبعة كذلك منهم إلى الإسلام بأمور ذكرها عبيد الله بن عبد الله بن عتبه حيث قال : كان ابن عباس قد فاق الناس بخصال : يعلم ما سبقه ، وفقه فيما احتيج إليه من رأيه ، وحلم ونسب وتأويل ، ولما سُئل طاووس لزمت هذا الغلام -يعني ابن عباس- وتركت الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إني رأيت سبعين رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ تدارءوا في أمر صاروا إلى قول ابن عباس .

كان عمر وهو عمر صاحب الفراسة ، وذو النظر الثاقب في الرجال يدنيه كما ذكرنا من مجلسه ، ويحتاج إلى رأيه ، ولقد لاحظ ذلك العباس رضي الله عنه فقال لابنه : "إن عمر يدنيك من مجلسه مع أكابر الصحابة فاحفظ عني ثلاثاً لا تفشين له سراً ولا تغتاب عنده أحداً ولا يجربَّن عليك كذباً "، ولقد برهن عمر لأصحابه عن قدرات ابن عباس حين وجد بعض أصحابه في نفسه من تقديم ابن عباس وفي أولادهم من هم أسن منه فقال عمر : "إنه من أعلمكم ، ثم دعاه عمر رضي الله عنه وسأل أصحابه عن تفسير (إذا جاء نصر الله والفتح) (النصر:1) ، فسكت بعضهم وأجاب بعضهم بجواب لم يرتضه عمر ثم سأل ابن عباس عنها فقال: أجل الله نعي إليه فقال : لا أعلم منها إلا بما تعلم . (متفق عليه) .
ولقد كان يفتي الناس في عهد عثمان كما كان في عهد عمر ، وكان علي يدنيه منه وقال له يوم صفين : "أقر الله عين من له ابن عم مثل هذا" ، وكان ينتقد ابن عباس علياً فيرجع إلى رأيه ومن ذلك لما حرق علي من أرتد فقال ابن عباس لو كنت أنا لم أحرّقهم بالنار إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : < لا تعذبوا بعذاب الله > بل كنت قاتلهم لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : < ومن بدل دينه فاقتلوه> فبلغ ذلك علياً فقال : ويح ابن عباس إنه لغواص على الهفات ، (رواه أحمد والهنات أي الأشياء والأمور) .

ابن عباس وأسباب نبوغه : ولقد كان لشهرة ابن عباس بعمله الواسع بين الناس أسباباً منها :
1.دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم له < اللهم فَقَّهُ في الدين وَعَلمْهُ التأويل> (رواه أحمد) وذلك حين خرج الرسول صلى الله عليه وسلم للخلاء فوجد وضوءاً فقال : < من وضع ذا؟> فقيل ابن عباس .
ويحكي هو فيقول : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم من آخر الليل فصليت خلفه ، فأخذ بيدي فجرَّني حتى جعلني حذائه فلما أقبل رسول الله علي صلاته خلست (تأخرت) فصلى رسول الله ، فلما أنصرف من صلاته قال : <ما شأني أجعلك في حذائي فتخنس؟ > فقلت : يا رسول الله أو ينبغي لأحدٍ أن يصلي في حذائك وأنت رسول الله الذي أعطاك الله عز وجل؟ قال : < فأعجبته فدعا لي أن يزيد لي الله علماً وفهماً > (رواه أحمد ) .
2. قرابته من الرسول صلى الله عليه وسلم ، فقد كان ابن عمه ونشأته في بيت النبوة عند خالته ميمونة بنت الحارث ، وكان ذلك داع لسماعه كثيراً من الحديث وحضوره كثيراً من المواقف .
3. حرصه رضي الله عنه على أن يتلقى العلم من أهله بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، لذا فقد جمع ابن عباس علم عمر وعلي وأُبي بن كعب ، وكان ابن عباس يقول : إن كنت لأسأل عن الأمر الواحد ثلاثين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولما قبل له أنى أصبت هذا العلم ؟ قال : "بلسان سؤول وقلب عقول".
4. تفانيه في طلب العلم وملازمته الأنصار فهو يقول : وجدت عامة علم رسول الله صلى الله عليه وسلم عند هذا الحي من الأنصار إن كنت لأقيل بباب أحدهم ، ولو شئت أن يؤذن لي عليه لأذن لي ، ولكن ابتغي بذلك طيب نفسه ، ولقد عرض ابن عباس على واحد من الأنصاري أن يلازمه في طلب العلم فقال له الأنصار : "يا عجباً لك يا ابن عباس ، أترى الناس يفتقرون إليك وفي الناس من أصحاب رسول الله من فهم ؟": قال : فترك ذلك ، وأقبلت أنا أسأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن كان ليبلغني الحديث عن الرجل فآتي بابه وهو قائل فأتوسد ردائي على بابه يسفي الريح علي من التراب ، فعاش هذا الرجل الأنصاري حتى رآني وقد اجتمع حولي الناس يسألوني ، فيقول : هذا الفتى كان أعقل مني (رواه البيهقي ).
5. حفظه للغة العربية ومعرفته خصائصها وآدابها ، وكثيراً ما كان يستشهد لألفاظ القرآن بأقوال العرب وشعرها ، وقصة ابن عباس مع نافع بن الأزرق ونجدة ابن عويمر معروفة ومشهورة حين قالا له : إنا نريد أن نسألك عن أشياء من كتاب الله فتفسرها لنا ، وتأتينا بمصادقة من كلام العرب ،فقال ابن عباس : سلاني عما بدا لكما ، فقال نافع : أخبرني عن قول الله (عن اليمين وعن الشمال عزين) (المعارج:37) قال العزون : حِلق الرفاق ، قال أهل تعرف العرب ذلك ؟ قال : نعم أما سمعت عبيد بن الأبرص هو يقول :
فجاؤا يهرعون إليه حتى يكونوا حول منبره عزينا.
6. ما وهبه الله به من عقل راجح وقريحة وقادة ورأي صائب ، وإيمان راسخ ، ودين متين ، وقد قال فيه عمر : "نعم ترجمان القرآن عبد الله بن عباس" ، وكان إذا أقبل يقول: "جاء فتى الكهول وذو اللسان السؤول والقلب العقول" .
7. بلوغه مرتبة الاجتهاد، وعدم تحرجه منه ، وشجاعته في ذلك دون أن يخشى في الله لومة لائم ، وقد كان ابن عمر يعجب من جراءة ابن عباس حتى سمع منه تفسيره لقوله تعالى ( أو لم ير الذين كفروا أنّ السموات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما) (الأنبياء:30) قال ابن عمر : "قد كنت أقول ما يعجبني جرأة ابن عباس على تفسير القرآن فالآن قد علمت أنه أوتي علماً" .

ابن عباس والكتاب المُسمّى بتنوير المقابس :
جمع أبو طاهر محمد بن يعقوب الفيروزابادي صاحب القاموس المحيط كتاباً أسماه تنوير المقابس من تفسير ابن عباس وقد طبع في مصر مراراً ، ويدور هذا الكتاب في كل ما رؤية على طريق واحد تقريباً هي طريق السدي الصغير عن محمد بن السائب الكلبي عن ابن صالح عن ابن عباس ، وهذه السلسلة هي المعروفة بسلسلة الكذب ، وقد قال أن عبد الحكم سمعت الشافعي يقول : "لم يثبت عن ابن عباس في التفسير إلا شبيه بمائة حديث" .
وقد ترى التناقض ظاهراً بين ما يروى في هذا الكتاب مروياً عن ابن عباس وما يروى في غيره من كتب التفاسير .
أسباب كثرة الرواية عن ابن عباس :

ازدادت الرواية عن ابن عباس أكثر من غيره من الصحابة حتى كانت هذه الطرق قريباً من تسع طرق ، وكان لكثرة الرواية عن ابن عباس أسباب منها :
1. أنه من بيت النبوة وهذا يضفي على الرواية نوعاً من الثقة والقبول .
2. كون ابن عباس هو الجد الأعلى للخلفاء العباسيين فكان الناس يتزلفون إلى الولاة بما يرونه عن جدهم .
3. كثرة علم ابن عباس وهو داعٍ لأن ينتسب إليه من شاء وما شاء .

طرق الرواية عن ابن عباس :
لما كان لابن عباس رضي الله عنه هذه المنزلة فقد أعطت الرواية عنه نوعاً من الثقة لذا تعددت الطرق عنه ومنها:
1. طريقة معاوية بن صالح عن علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس وهي أجودها وكثيراً ما اعتمد على هذه الطريقة الطبري وابن أبي حاتم .
2. طريقة ابن اسحاق صاحب السَيّرَ عن محمد مولى ابي محمد مولى آل زيد ابن ثابت عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس وهي طريقة جيدة وإسنادها حسن، وأخرج منها جرير وابن أبي حاتم والطبراني في الكبير .
3. طريقة قيس بن مسلم الكوفي عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وهذه الطريقة صحيحة على شرط الصحيحين .
4. طريقة إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير تارة عن ابن مالك ، وتارة عن أبي صالح عن أبن عباس ، وإسماعيل السدي مختلف فيه وحديثه عند مسلم وأهل السنن الأربعة.
5. طريقة عبد الملك بن جريج عن ابن عباس وهي تحتاج إلى دقة في البحث ليعرف الصحيح منها والسقيم .
6. طريقة الضَّحَّاك بن مزاحم بن جريح عن ابن عباس ، وهي طريقة غير مرضية لأنها طريقة منقطعة عن ابن عباس .
7. طريقة عطية العوفي عن ابن عباس وهي غير مرضية ، لأن عطية ضعيف ربما حَسَّنَ له الترمذي .
8. طريقة سليمان بن مقاتل ، وقد تكلم في مقاتل نظراً لما فيه من المذاهب الردية واشتهر عنه التجسيم والتشبيه .
9. طريقة محمد بن السائب الكلبي عن أبى صالح عن ابن عباس وهي طريق سلسلة الكذب .

ابن عباس والإسرائيليات :
كان ابن عباس يرجع فهم القرآن إلى ما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وما سمعه من الصحابة ، وإلا اجتهد وكان أهلاً لذلك ، غير أنه رضي الله عنه كان يرجع هو وبعض الصحابة إلى أهل الكتاب ، ومن هنا اتهمه المستشرق اليهودي "جولد تسهير" وتبعه في ذلك الأستاذ أحمد أمين في كتابه فجر الإسلام في هذا الاتهام وهو أبن عباس وغيره من أصحابه كانوا يسألون أهل الكتاب ويصد قوتهم وقد خالفوا بذلك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : < إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم > ( رواه البخاري) .

والحق أن ابن عباس ما كان يعوّل على أخبار أهل الكتاب ممن أسلم منهم ككعب الأحبار أو غيره ، وإنما كان يقف منها موقف الناقد البصير ، وإنما كان يأخذ عنهم في الأمور التي تتعلق بالمواعظ والأحداث ، أما ما يتعلق بالأحكام والعقائد فإن ابن عباس ولا غيره من الصحابة كانوا يأخذون من أهل الكتاب ، وقد علموا أن ما عندهم قد حُرَّف وَبُدَّلَ .

وفاته :
عاش ابن عباس رضي الله عنه حياته كلها عالماً ينهل كل واحد من الناس من علمه حتى قال عنه علي : "كأنما ينظر إلى الغيب من ستر رقيق" . ولم ينشغل رضي الله عنه بالولاية والإمارة سوى ما كان في عهده على البصرة ، وجلس بعد ذلك يُعَلَّمُ الناس وقد ذهب بَصَرَهُ في آخر حياته وقد قيل أنه قال :
إن يأخــــذ الله من عيني نورهما ففي لساني وسمعي منهما نور
قلبي ذكي وعقلي غير ذي دخل وفي فمي صارم كالسيـــف مأثور
فما كانت سنة ثمان وستين وافته المنية ومات رضي الله عنه بالطائف وصلى عليه محمد بن الحنفية وقد قال فيه محمد بن الحنفية يوم مات : "مات والله حبر هذه الأمة".

المراجع :
1. التفسير والمفسرون ، د.محمد حسين الذهبي ، ط الكتب الحديثة .
2. مباحث في علوم القرآن ، د. مناع القطان ، مؤسسة الرسالة .
3. الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفاسير ، د. محمد أبو شهبة ، ط مكتبة السنة.
4. البداية والنهاية الإمام ابن كثير ، ج8 ، ط دار الكتب العلمية .
5. الإسرائيليات في التفسير والحديث ، د. الذهبي .

نور العين
01-Dec-2004, 09:40 AM
شيخ المفسرين : ابن جرير الطبري
أن يكون الرجل ذا همة فهذا أمر مطلوب ، وأن يبزغ نجمه في فن من العلوم فهذا أمر محمود ، ولكن ما بالك لو كان صاحب هذه الترجمة ذا همة عالية ، فبزغ نجمه في التفسير فكان مفسرًا بارعـًا ، وبزغ له نجم في التاريخ فكان مرجعـًا ، ولم يلبث أن بزغ له نجم ثالث في الفقه فكان إمامـًا يقتدى به ، فهو إمام من الأئمة ومجتهد من أهل الاجتهاد وصاحب مذهب مطلق ، وإن كان لم يكتب لمذهبه البقاء ، كل من كتب

في التفسير يعولون عليه ، وكل من كتب في التاريخ يرجعون إليه ، فهو بحق يعد أبـًا للتاريخ ، كما أنه أب للتفسير ، إنه الإمام المفسر الفقيه المؤرخ ابن جرير الطبري .

التعريف بابن جرير الطبري :
هو أبو جعفر ، محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الطبري ، الإمام الجليل ، المجتهد المطلق، صاحب التصانيف المشهورة ، وهو من أهل آمل طبرستان، ولد بها سنة 224هـ أربع وعشرين ومائتين من الهجرة ، ورحل من بلده في طلب العلم وهو ابن اثنتي عشرة سنة ، سنة ست وثلاثين ومائتين ، وطوّف في الأقاليم ، فسمع بمصر والشام والعراق ، ثم ألقى عصاه واستقر ببغداد ، وبقى بها إلى أن مات سنة عشر وثلاثمائة .

مبلغه من العلم والعدالة :
كان ابن جرير أحد الأئمة الأعلام ، يُحكم بقوله ، ويُرجع إلى رأيه لمعرفته وفضله ، وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره ، فكان حافظـًا لكتاب الله ، بصيرًا بالقرآن ، عارفـًا بالمعاني، فقيها في أحكام القرآن ، عالمـًا بالسنن وطرقها ، وصحيحها وسقيمها ، وناسخها ومنسوخها ، عارفـًا بأقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم من المخالفين في الأحكام ، ومسائل الحلال والحرام ، عارفـًا بأيام الناس وأخبارهم .. هذا هو ابن جرير في نظر الخطيب البغدادي، وهي شهادة عالم خبير بأحوال الرجال ، وذكر أن أبا العباس بن سريج كان يقول : محمد بن جرير فقيه عالم ، وهذه الشهادة جد صادقة ؛ فإن الرجل برع في علوم كثيرة ، منها : علم القراءات ، والتفسير ، والحديث ، والفقه ، والتاريخ ، وقد صنف في علوم كثيرة وأبدع التأليف وأجاد فيما صنف .

مصنفاته :
كتاب التفسير، وكتاب التاريخ المعروف بتاريخ الأمم والملوك، وكتاب القراءات، والعدد والتنزيل ، وكتاب اختلاف العلماء ، وتاريخ الرجال من الصحابة والتابعين ، وكتاب أحكام شرائع الإسلام ، وكتاب التبصر في أصول الدين … وغير هذا كثير .
ولكن هذه الكتب قد اختفى معظمها من زمن بعيد ، ولم يحظ منها بالبقاء إلى يومنا هذا وبالشهرة الواسعة ، سوى كتاب التفسير ، وكتاب التاريخ .

وقد اعتبر الطبري أبا للتفسير ، كما اعتبر أبا للتاريخ الإسلامي ، وذلك بالنظر لما في هذين الكتابين من الناحية العلمية العالية ، ويقول ابن خلكان : إنه كان من الأئمة المجتهدين ، لم يقلد أحدًا ، ونقل : أن الشيخ أبا إسحاق الشيرازي ذكره في طبقات الفقهاء في جملة المجتهدين ، قالوا : وله مذهب معروف ، وأصحاب ينتحلون مذهبه ، يقال لهم الجريرية ، ولكن هذا المذهب الذي أسسه ـ على ما يظهر ـ بعد بحث طويل ، ووجد له أتباعـًا من الناس ، لم يستطع البقاء إلى يومنا هذا كغيره من مذاهب المسلمين ؛ ويظهر أن ابن جرير كان قبل أن يبلغ هذه الدرجة من الاجتهاد متمذهبـًا بمذهب الشافعي ، يدلنا على ذلك ما جاء في الطبقات الكبرى لابن السبكي ، من أن ابن جرير قال : أظهرت فقه الشافعي ، وأفتيت به ببغداد عشر سنين .

علو همتـه :
كان رحمه الله عالي الهمة متوقد العزم ـ قال : عند تفسيره للقرآن : أتنشطون لتفسير القرآن ؟ قالوا : كم يكون قدره ؟ قال : ثلاثون ألف ورقة ، فقالوا هذا ما يفني الأعمار قبل تمامه فاختصره في نحو ثلاثة آلاف ورقة .

اتهامه بالوضع للروافض :
وقد اتُهِمَ رحمه الله بأنه كان يضع للروافض، وهذا رجم بالظن الكاذب ، ولعله أشبه على صاحب هذا القول ابن جرير آخر ، وهو محمد بن جرير بن رستم الطبري الرافضي .

وفاته :
مرض أبو جعفر بذات الجنب فجاءه الطبيب فسأل أبا جعفر عن حاله ، فعرّفه حاله وما استعمل وما أخذ لعلته ، وما انتهى إليه في يومه ، فقال له الطبيب : ما عندي فوق ما وصفته لنفسك شيء ، فلما كان يوم السبت لأربع بقين من شوال سنة عشر وثلاثمائة كانت منيته ودفن يوم الأحد ، ولم يؤذن به أحد ، فاجتمع على جنازته ما لا يحصى عددهم إلا الله ، وصلى على قبره شهورًا ليلاً ونهارًا .
هذا هو ابن جرير ؛ وهذه هي نظرات العلماء إليه ، وذلك هو حكمهم عليه ، ومن كل ذلك تبين لنا قيمته ومكانته .

التعريف بهذا التفسير وطريقة مؤلفه فيه :
يعتبر تفسير بن جرير من أقوم التفاسير وأشهرها ، كما يعتبر المرجع الأول عند المفسرين الذين عنوا بالتفسير النقلي ؛ وإن كان في الوقت نفسه يعتبر مرجعـًا غير قليل الأهمية من مراجع التفسير العقلي ؛ نظرًا لما فيه من الاستنباط ، وتوجيه الأقوال ، وترجيح بعضها على بعض ، ترجيحـًا يعتمد على النظر العقلي ، والبحث الحر الدقيق .

ويقع تفسير ابن جرير في ثلاثين جزءًا من الحجم الكبير ، وقد كان هذا الكتاب من عهد قريب يكاد يعتبر مفقودًا لا وجود له ، ثم قدّر الله له الظهور والتداول ، فكانت مفاجأة سارة للأوساط العلمية في الشرق والغرب أن وجدت في حيازة أمير ( حائل ) الأمير حمود ابن الأمير عبد الرشيد من أمر اء نجد نسخة مخطوطة كاملة من هذا الكتاب ، طبع عليها الكتاب من زمن قريب ، فأصبحت في يدنا دائرة معارف غنية في التفسير المأثور .

ما قيل في تفسيره :
ولو أننا تتبعنا ما قاله العلماء في تفسير ابن جرير ، لوجدنا أن الباحثين في الشرق والغرب قد أجمعوا الحكم على عظيم قيمته ، واتفقوا على أنه مرجع لا غنى عنه لطالب التفسير ، فقد قال السيوطي رضي الله عنه " وكتابه ـ يعني تفسير محمد بن جرير ـ أجل التفاسير وأعظمها ، فإنه يتعرض لتوجيه الأقوال ، وترجيح بعضها على بعض ، والإعراب ، والاستنباط ، فهو يفوق بذلك على تفسير الأقدمين " .
وقال النووي : " أجمعت الامة على أنه لم يصنف مثل تفسير الطبري " .
وقال ابو حامد الإسفرايني : " لو سافر رجل إلى الصين حتى يحصل على كتاب تفسير محمد بن جرير لم يكن ذلك كثيرًا " .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : " وأما التفاسير التي في أيدي الناس ، فأصحها تفسير ابن جرير الطبري ، فإنه يذكر مقالات السلف بالأسانيد الثابتة ، وليس فيه بدعة ، ولا ينقل عن المتهمين ، كمقاتل بن بكير والكلبي " .
ويذكر صاحب لسان الميزان : أن ابن خزيمة استعار تفسير ابن جرير من ابن خالوية فرده بعد سنين ، ثم قال : " نظرت فيه من أوله إلى آخره فما أعلم على أديم الأرض أعلم من ابن جرير " .

هذا وقد كتب ( نولدكه ) سنة 1860م بعد اطلاعه على بعض فقرات من هذا الكتاب " لو كان بيدنا هذا الكتاب لاستغنينا به عن كل التفاسير المتأخرة ، ومع الأسف فقد كان يظهر أنه مفقود تمامـًا ، وكان مثل تاريخه الكبير مرجعـًا لا يغيض معينه أخذ عنه المتأخرون معارفهم " .

اختصار الطبري لتفسيره :
ويظهر مما بأيدينا من المراجع ، أن هذا التفسير كان أوسع مما هو عليه اليوم ، ثم اختصره مؤلفه إلى هذا القدر الذي هو عليه الآن ، فابن السبكي يذكر في طبقاته الكبرى " أن أبا جعفر قال لأصحابه : أتنشطون لتفسير القرآن ؟ قالوا : كم يكون قدره ؟ فقال : ثلاثون ألف ورقة ، فقالوا : هذا ربما تفنى الأعمار قبل تمامه ، فاختصره في نحو ثلاثة آلاف ورقة ، ثم قال : هل تنشطون لتاريخ العالم من آدم إلى وقتنا هذا ؟ ، قالوا : كم قدره ؟ فذكر نحوًا مما ذكره في التفسير ، فأجابوه بمثل ذلك ، فقال : إنا لله ، ماتت الهمم ، فاختصره في نحو ما اختصر التفسير " أ.هـ .

أولية تفسيره :
هذا ونسطيع أن نقول إن تفسير ابن جرير هو التفسير الذي له الأولية بين كتب التفسير ، أولية زمنية ، وأولية من ناحية الفن والصناعة .
أما أوليته الزمنية ، فلأنه أقدم كتاب في التفسير وصل إلينا ، وما سبقه من المحاولات التفسيرية ذهبت بمرور الزمن ، ولم يصل إلينا شيء منها ، اللهم إلا ما وصل إلينا منها في ثنايا ذلك الكتاب الخالد الذي نحن بصدده .
وأما أوليته من ناحية الفن والصناعة ؛ فذلك أمر يرجع إلى ما يمتاز به الكتاب من الطريقة البديعة التي سلكها في مؤلفه ، حتى أخرجه للناس كتابـًا له قيمته ومكانته
ونريد أن نعرض هنا لطريقة ابن جرير في تفسيره ، بعد أن أخذنا فكرة عامة عن الكتاب، حتى يتبين للقارئ أن الكتاب واحد في بابه ، سبق به مؤلفه غيره من المفسرين ، فكان عمدة المتأخرين ، ومرجعـًا مهمـًا من مراجع المفسرين ، على اختلاف مذاهبهم ، وتعدد طرائقهم ، فنقول :

طريقة ابن جرير في تفسيره :
تتجلى طريقة ابن جرير في تفسيره بكل وضوح إذا نحن قرأنا فيه وقطعنا في القراءة شوطـًا بعيدًا ، فأول ما نشاهده ، أنه إذا أراد أن يفسر الآية من القرآن يقول " القول في تأويل قوله تعالى كذا وكذا ، ثم يفسر الآية ويستشهد على ما قاله بما يرويه بسنده إلى الصحابة أو التابعين من التفسير المأثور عنهم في هذه الآية ، وإذا كان في الآية قولان أو أكثر ، فإنه يعرض لكل ما قيل فيها ، ويستشهد على كل قول بما يرويه في ذلك عن الصحابة أو التابعين .

ثم هو لا يقتصر على مجرد الرواية ، بل نجده يتعرض لتوجيه الأقوال ، ويرجح بعضها على بعض ، كما نجده يتعرض لناحية الإعراب إن دعت الحال إلى ذلك ، كما أنه يستنبط الأحكام التي يمكن أن تؤخذ من الآية من توجيه الأدلة وترجيح ما يختار .

نور العين
01-Dec-2004, 09:41 AM
إنكاره على من يفسر بمجرد الرأي :
ثم هو يخاصم بقوة أصحاب الرأي المستقلين في التفكير ، ولا يزال يشدد في ضرورة الرجوع إلى العلم الراجع إلى الصحابة أو التابعين ، والمنقول عنهم نقلاً صحيحـًا مستفيضـًا ، ويرى أن ذلك وحده هو علامة التفسير الصحيح ، فمثلاً عند ما تكلم عن قوله تعالى في الآية (49) من سورة يوسف ( ثم يأتي من بعد ذلك عامٌ فيه يغاث الناسُ وفيه يعصِرون ) نجده يذكر ما ورد في تفسيرها عن السلف مع توجيهه للأقوال وتعرضه للقراءات بقدر ما يحتاج إليه تفسير الآية ، ثم يعرج بعد ذلك على من يفسر القرآن برأيه ، وبدون اعتماد منه على شيء إلا على مجرد اللغة ، فيفند قوله ، ويبطل رأيه ، فيقول ما نصه " .. وكان بعض من لا علم له بأقوال السلف من أهل التأويل ، ممن يفسر القرآن برأيه على مذهب كلام العرب ، يوجه معنى قوله ( وفيه يعصرون ) إلى وفيه ينجون من الجدب والقحط بالغيث ، ويزعم أنه من العصر ، والعصر التي بمعنى المنجاة، من قول أبي زبيد الطائي :

صاديـا يستغيث غير مغاث ولقد كان عصرة المنجود

أي المقهور ـ ومن قول لبيد :

فبات وأسرى القوم آخر ليلهم وما كان وقافـًا بغير معصر

وذلك تأويل يكفي من الشهادة على خطئه خلافه قول جميع أهل العلم من الصحابة والتابعين .

موقفه من الأسانيد :
ثم إن ابن جرير وإن التزم في تفسيره ذكر الروايات بأسانيدها ، إلا أنه في الأعم الأغلب لا يتعقب الأسانيد بتصحيح ولا تضعيف ، لأنه كان يرى ـ كما هو مقرر في أصول الحديث ـ أن من أسند لك فقد حملك البحث عن رجال السند ومعرفة مبلغهم من العدالة أو الجرح ، فهو بعمله هذا قد خرج من العهدة ومع ذلك فابن جرير يقف من السند أحيانـًا موقف الناقد البصير، فيعدل من يعدل من رجال الإسناد ، ويجرح من يجرح منهم ، ويرد الرواية التي لا يثق بصحتها ، ويصرح برأيه فيها بما يناسبها ، فمثلاً نجده عند تفسيره لقوله تعالى في الآية ( 94) من سورة الكهف : ( .. فهل نجعل لك خرجـًا على أن تجعل بيننا وبينهم سدًا )يقول ما نصه : " روى عن عكرمة في ذلك ـ يعني في ضم سين سدًا وفتحها ـ ما حدثنا به أحمد بن يوسف ، قال : حدثنا القاسم ، قال : حدثنا حجاج ، عن هرون ، عن أيوب ، عن عكرمة قال : ما كان من صنعة بني آدم فهو السَّد يعني بفتح السين ، وما كان من صنع الله فهو السُّد ،ثم يعقب على هذا السند فيقول : وأما ما ذكر عن عكرمة في ذلك ، فإن الذي نقل ذلك عن أيوب هرون ، وفي نقله نظر ، ولا نعرف ذلك عن أيوب من رواية ثقاة أصحابه " أ.هـ .

تقديره للإجماع :
كذلك نجد ابن جرير في تفسيره يقدر إجماع الأمة ، ويعطيه سلطانـًا كبيرًا في اختيار ما يذهب إليه من التفسير ، فمثلاً عند قوله تعالى في الآية ( 230) من سورة البقرة ( فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجـًا غيره ) يقول ما نصه : " فإن قال قائل : فأي النكاحين عنى الله بقوله : فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجـًا غيره ؟ النكاح الذي هو جماع ؟ أم النكاح الذي هو عقد تزويج ؟ قيل كلاهما ؛ وذلك أن المرأة إذا نكحت زوجـًا نكاح تزويج ثم لم يطأها في ذلك النكاح ناكحها ولم يجامعها حتى يطلقها لم تحل للأول ، وكذلك إن وطئها واطئ بغير نكاح لم تحل للأول ؛ لإجماع الأمة جميعـًا ، فإذا كان ذلك كذلك " فمعلوم أن تأويل قوله : فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجـًا غيره ، نكاحـًا صحيحـًا ، ثم يجامعها فيه : ثم يطلقها ، فإن قال : فإن ذكر الجماع غير موجود في كتاب الله تعالى ذكره ، فما الدلالة على أن معناه ما قلت ؟ قيل : الدلالة على ذلك إجماع الأمة جميعـًا على أن ذلك معناه " .

موقفه من القراءات :
كذلك نجد أن ابن جرير يعنى بذكر القراءات وينزلها على المعاني المختلفة ، وكثيرًا ما يرد القراءات التي لا تعتمد على الأئمة الذين يعتبرون عنده وعند علماء القراءات حجة ، والتي تقوم على أصول مضطربة مما يكون فيه تغير وتبديل لكتاب الله ، ثم يتبع ذلك برأيه في آخر الأمر مع توجيه رأيه بالأسباب ، فمثلاً عند قوله تعالى في الآية (81) من سورة الأنبياء ( ولسليمان الريح عاصفة ) يذكر أن عامة قراء الأمصار قرءوا ( الريح ) بالنصب على أنها مفعول لـ "سخرنا" المحذوف ، وأن عبد الرحمن الأعرج قرأ ( الريح ) بالرفع على أنها مبتدأ ثم يقول : والقراءة التي لا استجيز القراءة بغيرها في ذلك ما عليه قراء الأمصار لإجماع الحجة من القراء عليه .

سبب عناية ابن جرير بالقراءات :
ولقد يرجع السبب في عناية ابن جرير بالقراءات وتوجيهها إلى أنه كان من علماء القراءات المشهورين ، حتى أنهم ليقولون عنه : إنه ألف فيها مؤلفـًا خاصـًا في ثمانية عشر مجلدًا ، ذكر فيه جميع القراءات من المشهور والشواذ وعلل ذلك وشرحه ، واختار منها قراءة لم يخرج بها من المشهور، وإن كان هذا الكتاب قد ضاع بمرور الزمن ولم يصل إلى أيدينا ، شأن الكثير من مؤلفاته .

موقفه من الإسرائيليات :
ثم إننا نجد ابن جرير يأتي في تفسيره بأخبار مأخوذة من القصص الإسرائيلي ، يرويها بإسناده إلى كعب الأحبار ، ووهب بن منبه ، وابن جريج والسدي ، وغيرهم ، ونراه ينقل عن محمد بن إسحاق كثيرًا مما رواه عن مسلمة النصارى ، ومن الأسانيد التي تسترعي النظر ، هذا الإسناد : حدثني ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن أبي عتاب .. رجل من تغلب كان نصرانيـًا عمرًا من دهره ثم أسلم بعد فقرأ القرآن وفقه في الدين ، وكان فيما ذكر ، أنه كان نصرانيـًا أربعين سنة ثم عمر في الإسلام أربعين سنة .
يذكر ابن جرير هذا الإسناد ويروي لهذا الرجل النصراني الأصل خبرًا عن آخر أنبياء بني إسرائيل عند تفسيره لقوله تعالى : ( إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها ، فإذا جاء وعد الآخرة ليسؤوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا )(الإسراء/7) .
" .. وهكذا يكثر ابن جرير من رواية الإسرائيليات ، ولعل هذا راجع إلى ما تأثر به من الروايات التاريخية التي عالجها في بحوثه التاريخية الواسعة .
وإذا كان ابن جرير يتعقب كثيرًا من هذه الروايات بالنقد ، فتفسيره لا يزال يحتاج إلى النقد الفاحص الشامل ، احتياج كثير من كتب التفسير التي اشتملت على الموضوع والقصص الإسرائيلي ، على أن ابن جرير ـ كما قدمنا ـ قد ذكر لنا السند بتمامه في كل رواية يرويها ، وبذلك يكون قد خرج من العهدة ، وعلينا نحن أن ننظر في السند ونتفقد الروايات .

نور العين
01-Dec-2004, 09:42 AM
احتكامه إلى المعروف من كلام العرب :
وثمة أمر آخر سلكه ابن جرير في كتابه ، ذلك أنه اعتبر الاستعمالات اللغوية بجانب النقول المأثورة وجعلها مرجعـًا موثوقـًا به عند تفسيره للعبارات المشكوك فيها ، وترجيح بعض الأقوال على بعض .
فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى : (حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كلٍ زوجين اثنين .. )(هود/40) نراه يعرض لذكر الروايات عن السلف في معنى لفظ التنور ، فيروى لنا قول من قال : إن التنور عبارة عن وجه الأرض ، وقول من قال : إنه عبارة عن تنوير الصبح ، وقول من قال إنه عبارة عن أعلى الأرض وأشرفها ، وقول من قال : إنه عبارة عما يختبز فيه .. ثم قال بعد أن يفرغ من هذا كله : " وأولى هذه الأقوال عندنا بتأويل قوله ( التنور ) قول من قال : التنور : الذي يختبز فيه ، لأن ذلك هو المعروف من كلام العرب ، وكلام الله لا يوجه إلا إلى الأغلب الأشهر من معانيه عند العرب .

رجوعه إلى الشعر القديم :
كذلك نجد ابن جرير يرجع إلى شواهد من الشعر القديم بشكل واسع ، متبعـًا في هذا ما أثاره ابن عباس في ذلك ، فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى : ( فلا تجعلوا لله أندادًا .. )(البقرة/22) يقول ما نصه : " قال أبو جعفر : والأنداد جمع ند ، والند : العدل والمثل ، كما قال حسان ابن ثابت :

أتهجوه ولست له بندٍ فشركما لخيركما الفداء

اهتمامه بالمذاهب النحوية :
كذلك نجد ابن جرير يتعرض كثيرًا لمذاهب النحويين من البصريين والكوفيين في النحو والصرف ، ويوجه الأقوال ، تارة على المذهب البصري ، وأخرى على المذهب الكوفي ، فمثلاً عند قوله تعالى : ( مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرمادٍ اشتدت به الريح في يوم عاصف )(إبراهيم/18) يقول ما نصه : " اختلف أهل العربية في رافع ( مثل ) فقال بعض نحويي البصرة : إنما هو كأنه قال : ومما نقص عليكم مثل الذين كفروا ، ثم أقبل يفسره كما قال : مثل الجنة .. وهذا كثير .

وقال بعض نحويي الكوفيين : إنما المثل للأعمال ، ولكن العرب تقدم الأسماء لأنها أعرف ، ثم تأتي بالخبر الذي تخبر عنه مع صاحبه ، ومعنى الكلام : مثل أعمال الذين كفروا بربهم كرماد .. إلخ .
والحق أن ما قدمه لنا ابن جرير في تفسيره من البحوث اللغوية المتعددة والتي تعتبر كنزًا ثمينـًا ومرجعـًا في بابها ، أمر يرجع إلى ما كان عليه صاحبنا من المعرفة الواسعة بعلوم اللغة وأشعار العرب ، معرفة لا تقل عن معرفته بالدين والتاريخ ، ونرى أن ننبه هنا إلى أن هذه البحوث اللغوية التي عالجها ابن جرير في تفسيره لم تكن أمرًا مقصودًا لذاته ، وإنما كانت وسيلة للتفسير ، على معنى أنه يتوصل بذلك إلى ترجيح بعض الأقوال على بعض ، كما يحاول بذلك ـ أحيانـًا ـ أن يوفق بين ما صح عن السلف وبين المعارف اللغوية بحيث يزيل ما يتوهم من التناقض بينهما .

معالجـته للأحكام الفقهية :
كذلك نجد في هذا التفسير آثارًا للأحكام الفقهية ، يعالج فيه ابن جرير أقوال العلماء ومذاهبهم ، ويخلص من ذلك كله برأي يختاره لنفسه ، ويرجحه بالأدلة العلمية القيمة ، فمثلاً نجده عند تفسيره لقوله تعالى : ( والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون) (النحل /8) نجده يعرض لأقوال العلماء في حكم أكل لحوم الخيل والبغال والحمير ، ويذكر قول كل قائل بسنده .. وأخيرًا يختار قول من قال : إن الآية لا تدل على حرمة شيء من ذلك ، ووجه اختياره هذا فقال : ما نصه : " والصواب من القول في ذلك عندنا ما قاله أهل القول الثاني ـ وهو أن الآية لا تدل على الحرمة ـ وذلك أنه لو كان في قوله تعالى ذكره ـ ( لتركبوها ) دلالة على أنها لا تصلح إذ كانت للركوب لا للأكل ، لكان في قوله ( فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون) (النحل/5) دلالة على أنها لا تصلح إذ كانت للأكل والدفء وللركوب ، وفي إجماع الجميع على أن ركوب ما قال تعالى ذكره ( ومنها تأكلون ) جائز حلال غير حرام ، دليل واضح على أن أكل ما قال ( لتركبوها ) جائز حلال غير حرام ، إلا بما نص على تحريمه ، أو وضع على تحريمه دلالة من كتاب أو وحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأما بهذه الآية فلا يحرم أكل شيء .

وقد وضع الدلالة على تحريم لحوم الحمر الأهلية بوحيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعلى البغال بما قد بينا في كتابنا كتاب الأطعمة بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع ؛ إذ لم يكن هذا الموضع من مواضع البيان عن تحريم ذلك ، وإنما ذكرنا ما ذكرنا ليدل على أن لا وجه لقول من استدل بهذه الآية على تحريم الفرس " أ.هـ .

خوضه في مسائل الكلام :
ولا يفوتنا أن ننبه على ما نلحظه في هذا التفسير الكبير ، من تعرض صاحبه لبعض النواحي الكلامية عند كثير من آيات القرآن ، مما يشهد له بأنه كان عالمـًا ممتازًا في أمور العقيدة ، فهو إذا ما طبق أصول العقائد على ما يتفق مع الآية أفاد في تطبيقه ، وإذا ناقش بعض الآراء الكلامية أجاد في مناقشته ، وهو في جدله الكلامي وتطبيقه ومناقشته ، موافق لأهل السنة في آرائهم ، ويظهر ذلك جليـًا في رده على القدرية في مسألة الاختيار .
فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى : ( غير المغضوب عليهم ولا الضالين )(الفاتحة/7) نراه يقول ما نصه : " وقد ظن بعض أهل الغباء من القدرية أن في وصف الله جل ثناؤه النصارى بالضلال بقوله ( ولا الضالين ) وإضافة الضلال إليهم دون إضافة إضلالهم إلى نفسه ، وتركه وصفهم بأنهم المضللون كالذي وصف به اليهود أنه مغضوب عليهم ، دلالة على صحة ما قاله إخوانه من جهلة القدرية ، جهلاً منه بسعة كلام العرب وتصاريف وجوهه ، ولو كان الأمر على ما ظنه الغبي الذي وصفنا شأنه ،لوجب أن يكون كل موصوف بصفة أو مضاف إليه فعل لا يجوز أن يكون فيه سبب لغيره ،وأن يكون كل ما كان فيه من ذلك من فعله ، ولوجب أن يكون خطأ قول القائل : تحركت الشجرة إذا حركتها الرياح ، واضطربت الأرض إذا حركتها الزلزلة ،وما أشبه ذلك من الكلام الذي يطول بإحصائه الكتاب ، وفي قوله جل ثناؤه ( حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم ) (يونس/22) وإن كان جريها بإجراء غيرها إياها ، ما يدل على خطأ التأويل الذي تأوله مَن وصفنا قوله، في قوله ( ولا الضالين ) ، وادعائه أن في نسبة الله جل ثناؤه الضلالة إلى من نسبها إليه من النصارى، تصحيحـًا لما ادعى المنكرون أن يكون لله جل ثناؤه في أفعال خلقه سبب من أجله وجدت أفعالهم ، مع إبانة الله عز ذكره نصـًا في آيٍ كثيرة من تنزيله : أنه المضل الهادي ، فمن ذلك قوله جل ثناؤه : ( أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علمٍ وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوةً فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون )(الجاثية/23) فأنبأ جل ذكره أنه المضل الهادي دون غيره ، ولكن القرآن نزل بلسان العرب على ما قدمنا البيان عنه في أول الكتاب ، ومن شأن العرب إضافة الفعل إلى من وجد منه وإن كان مشيئة غير الذي وجد منه الفعل غيره ، فكيف بالفعل الذي يكتسبه العبد كسبـًا ،ويوجده الله جل ثناؤه عينـًا منشأة ، بل ذلك أحرى أن يضاف إلى مكتسبه كسبـًا له بالقوة منه عليه ، والاختيار منه له ، وإلى الله جل ثناؤه بإيجاد عينه وإنشائها تدبيرًا .أ.هـ .
وعلى الإجمال فخير ما وصف به هذا الكتاب ما نقله الداودي عن أبي محمد عبد الله بن أحمد الفرغاني في تاريخه حيث قال : فثم من كتبه ـ يعني محمد بن جرير ـ كتاب تفسير القرآن ، وجوده ، وبين فيه أحكامه ، وناسخه ومنسوخه ، ومشكله وغريبه ، ومعانيه ، واختلاف أهل التأويل والعلماء في أحكامه وتأويله ، والصحيح لديه من ذلك ، وإعراب حروفه ، والكلام على الملحدين فيه ، والقصص ، وأخبار الأمة والقيامة ، وغير ذلك مما حواه من الحكم والعجائب كلمة كلمة ، وآية آية ، من الاستعاذة ، وإلى أبي جاد ، فلو ادعى عالم أن يصنف منه عشرة كتب كل كتاب منها يحتوي على علم مفرد وعجيب مستفيض لفعل " أ.هـ .
هذا وقد جاء في معجم الأدباء ج18 ص64ـ65 وصف مسهب لتفسير ابن جرير ، جاء في آخره ما نصه " وذكر فيه من كتب التفاسير المصنفة عن ابن عباس خمسة طرق ،وعن سعيد بن جبير طريقين ، وعن مجاهد بن جبر ثلاث طرق ، وعن الحسن البصري ثلاث طرق ، وعن عكرمة ثلاثة طرق وعن الضحاك بن مزاحم طريقين ،وعن عبد الله بن مسعود طريقـًا ،وتفسير عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ،وتفسير ابن جريج ، وتفسير مقاتل بن حبان ، سوى ما فيه من مشهور الحديث عن المفسرين وغيرهم ، وفيه من المسند حسب حاجته إليه ، ولم يتعرض لتفسير غير موثوق به ، فإنه لم يدخل في كتابه شيئـًا عن كتاب محمد بن السائب الكلبي ، ولا مقاتل بن سليمان ، ولا محمد بن عمر الواقدي؛ لأنهم عنده أظناء والله أعلم ، وكان إذا رجع إلى التاريخ والسير وأخبار العرب حكى عن محمد بن السائب الكلبي ، وعن ابنه هشام ، وعن محمد بن عمر الواقدي ، وغيرهم فيما يفتقر إليه ولا يؤخذ إلا عنهم .

نور العين
01-Dec-2004, 09:43 AM
شخصيات قرآنية

الشيخ أبو العينين شعيشع
أصوات ندية .. هي أصوات حباه الله من فضله بالموهبة .. والطلاوة .. والحلاوة والعبقرية الحقيقية .. والقدرة على تلاوة آياته من أعمق أعماق القلب .. وبذلك تصل آياته الكريمة في كتابه العزيز إلى كافة المسلمين في كل أنحاء الأرض .. مؤكدة عظمته .. وعلو شأنه ومكانته ..
هذه الأصوات التي تتلو الآيات البينات بكل إيمان .. وخشوع .. يحظى أصحابها بالتقدير من الجميع .. حبـًا .. وإعجابـًا .. وتشجيعـًا أيضـًا .. وتربطهم بالمسلمين جميعـًا في كافة الأنحاء روابط روحية عميقة ..وهم هؤلاء القراء المشاهير تربوا في مدرسة القرآن الكريم .. فأبدعوا .. وأجادوا .. وفاضوا ببركاتهم على الناس جميعـًا في كل زمان .. ومكان .. ولكل منهم طريقة .. وأسلوب . ويقفون جميعـًا في النهاية أصواتـًا .. تبدو وكأنها قادمة من السماء فما تردده وما تتلوه نابع من الإعجاز الإلهي .. ويرسم طريق الحق والهداية لكافة المسلمين .
القارئ الشيخ أبو العينين شعيشع واحد من جيل المقرئين الرواد الذين قرأوا القرآن الكريم بقلوبهم وتجولوا بوجدانهم بين آياته فكانت معانيه تصل إلى قلوب المستمعين فتخشع طاعة لله الواحد القهار وطمعـًا في عظيم فضله وإحسانه ، حفظ القرآن الكريم ودعا الله ألا يحرمه من خدمة كتابه فحفظه من الغوايات الدنيوية ومنحه عذوبة في صوته تأخذ بألباب كل من يستمع إليه في العالم الإسلامي كله .. قرأ القرآن في قطر والعراق والكويت والسعودية ، وإيران وغيرها .
الراية التقت به حيث فتح لنا قلبه وعقله لنتجول في عالمه لنتعرف على رحلته الإيمانية التي بدأها في ريف مصر ثم انتقل إلى عالم الشهرة والانتشار في الدول الإسلامية كافة وكان هذا الحوار معه .

متى بدأت رحلتك الإيمانية لتلاوة القرآن الكريم ؟
- ترجع بدايتي الإيمانية مع القرآن الكريم إلى مرحلة الطفولة في مدينة بيلا بمحافظة كفر الشيخ بدلتا مصر فقد كانت هوايتي دائمـًا أن أستمع للقرآن الكريم وبصوت كبار المقرئين الذين يتوافدون على بلدتي في ذلك الوقت أجلس بجوارهم أترقب تلاوتهم وأتذوق عذوبة صوتهم وأحول أن أتلو القرآن على طريقتهم وفي هذه الفترة المبكرة من عمري توفي والدي وألحقتني والدتي بكتّاب القرية الذي ساهم كثيرًا في حفظي للقرآن حتى إني أتممت حفظه وتجويده في سنتين وبدأ اسمي ينتشر في القرى المجاورة كموهبة تتدبر آيات الكتاب الله العزيز وتصلها بأوتار قلوب المستمعين .
وجاءت الفرصة الذهبية التي دفعت بموهبتي إلى عالم الشهرة خارج القرى وكانت في مأتم المرحوم الشيخ الخضري ، وهو من كبار علماء الأزهر الشريف فتلوت آيات بينات من كتاب الله العزيز ولاقت تلاوتي تشجيعـًا وإعجابـًا من كل الحاضرين الذين كان من بينهم الشيخ عبد الله بك عفيفي إمام الملك فاروق احتفى بي الرجل احتفاءً شديدًا وقدمني لعلي لطفي رئيس الإذاعة المصرية آنذاك والذي أحالني بدوره إلى لجنة اختيار المقرئين في الإذاعة المصرية التي أجازت موهبتي وصوتي بتفوق وبدأت تلاوة القرآن الكريم في الإذاعة عام 1939م بسورة النمل وأنا أشعر بتوفيق الله ومباركته لخطواتي في الطريق الإيماني لأني أقرأ القرآن بحب وإخلاص أقرأه بقلبي لا بحلقي وأفهم وأتدبر آياته .

حديثك عن دور الكتّاب في اكتشاف موهبتك ودفعك على الطريق الإيماني الصحيح يقودنا إلى تساؤل عن أهمية تنشئة الشباب الإسلامي على خلق القرآن كما نشأت أنت فكيف تتحقق هذه الخطوة المهمة ؟
- لا شك أن للقرآن الكريم دورًا كبيرًا في البناء النفسي للإنسان المسلم وارساء بيانات شخصيته الإسلامية بأسس إيمانية قوية تحول دون وقوعه في براثن وغوايات الشيطان وتحفظه من السقوط في عالم العنف أو الجريمة أو الإرهاب أو التطرف أو الرذيلة .
فحفظ القرآن الكريم في سن مبكرة يجعل الإنسان ناشئـًا على خشية الله واتباع صراطه المستقيم الصراط الوسط ، والمنهج القويم الذي يدعو إلى دين الله بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن ، وليس بالعنف والجريمة والقتل والنهب وأنا أدعو كل الدول الإسلامية أن تهتم بضرورة تحفيظ القرآن للشباب منذ مرحلة الطفولة وبيان القيم الخلقية والإيمانية الكامنة في آياته ، فلو حفظت الأمة كتاب الله فسوف يحفظها من كل المؤامرات التي تحيق بها .

مازالت عذوبة صوتك تأخذ بألباب قلوب مستمعيك فكيف حافظت على حسن تلاوتك بهذا الإيقاع الإيماني المميز ؟
- حفاظي على صوتي بعد حفظ الله سبحانه وتعالى له دعامات كثيرة أهملها الاستقامة واتباع صراط الله المستقيم والخوف من عقابه الأليم والتضرع إليه بدعاء مازلت أتوجه به إلى الله في كل يوم وليلة وهو : " يا رب لا تحرمني من خدمة كتابك حتى ألقاك " أيضـًا أحاول دائمـًا أن أكون وسطـًا في حياتي في كل شيء سواء كان أكلاً أو شربـًا أو نومـًا ويبقى محافظتي على تغذية البدن وتنشيط الدورة الدموية بالمشي لمسافات طويلة .

نور العين
01-Dec-2004, 09:44 AM
يؤكد الداعية الإسلامي د . عبد الصبور شاهين دومـًا أن القرآن الكريم يتلقى سماعيـًا ولا يؤخذ قراءة من المصحف الشريف فما الفرق من وجهة نظرك بين تجويد القرآن وقراءاته ؟

- هذا كلام جيد حقـًا فسماع آيات القرآن الكريم يتيح للإنسان أن يسمع قراءة صحيحة واضحة المعاني والمخارج ،خاصة وأن القرآن المسمع الذي يخرج آياته من قلب القارئ ، تصل عبر أوتار الصوت الجميل إلى قلوب المستمعين ويقع تأثيرها عليهم بنفس تأثيرها على القارئ وإن كان هذا لا ينقص من قدر قراءة القرآن الكريم من المصحف الشريف ، فالذي يقرأ ويتعتع له أجران ، أجر التلاوة وأجر التعتعة .

بصراحة من المقرئين تحب الاستماع إليه ؟
- دائمـًا ما يخشع وجداني لتلاوة كل أصحاب الأصوات العذبة التي تتلمذت على يد بعضهم وعاصرت كثيرًا منهم وأخص بالذكر المرحوم الشيخ مصطفى إسماعيل ، والمرحوم الشيخ محمد رفعت ، والمرحوم الشيخ عبد الفتاح الشعشاعي الذي كنت أعتبره مثلي الأعلى في التلاوة وقدوتي في الحياة ، فهؤلاء كانوا حبات في سلسلة مضيئة لن يجود بمثلهم الزمان .

بعد جيل الرواد الذي تتلمذت على يديه ما هو تقييمك للقارئين الموجودين حاليـًا ؟
- للأسف الشديد لقد أتى الزمان على معظم جيل الرواد الذين كان كل منهم مدرسة خاصة للتلاوة والتجويد واستنشاق عبير الآيات الكريمة تعرف القارئ بافتتاحه السورة أما الآن فقد قلت الموهبة وتداخلت التلاوات فلا تكاد تميز قارئـًا عن آخر فالكل يتبع أسلوبـًا واحدًا في التلاوة ولا يعرف غيره ولا يفكر في اتباع أسلوب مغاير عن أقرانه .

حرم بعض الفقهاء الانتفاع المادي من تلاوة القرآن وقالوا إن الانتفاع المادي لا يحفظ للقرآن كرامته فما هي وجهة نظرك في ذلك ؟ وبماذا تعلق على مغالاة بعض المقرئين في مقابل التلاوة .
- هناك أراء فقهية متشددة بعيدة عن روح الإسلام وتعالميه وهي التي تحرم على المقرئين أخذ مقابل مادي لتلاوتهم وأنا أقول لهم إذا لم يأخذ القارئ مقابلاً للتلاوة فمن أين يأتي بقوت يومه إذا كان يكرس نفسه لخدمة كتاب الله وتلاوته وكيف سيحفظ للقرآن كرامته وهو لا يجد ما يحفظ كرامته الشخصية ، وفي الحقيقة يعجبني كثيرًا رأي المرحوم الشيخ محمد متولي الشعراوي في الانتفاع المادي من تلاوة القرآن فقد كان رحمة الله يقول : إن القارئ لا يأخذ أجرًا على القرآن نفسه وإنما يأخذ الأجر على وقته ، غير أنني أؤكد على أن المغالاة في المقابل المادي أمر لا يقبله الدين ولا ينبغي لمن يحمل كتاب الله أن يزيد عما يكفي قوته .

رمضان هو شهر القرآن ماذا تقول في هذا المعنى ؟
- شهر رمضان هو خير شهور السنة أشعر فيه أنني أعيش في روضة من رياض الجنة أتجول بقلبي بين آيات كتاب الله العزيز وأتدبر معانيها .

ماذا خط الزمان في صفحات ذكرياتك عن شهر رمضان ؟ وكيف تقضي أيام وليالي هذا الشهر المبارك ؟
- أحمل في نفسي عطر شهر رمضان المبارك منذ أن كنت شابـًا صغيرًا فقد كنا نجتمع مع أفراد عائلتي وأهل بلدتي لنفطر سويـًا ثم أتلو عليهم القرآن حتى وقت السحور وأذكر أن أول أجر تقاضيته في مقابل إحياء ليالي شهر رمضان كان جنيهـًا ونصف الجنيه ومع مرور الأيام وانتشار موهبتي زادت أعداد المعجبين بتلاوتي في كل البلاد ومن العجيب أنه كان هناك مسيحيون يقبلون على شهر رمضان وأذكر أني كنت أحيي ليالي شهر رمضان في الثلاثينات في قصر فخري باشـا عبد النور وهو مسيحي كان رمزًا من الرموز الوطنية أيام سعد باشا زغلول كان يجمع في قصره المسلمين والمسيحيين على مائدة إفطار واحدة طوال شهر رمضان .
ولما أكرمني الله وتلوت في الإذاعة عدة مرات فوجئت ذات يوم باستدعائي لمقابلة أحمد باشا حسانين رئيس الديوان الملكي ومراد باشا محسن ناظر الخاصة الملكية آنذاك ، فذهبت للقائهما وما أن التقيا بي حتى أبلغاني بإعجاب الملك فاروق الشديد بتلاوتي ورغبته في أن أحيي ليالي شهر رمضان الكريم في القصر وبالفعل قمت بتلاوة القرآن في القصر خلال شهر رمضان وبرفقتي المرحوم الشيخ عبد الفتاح الشعشاعي وكانت هذه السنة فاتحة خير عليَّ ، إذ كانت ليالي رمضان في القصر الملكي تضم في جنباتها ملوكـًا ورؤساء وسفراء مسلمين وعربـًا من كل الأقطار الإسلامية والعربية الذين نقلوا بدورهم خبر موهبتي في التلاوة إلى بلادهم .

ما هو أول بلد عربي قرأت فيه ؟
- كان العراق هو أول بلد عربي أتلو فيه القرآن في مأتم والدة الملك فيصل ، ملك العراق آنذاك وقد وفقني الله سبحانه في التلاوة بأحسن ما يكون الأداء حتى إن الملك فيصل رحمه الله أنعم على بوسام الرافدين وكان أرفع وسام ملكي عراقي وتوالت بعد ذلك زياراتي للأقطار العربية الإسلامية وخاصة في شهر رمضان .. ومن الذكريات التي لا أنساها أنني تلوت القرآن في قطر في بداية الستينيات بدعوة من العلامة الراحل الشيخ عبد الله الأنصاري ، والتقيت فيها بفضيلة الدكتور يوسف القرضاوي الذي تربطني وإياه صداقة قوية الأواصر كما إنني تلوت القرآن وأحييت ليالي رمضان في دول خليجية أخرى ومها دولة الإمارات العربية المتحدة على وجه الخصوص ، إذ ارتبطت لمدة ثماني سنوات بتلاوة القرآن الكريم طيلة شهر رمضان في قصر سمو الشيخ زايد .

كيف تقضي ليالي رمضان في الفترة الحالية ؟
- الحقيقة إنني منذ فترة طويلة أقضي شهر رمضان في إيران .

نور العين
01-Dec-2004, 09:44 AM
الشيخ محمد حمّاد .. - صوت من الزمن الجميل
أصوات ندية .. هي أصوات حباه الله من فضله بالموهبة .. والطلاوة .. والحلاوة والعبقرية الحقيقية .. والقدرة على تلاوة آياته من أعمق أعماق القلب .. وبذلك تصل آياته الكريمة في كتابه العزيز إلى كافة المسلمين في كل أنحاء الأرض .. مؤكدة عظمته .. وعلو شأنه ومكانته ..
هذه الأصوات التي تتلو الآيات البينات بكل إيمان .. وخشوع .. يحظى أصحابها بالتقدير من الجميع .. حبـًا .. وإعجابـًا .. وتشجيعـًا أيضـًا .. وتربطهم بالمسلمين جميعـًا في كافة الأنحاء روابط روحية عميقة ..وهم هؤلاء القراء المشاهير تربوا في مدرسة القرآن الكريم .. فأبدعوا .. وأجادوا .. وفاضوا ببركاتهم على الناس جميعـًا في كل زمان .. ومكان .. ولكل منهم طريقة .. وأسلوب ويقفون جميعـًا في النهاية أصواتـًا .. تبدو وكأنها قادمة من السماء فما تردده وما تتلوه نابع من الإعجاز الإلهي .. ويرسم طريق الحق والهداية لكافة المسلمين .
رغم مرور تسع سنوات على رحيل ذلك القارئ . إلا أن صوته المبدع ما زال يتردد على ألسنة الناس الذين التفوا حوله .. ووجدوا فيه مثالاً صادقـًا للذين يحفظون كتاب الله .. ويترجمونه .. أصواتا ندية .. من القلب وإلى القلب .. كما ظل طوال حياته .. ذلك الرجل القدوة الذي يعد امتدادًا للرواد الأوائل .. قولاً .. وعملاً ..
وقد آمن الشيخ محمد حماد .. دومـًا برسالة قارئ القرآن باعتباره سفيرًا للكتاب العزيز .. فسافر كثيرًا .. وتنقل بين بلدان إفريقية .. وأسيوية وأوروبية .. حاملاً بين طياته كتاب الله .. داعيـًا له حتى أسلم على يديه كثير من العطشى للإيمان .. وكتب له أن يلبي نداء ربه في إحدى هذه الجولات المكوكية .. وفي إحدى ليالي شهر رمضان المعظم .. حيث لقى وجه الله وهو بين الناس في نيجيريا .. فجاءت هذه الرحلة .. وكأنه على موعد مع السماء .. التي تعلق بها منذ أن أدرك الحياة .. وقد اشتهر ذلك القارئ بأنه من النوع الأصيل .. الذي لا يبحث عن شهرة أو مجد .. بل هو سائح في سبيل ذلك الهدف الأسمى الذي تربى عليه .. آثر الانشغال بما هو أبقى .. فامتدت شبكة علاقاته إلى كل الناس .. في قريته شبرا باص التابعة لمركز شبين الكوم بمحافظة المنوفية ، حيث وجدوا فيه الابن البار لبلدته .. وظل عونـًا لكل محتاج لمعونة أو مساعدة .. وانكب على العلم حتى حصل على شهادات عالية من الأزهر الشريف وبعض المعاهد الأخرى ..
وقد عرف عن الشيخ محمد حماد .ز أنه لا يرد بابـًا لأحد فجاب القرى والمدن .. الدانية والقاصية .ز فلا يحدد لتلاوته أجرًا .. ولا يتفق عليه .. مؤمنـًا بأن الرزق بيد الله وحده .
فظل عفيف النفس .. كريمـًا . جوادًا .. من ذلك الجيل الذهبي لأهل تلاوة القرآن الكريم . تلك الكوكبة من الأسماء التي حفرت لنفسها مكانة فن تلاوة القرآن الكريم .. وفي نفوس ووجدان الملايين لمسلكهم النفسي وسيرتهم العطرة ..
وبينما شهد عام ألف وتسعمائة وأربعة وثلاثين ميلادية .. انضمام عضو جديد لأسرة الشيخ محمود أحمد حماد .. أطلقوا عليه اسم محمد .. فإن السنوات التالية شهدت انضمام ذلك الطفل إلى كتّاب الشيخ موسى المنطاش الذي تتلمذ على يديه العشرات من أطفال قرية شبرا باص ، والتي ولد فيها صاحب الصوت العبقري ، الشيخ محمود على البنا ، تزاملا معـًا في ذلك الكتّاب .. وتسابقا في حفظ آيات العزيز الحكيم .
وبعدما أتم الطفل محمد حماد .. حفظ القرآن الكريم وهو بعد لم يبلغ الثامنة من عمره .. دفعه أبوه للذهاب يومـًا إلى " دكما " وهي قرية مجاورة .. لكي يقف على أسرار تجويد القرآن . وفهم علومه .. على يد شيوخه وأساتذة أجلاء .. خاصة الشيخ على الخولي الذي أولاه عناية خاصة ..

سنوات وتكتشف أسرة حماد .. أن للابن محمد ..ميلاً واستعدادًا كبيرًا لرسالة نبيلة .. فوهبوه للقرآن العظيم .. خاصة بعد أن أشار كثير من أساتذته إلى صوته العذب .. ونبوغه المبكر ..
حين تم الصبي الرابعة عشرة من عمره .. آن له الرحيل إلى عاصمة الأزهر .. قاهرة المعز .. لدارسة القرآن الكريم .. والاستزادة من علومه .. إلا أن الدعوات التي انهالت عليه لإحياء المناسبات .. شغلته كثيرًا عن مراميه .. ودفعته لإعلان قراره بالاستقرار النهائي .. فاختار شبرا ، ذلك الحي العتيق مكانـًا لإقامته .. وظل طوال حياته فيه.. وما زال أبناؤه يشغلون منزله هناك حتى يومنا هذا .
وقد برز الشيخ محمد حماد في مطلع شبابه .. وسط فحول وأساطير القراء .. بصوته العذب الجميل .. وقدرته الفائقة على تطويع نغمات صوته حسب الآيات التي يتلوها .. والتزامه التام بأصول وأحكام التلاوة باعتباره واحدًا من الذين لا يسعون ليطربوا المستمع بقدر ما يهدف إلى إيمانه بعظمة القرآن الكريم .
وخلال سنوات قليلة حقق القارئ الشيخ محمد حماد .. انتشارًا واسعـًا .. والتف حوله الناس .. خاصة في المساجد التي عُين فيها قارئـًا للسورة .. فبدأ بمسجد السلمانية في بولاق مقيمـًا للشعائر .. ثم مسجد علي إبراهيم بشبرا قبل أن يُعين قارئـًا للسورة بمسجد الأجين ؛ حيث استمر في رحابه عشرين عامـًا متواصلاً ؛ بل إن عام ألف وتسعمائة وستين ميلادية .. قبل أن يعود إلى مسجد علي إبراهيم .. حيث استقر بعدها في مسجد الخازندارة بشبرا عام ألف وتسعمائة وخمس وتسعين ميلادية .

ورغم المكانة التي حققها القارئ الشيخ محمد حماد .. في عالم تلاوة القرآن الكريم .. إلا أنه لم ينقطع عن العلم يومـًا واحدًا .. فإلى جانب التزامه بالمراجعة المستمرة لكتاب الله من خلال مقارئ عديدة منتشرة بالمساجد .. فقد واصل رحلة الحصول على الشهادات بدأب وصبر شديدين يحسد عليهما ..
وقد التحق الشيخ ضمن صفوف طلاب العلم بمعهد القراءات وهو في سن الأربعين ؛ حيث حصل على الشهادة العالية .. بتفوق كبير واحتل الترتيب الثاني بين كل الطلاب في ذلك الوقت .. حيث تم تعيينه مدرسـًا لمادتي الفقه والحديث بمعهد شبرا الأزهري بالخازندارة وظل ضمن هيئة التدريس به حتى وفاته .
وإذا كان الشيخ محمد حماد .. قد التحق منذ بواكير طفولته بالتعليم الأزهري .. إلا أنه انقطع سنوات طويلة قبل انتظامه في كلية الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الأزهر التي حصل منها على شهادة تخرجه في عام ألف وتسعمائة وأربعة وسبعين ميلادية .
وبعد ذلك أصبح الشيخ من القراء القليلين الذين حرصوا على اتمام مراحل تعليمهم الجامعي .. بل وعديد من الشهادات الأخرى .. مما دفعه للقيام بدور الداعية أيضـًا في كل أسفاره ورحلاته .. خاصة تلك التي ذهب فيها إلى أناس هم في أشد الحاجة إلى كلمة سواء تدعوهم إلى الدين الحنيف .. حتى أكرمه الله بإعلان العشرات من الناس عن إسلامهم على يديه .. وإلى جانب ردوده السمحة في إجاباته الوافية عن الأسئلة الحائة التي تدور في عقول المستمعين لصوته العذب الندي .. باعتباره سفيرًا فوق العادة للقرآن العظيم .
وقبل خطوة واحدة تفصلنا عن قرن جديد وألفية ثالثة .. تزخر صفحات الكتاب الثري لفن تلاوة القرآن الكريم بسطور من نور تضم أصواتـًا استطاعت أن تخلد أسماءها على مر الزمان .. ذلك لأنهم جددوا في ذلك الفن الإسلامي العظيم . وأدوا دورهم النبيل في الدعوة والتنوير لذلك الدين الحنيف .. في داخل أوطانهم .. والبلاد المترامية الأطراف التي قطعوا في سبيل الوصول إليها عشرات الآلاف من الأميال .. دول كلل أو ملل .

وطوال الأعوام المائة التي أوشكت أن تلملم أوراقها وترحل برزت أسماء ذهبية في سماء التلاوة . قليل منهم حقق الشهرة والمجد بعد سنوات طويلة من الإبداع والكفاح .. وكثيرة هي تلك الأصوات التي أرادت لنفسها حياة الظل .. فهي أصوات خاشعة احتوت القرآن صوتـًا .. وتألقـًا وسلوكـًا .. فوهبها رب القرآن العظيم جنة ونعيمـًا مقيمـًا .
ومنذ خطواته الأولى في ميدان التلاوة آثر القارئ الشيخ محمد حماد الانضمام إلى تلك الصفوة الأصيلة لقراء القرآن الكريم .. التي استقرت بالقاهرة دون الالتفات إلى أضوائها المبهرة .. وإغرءاتها الدنيوية الزائلة .. وظل كذلك قاسمـًا مشتركـًا للمناسبات العامة .. والاحتفالات وليالي القرآن الكريم التي جرت في عقد الستينيات الذهبي .

وبعدما حقق الشيخ محمد حماد .. ذيوعـًا كبيرًا التف حوله الناس عندما يتلو سورة الكهف كل يوم جمعة في رحاب المساجد التي عُين بها .. وكذلك في الحفلات والمناسبات العامة . .أراد الحصول على جواز العبور إلى العالمية .. فتقدم إلى لجنة اعتماد الأصوات الجديدة للقراء بالإذاعة المصرية .. فوافقت على إجازته بالإجماع وهو بعد لم يبلغ الثلاثين من عمره .

وفور اعتماده صوتـًا جديدًا .. وافق المسؤولون على بث إبداعات ذلك القارئ لمدة نصف ساعة بمحطة البرنامج العام .. وربع ساعة بمحطات صوت العرب والشعب
وبقدر كبير من الانتظار واللهفة . ترقب عشاق صوته التلاوة الأولى عبر الإذاعة .. وفور حدوث ذلك في الأسبوع الأول من شهر يناير عام ألف وتسعمائة وأربعة وستين بمحطة البرنامج العام .. تلقى القارئ الشيخ محمد حماد .. كلمات الثناء وعبارات الشهادة من الذين استمعوا لصوته عبر الإذاعة .. التي أفردت له بعد ذلك مساحات واسعة حتى وصل منه إلى دول عربية وإسلامية بل وأجنبية أيضـًا .
وإن كان الشيخ محمد حماد كلل جهوده المتواصلة وكفاحه الطويل بنجاح كبير .. فإنه ما فتئ ويقدم يد المساعدة إلى كل الأصوات الجديدة .. والمواهب الصغيرة التي تأمل السير على نفس النهج .. وكثيرًا ما شهدت الساحة القرآنية مواقف كريمة لذلك القارئ لاحتواء العناصر خاصة القادمة من القرى والمدن البعيدة عن القاهرة .
وللشيخ محمد حماد ..مواقف اجتماعية وإنسانية مشهود له بها .. وهي بادية على كثير من المشروعات الخيرية والمساجد التي ساهم في بنائها .. والجمعيات الإسلامية ، بالتعاون مع رموز اجتماعية وسياسية في شبرا حيث اختار ذلك الحي العتيق مستقرًا له .. أو في بلدته شبرا باص بالمنوفية ..
وقد بدأت جولات ذلك القارئ منذ عام ألف وتسعمائة وخمسة وستين ميلادية .. فزار كثيرًا من الدول العربية والإسلامية وكذلك البلاد الأجنبية الأخرى التي لا تتحدث اللغة العربية .. حيث قطع عشرات الآلاف من الأميال ، وذلك في سبيل الدعوة الإسلامية بين أوائل النفر الذين يعرفون القليل عن الدين الحنيف ولا يلمسونه إلا من خلال شهر رمضان المعظم ؛ حيث الأصوات العبقرية لقراء القرآن الكريم .
وعاش الشيخ محمد حماد أيامـًا صعبة في أوغندا قلقـًا على الوطن أثناء أحداث معركة الانتصار في أكتوبر عام ألف وتسعمائة وثلاثة وسبعين ميلادية .. كما زار موريتانيا .. وقضى أيامـًا حافلة في نيجيريا التي توفى فيها .
وما زال الناس في باكستان يلتفون حول صوته كلما انبعث من تسجيلات الإذاعة هناك .. وكذلك الأمر حقق شهرة كبيرة في فرنسا وألمانيا وأسبانيا وبريطانيا وهولندا والأرجنتين التي زارها لعامين متتاليين .. أما البرازيل فقد ارتبطوا به وحرصوا على دعوته طوال أربع سنوات متتالية ..
والتسجيلات الإذاعية الموجودة في ذاكرة فن تلاوة القرآن الكريم .. والحفلات العامة التي أحياها .. تؤكد أن الشيخ محمد حماد .. من الرعيل الأول للقراء الذين التزموا بالقواعد الصحيحة والأحكام السليمة . لأصول التلاوة والتجويد .. دون الميل إلى التطريب .. مع قدرة فائقة على التصوير حيث المعايشة التامة لكلمات الكتاب العزيز .
وقد ظل القارئ الشيخ محمد حماد .. ملتزمـًا بهذه القواعد سواء في داخل مصر .. أو خارجها ؛ حيث لبى نداء ربه في يوم الخميس الثامن والعشرين من شهر مارس عام ألف وتسعمائة وواحد وتسعين ميلادية خلال زيارة له لنيجيريا .. فسكن الجسد عن سبعة وخمسين عامـًا قضاها واحدًا من السفراء الإجلاء للقرآن الكريم .
المصدر:
جريدة الراية : العدد6438

نور العين
01-Dec-2004, 09:47 AM
الشيخ أحمد الرزيقي .. - الصوت القادم مع انتصارات رمضان
أصوات ندية .. هي أصوات حباها الله من فضله بالموهبة .. والطلاوة .. والحلاوة والعبقرية الحقيقية .. والقدرة على تلاوة آياته من أعمق أعماق القلب .. وبذلك تصل آياته الكريمة في كتابه العزيز إلى كافة المسلمين في كل أنحاء الأرض .. مؤكدة عظمته .. وعلو شأنه ومكانته ..
هذه الأصوات التي تتلو الآيات البينات بكل إيمان .. وخشوع .. يحظى أصحابها بالتقدير من الجميع .. حبـًا .. وإعجابـًا .. وتشجيعـًا أيضـًا .. وتربطهم بالمسلمين جميعـًا في كافة الأنحاء روابط روحية عميقة .. هؤلاء هم القراء المشاهير الذين تربوا في مدرسة القرآن الكريم .. فأبدعوا .. وأجادوا .. وفاضوا ببركاتهم على الناس جميعـًا في كل زمان .. ومكان .. ولكل منهم طريقة .. وأسلوب .. ويقفون جميعـًا في النهاية أصواتـًا .. تبدو وكأنها قادمة من السماء فما تردده وما تتلوه نابع من الإعجاز الإلهي .. ويرسم طريق الحق والهداية لكافة المسلمين .
القارئ الشيخ أحمد الرزيقي واحد من الذين استطاعوا أن يصلوا بالمعاني القرآنية إلى قلوب المستمعين في كل الدول العربية، والإسلامية .. حباه الله بصوت مكنه من أن يشعر من يستمع إليه بعظمة جمال القرآن الكريم ، حفظ القرآن في العاشرة من عمره بعد أن تفرغ لتلاوته .. ألحق بالإذاعة المصرية 1973م وانطلق منها إلى آفاق الرحاب الإيمانية في أرجاء المعورة ، قال في حديثه لـ " الراية القطرية " إن القرآن الكريم هو الملاذ والعاصم من الموبقات التي تحيق بالمسلمين في الوقت الراهن ودعا الشباب لحفظه وإجادة تلاوته والعمل به .
وأكد أن للقرآن سكينة ربانية تنزل من السماء على قارئ كتاب الله فيشعر بطمأنينة وسعادة تجعله أغنى الناس .

وفيما يلي نص الحوار :

li في البداية نريد أن تعرف القارئ على بداية رحلتك الإيمانية مع القرآن الكريم ؟
- خير ما بدأت به حياتي هو الاستعانة والاهتداء بمنهاج الله سبحانه وتعالى الذي شرعه لنا في كتابه العزيز ؛ فقد اتجهت لكتاب الله منذ طفولتي بتوفيق الله وقدره وكأنه سبحانه أراد بي الخير كله .
وفي بداية تعلمي وأنا في المرحلة الابتدائية في قرية الرزيقات قِبْلِي بمحافظة قنا ، وأثناء ذهابي إلى المدرسة رأيت مجموعة من أهل بلدتي ينتظرون في الصباح الباكر بشغف شديد تلاوة القرآن بصوت الشيخ عبد الباسط عبد الصمد ـ رحمه الله ـ وهو (بلدياتي )، فجلست معهم وما أن قرأ الشيخ عبد الباسط وسعد الناس به إلاوتعلقت بالقرآن الكريم وأحسست أن دافعـًا قويـًا يدفعني نحو كتاب الله فتركت المدرسة دون علم أسرتي وبدأت أقرأ القرآن من المحفظ الفاضل الشيخ محمود كريم .
وبعد مرور شهر أو أكثر جاء إلى والدي خطاب من المدرسة يخبره بأني منقطع عن الدراسة ، فلما عدت للمنزل سألني والدي أين كنت فقلت له كنت في دار التعليم الحقيقي لتحفيظ القرآن الكريم فأقرني على هذا وانشرح صدره بهذا الخبر الجميل وحفظت القرآن وأنا في العاشرة من عمري بعدها انتقلت إلى المعهد التخصصي لعلم القراءات في مركز اسنا بمحافظة قنا ؛ حيث أتقنت على يد الشيخ محمد سليم حمادة علم التجويد والتلاوة والعلوم الفقهية واللغوية والأدبية بالإضافة إلى مجموعة أخلاقيات خاصة بالتلاوة وأهمها أن على المقارئ أن يعلم حينما يتلو كتاب الله أن الله يراه ويسمعه ،وكان دائمـًا ما يرد علينا الحديث النبوي أن الإيمان هو أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ، وتأكد لي أن من يعتقد هنا عندما يتلو كتاب الله تعالى يصل إلى قلوب المستمعين فيتعلمون منه قراءة القرآن الكريم .

وكان شيخنا أيضـًا يعلمنا أن القارئ إذا قرأ بعض آيات القرآن فلابد أن يدرك ويتدبر معانيها لكي يستفيد منها ويعمل بها ،والله تبارك وتعالى أورثنا كتابه الذي لا ينبغي أن تكون هناك ثروة في هذه الدنيا أكبر منه ، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : < من أوتي القرآن وظن أن أحدًا أغنى منه فقد حقر ما عظم الله > .
وأنا بحفظي لكتاب الله رأيت الخير كله في الدنيا وإن شاء الله نراه في الآخرة ، فإذا تمسك الإنسان بنهج القرآن نجا من المهالك في الدنيا والآخرة ، وقد رجوت الله سبحانه أن يجعلني من حملة القرآن الكريم الذين يقبلهم ويرفعهم الله كما أخبرنا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أن الله تبارك وتعالى يقول لقارئ القرآن الكريم : < اقرأ > : بعد هذه البداية الكريمة وأثناء وجودي في محافظة قنا عُرف اسمي وذاع صيتي ، ومن قنا انطلقت إلى محافظات مصر ، وتطلعت نفسي لتلاوة القرآن بالإذاعة المصرية ، فتقدمت بطلب للجنة اختيار القراء سنة النكسة 1967م ، غير أنني لم أجد جوابـًا على هذا الطلب غير أن مراقب الشؤون الدينية في ذلك الوقت الشاعر محمود حسن إسماعيل ـ رحمه الله ـ أحزنني أنه لن تعقد لجان اختبار القراء إلا بعد زوال آثار العدوان .
وفي هذا الوقت لم أجد إلا الشيخ عبد الباسط بلدياتي وما أن التقيته حتى طلب مني أن أبقى معه ولا أرجع إلى قنا واصطحبني في كل الليالي التي كان يقرأ فيها إلى أن جاء النصر في أكتوبر عام 1973م في حرب العاشر من رمضان المجيدة فكتبتُ خطابـًا للرئيس الراحل السادات أهنئه على النصر المجيد وأخبرته بأني أريد أن أتلو القرآن في الإذاعة ولم يمض أسبوع حتى جاءني خطاب منه يخبرني بأنه جار تحديد موعد لاختبارك في الإذاعة ، وبالفعل مثلت أمام اللجنة ونجحت بتفوق .
وكانت تلاوتي في الإذاعة فاتحة خير من الله عليَّ منها عرفت هويتي على مستوى الدول جميعـًا ،وكانت نيجيريا أول دولة أتلو فيها القرآن مع الشيخ عبد الباسط ، ثم توالت زياراتي لدول أخرى في أوروبا وأميركا واستراليا والدول العربية .
li لكل إنسان قدوة في عمله يقتدي بها ويتعلم منها وينهل من علمها ، فعلى يد من تتلمذت ؟
- لا شك أن الشيخ محمد رفعت والشيخ محمد صديق المنشاوي والشيخ أبو العينين شعيشع ، والشيخ مصطفى إسماعيل ، والشيخ محمود علي البنَّا وعلى رأسهم الشيخ عبد الباسط عبد الصمد مدارس قرآنية تعلمت من مناهجهم في التلاوة وفي السلوك القرآني والآداب التي يجب أن يتحلى بها القارئ مع التمسك بالكرامة كما تعلمت منهم الابتداءات في التلاوة ، وأذكر أن الشيخ مصطفى إسماعيل كان دائمـًا ما يوجهني للتلاوة الصحيحة التي توضح للمستمعين الآيات ومعانيها ومقاصدها .
li ولكن هناك صوتـًا تحب أن تستمع له أكثر فمن هو صاحب هذا الصوت ؟
- كنت أتعلق بتلاوة الشيخ عبد الباسط عبد الصمد لعدة أسباب فقد كان يقرأ القرآن بإتقان ويعطي كل حرف حقه على الفطرة بموهبة ربانية دون أن يتعلم الموسيقى كما أنه كان بلدياتي وقريبي وكان صاحب الفضل الأكبر عليَّ وكان أيضـًا في شدة التواضع والبساطة ، فكنت إذا سافرت معه يخدمني بنفسه ويعد لي الطعام والمشروبات وخاصة الشاي .
li وهل تستمع للقرآن بصوت الشيخ أحمد الرزيقي ؟
- نعم أسمعه سمع الناقد وغالبـًا ما أجلس لأسمع لما أتلوه فاكتشف أشياء أحاول أن أعالجها ودائمـًا أشعر بالتقصير وإنني لم أصل بعد للتلاوة القرآنية التي أرضاها لكتاب الله العزيز .

li يرى البعض أن بعض المقرئين الموجودين على الساحة حاليـًا دون المستوى .. فهل تتفق معهم في هذا الرأي ؟
- لا أريد أن أقول لا .. إن كلهم خير وبركة وادعو الله لي ولهم أن يصلح لنا الحال ويهدينا للحفاظ على تلاوة كتابه بأمانة وبدون تلاعب وأشهد أن بعضهم يتلاعب بهذا الرحاب الإيماني ولا يلقي اهتمامـًا لقدسية التلاوة .

نور العين
01-Dec-2004, 09:47 AM
li ولكن في المقابل ذهب البعض إلى أن الموهبة لا تزال موجودة ولا تزال تقاليد التلاوة كما كانت من ذي قبل وأن الذي تغير هو إقبال المستمعين على الاستماع نظرًا لتغير إيقاع الحياة .. فما هو تعليقك ؟
- لقد شغل الناس بهمومهم ومشكلاتهم حتى إننا حين نتلو القرآن على الجمهور تجد الناس في وادٍ آخر ويسعى كل منهم للانفراد برفيقه للحديث في أمور دنيوية أو مشكلة من المشكلات على خلاف ما كان يحدث من المستمعين في الستينيات والسبعينيات من حرص على الاستماع للقارئ وتدبر ما يتلو من آيات .

li للقرآن الكريم جمالية خاصة تجذب قلوب وآذان مستمعيه من جهة نظرك أين تكمن مواطن هذه الجماليات ؟
- آيات القرآن الكريم تحمل في معانيها جمالية تختلف من مقصد لآخر حسبما يجتهد القارئ في التعبير عن مراتب صوته فالقرآن نزل من الله سبحانه وتعالى بحركاته وفي هذا الصدد أقول إن أحكام تجويد الآيات القرآنية هي الأساس الذي أخذ عنه الغربيون ما يعرف بالزمن الموسيقى في الحركات الموجودة في السيمفونيات التي ألفوها بمعنى أن هذه الحركات هي أساسيات التلاوة القرآنية فلكي يتعلم القارئ التنقل النغمي بين الآيات فلا بد وأن يدرس المقامات الموسيقية .
فمثلاً عندما أقرأ قول الله سبحانه وتعالى : ( يا أيتها النفس المطمئنة li ارجعي إلى ربك راضية مرضية li فادخلي في عبادي li وادخلي جنتي )(الفجر/27ـ30) اقرأها بنغمة الصبا الحزينة الرصد على النوى لكي أظهر جمالها.
وكذلك عندما أقرأ الآية القرآنية : ( وجوهٌ يومئذٍ مسفرة li ضاحكة مستبشرة )(عبس/38 ، 39) لابد وأن أقرأها بنغمة تظهر السرور والفرح .



li شهر رمضان فيه إيمانية خاصة يشعر بها من يقترب من القرآن الكريم فما الذي يمثله لك هذا الشهر الفضيل ؟
- هذا الشهر الكريم نزل فيه القرآن المعجزة الكبرى التي جددت عقول وفكر المتفلسفين والمتفقهين ، وقد قال عنه الرسول صلى الله عليه وسلم لو علمت أمتي ما في رمضان لتمنت أن يكون العام كله رمضان .. فهذا شهر الخيرات والبركات وأنا أتلمس هذه البركات بتلاوة الآيات القرآنية وأشعر أن لها طعمـًا يختلف عن التلاوة في سائر السنة .
ولرمضان أيضـًا منزلة خاصة في نفسي لأني عرفت من خلاله العظماء في الدول الإسلامية والعربية ، فقد تعرفت في قطر على الشيخ عبد الله الأنصاري رحمة الله عليه ولي أصدقاء منهم الشقيقان العزيزان الحبيبان إلى قلبي الشيخ ناصر بن أحمد بن علي آل ثاني ، وشقيقه الشيخ أحمد، وهما من أعظم الناس خلقـًا وتمسكـًا بالدين واستماعـًا لكتاب الله واعتزازًا بحملته .
والحقيقة أن لي تقليدًا في رمضان فبعدما أنتهي من صلاة التراويح وأعود لمنزلي أقرأ القرآن وتفاسيره حتى صلاة الفجر وبعد الصلاة لي ورد خاص أنتهي منه في الصباح ثم أنام ولا أستيقظ إلا على صلاة الظهر ، فأنا أعتبر أن نوم الصائم عبادة .

li مع أجهزة الإعلام بمختلف أنواعها وبصفة خاصة التليفزيونات العربية تقدم شهر رمضان بكم هائل من المسلسلات والأفلام وبرامج المنوعات والفوازير وغيرها فأي هذه البرامج تفضلها ؟
- الحقيقة أني لا أشاهد برامج غير دينية في رمضان فمعظمها تلهي عن ذكر الله وتشغل الناس عن العبادة .

li لا شك أن تلاوة القرآن الكريم تثري قارئه لغويـًا وأدبيـًا وتبعث فيه حب اللغة العربية وآدابها فكيف تأثرت أدبيـًا بتلاوتك للقرآن وهل لك تجارب إبداعية ؟
- تلاوة القرآن الكريم خير دراسة ومدرسة لتعليم اللغة العربية فهي تعلم القارئ كيف ينطق ويعبر عن المعاني المقصودة وكانت أساس حبي للشعر والشعراء فأقبلت على شعرائنا العظماء مثل أحمد شوقي وحافظ إبراهيم أنهل من عطائهم .


الحب في حياته :
li في الحب سحر تحار له القلوب والعقول وهام الشعراء في بحوره .. بوصفك شاعرًا كيف تعبر عن الحب ؟
- الحب هو أسمى شيء في الوجود فالقرآن الكريم يصف الخواص من العباد بحبهم لله وإذا خلا قلب الإنسان من الحب أصبح جامدًا وانتفت عنه الإنسانية .

li وماذا عن المرأة في حياتك ؟
- المرأة هي حياتي فهي أمي التي أعطتني الحنان والحب ، وزوجتي الفاضلة التي أعتز بها كثيرًا ويعتز بها أهلي كثيرًا لأنها ربت أبنائي على الخلق القرآني الإيماني ، فالزوجة الصالحة تعين زوجها على طاعة الله .

li وهل من أولادك من سلك طريق التلاوة ؟
- الحقيقة إن ابني محمد له صوت جميل ويحاول أن يقلدني لكنه طالب في الجامعة وأفضل أن ينتهي من دراسته أولاً .

li أخيرًا ما هي النصيحة التي تقدمها للشباب المسلم ؟
- أنصح الشباب بحفظ القرآن الكريم في هذا الزمان الذي كادت أن تضيع فيه الفصحى ، فالقرآن الكريم خير معلم للغة العربية وتمسك الشباب بالقرآن هو الملاذ لهم والنجاة من موبقات الحياة المتعددة ، فمن يرد أن يفوز برضاء الله وتوفيقه وحبه فليقرأ القرآن الكريم ، وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم بأن الجوف الخالي من القرآن كمثل البيت الخرب ، كذلك أنصح الشباب بالتأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في سلوكهم وعباداتهم وإيثارهم لإخوانهم على أنفسهم ، فلو تعلمنا الإيثار من القرآن والسنة النبوية الشريفة لفزنا وأصبنا بعضنا من حب الله سبحانه وتعالى .

نور العين
01-Dec-2004, 09:48 AM
الشيخ محمود إسماعيل الشريف - قارئ يمثل الالتزام الشديد
أصوات ندية .. هي أصوات حباها الله من فضله بالموهبة .. والطلاوة .. والحلاوة والعبقرية الحقيقية .. والقدرة على تلاوة آياته من أعمق أعماق القلب .. وبذلك تصل آياته الكريمة في كتابه العزيز إلى كافة المسلمين في كل أنحاء الأرض .. مؤكدة عظمته .. وعلو شأنه ومكانته ..

هذه الأصوات التي تتلو الآيات البينات بكل إيمان .. وخشوع .. يحظى أصحابها بالتقدير من الجميع .. حبـًا .. وإعجابـًا .. وتشجيعـًا أيضـًا .. وتربطهم بالمسلمين جميعـًا في كافة الأنحاء روابط روحية عميقة ..وهم هؤلاء القراء المشاهير تربوا في مدرسة القرآن الكريم .. فأبدعوا .. وأجادوا .. وفاضوا ببركاتهم على الناس جميعـًا في كل زمان .. ومكان .. ولكل منهم طريقة .. وأسلوب .. ويقفون جميعـًا في النهاية أصواتـًا .. تبدو وكأنها قادمة من السماء فما تردده وما تتلوه نابع من الإعجاز الإلهي .. ويرسم طريق الحق والهداية لكافة المسلمين .

عشرون عامـًا مرت .. منذ أن اتجه إلى ذلك المبنى الكبير في ماسبيرو .. واخترق باب الإذاعة .. حيث جلس إلى لجنة تضم كبار علماء الأزهر . ومنذ أن أجازوه .. وقدماه لا تكل الذهاب إلى ذلك المكان الذي يعتبره .. البوابة الحقيقية إلى عالم الشهرة .. ذلك الطموح الذي يظل أملاً وهاجسـًا لكل الباحثين عن مكانة لهم على خريطة قارئي القرآن الكريم .

والشيخ محمود إسماعيل الشريف .. أمضى سنوات طويلة قطع خلالها آلاف الأميال .. بين ذهاب وإياب .. إلى القرى المجاورة تارة للتعلم والحفظ .. وأحيانـًا أخرى للتلاوة في بداية مشوار طويل .. بعدما عاهد الله سبحانه وتعالى أن يكون وقته وجهده .. بل وحياته كلها في خدمة كتابه العزيز .. وها هو الرجل وهو على أعتاب السابعة والخمسين من عمره .. صدق فيما عاهد الله عليه ..
والشيخ حين تسمعه .. تشعر وكأنك ما زلت تعيش في العصر الذهبي لأهل التلاوة .. ذلك العهد الذي ولى وأدبر بعد غياب أولئك الرواد الأوائل الذين مازالت سيرتهم العطرة تملأ الدنيا بما قدموه وما جادوا به .. وأفنوا حياتهم من أجله ..

وصوت القارئ محمود إسماعيل الشريف .. من الأصوات التي تركت أثرًا كبيرًا في الساحة القرآنية ، فهو حفظ كتاب الله عز وجل والتزم بأحكام التلاوة والتجويد .. ثم استطاع تطويع الصوت حسب الآيات التي يتلوها .. والشيخ حين يتردد صوته في جنبات المكان .. سابحـًا في السماء .. مرددًا كلمات الله التآمات .. يلتف حوله المستمعون وكأنهم يسمعون القرآن لأول مرة .. ذلك لأنه قارئ يمتلك أدواته .. ويجيد اختيار المقامات وتطويعها حسب معانيها .. فحين يشدو صوته بآيات العذاب والآخرة .. والنار .. يستخدم مقامات الحزن .. إلا أنه سرعان ما يعرج على مقامات الفرح حين يتلو آيات النعيم المقيم .. والجنة والاستبشار بما سيلقاه المؤمن عند لقاء ربه .

وصوت القارئ محمود إسماعيل الشريف .. قطعة من الذهب النفيس بين الأصوات المعاصرة التي تحتل ساحة آي الذكر الحكيم .. وما زال رغم مشواره الطويل .. حريصـًا على العودة كل ساعة إلى كتاب الله .. للاستزادة بإعجازه ..واكتشاف الجديد في فن تلاوة القرآن الكريم ..

خطـواته الأولى :
بدأ الشيخ خطواته الأولى في قريته الهجارسة مركز كفر صقر بالشرقية .. فبعد مرور سنوات قليلة على ميلاده عام ألف وتسعمائة وثلاث وأربعين ميلادية .. التحق بمدرسة القرية الابتدائية حيث انتظم في صفوفها واحدًا من طلابها المتفوقين .. حتى واتته الفرصة الأولى حين أرادوا اختيار أحد الأصوات الجميلة لافتتاح إحدى المنشآت في مناسبة دينية ، ومن يومها نال إعجاب الحاضرين .. وأصبح قاسمـًا مشتركـًا لكل الحفلات والمناسبات العامة بالمدرسة ..

وحين سمعه مأذون القرية الشيخ حفني عبد الرحيم الذي توجه من فوره إلى والده راجيـًا إليه إلحاق الطفل الصغير إلى أحد كتاتيب حفظ القرآن الكريم .. مستبشرًا له بمستقبل قرآني عظيم .. وهو ما التزم به الأب الذي دفع الابن للابتعاد عن المدرسة الابتدائية .. فالتحق بالكتّاب وهو في الثامن من عمره ..

بدأت خطوات الطفل تتجه يوميـًا قاصدة كتّاب الشيخ عبد المقصود عبد السميع الذي بدأ رحلة طويلة في تحفيظه السور والآيات .. قبل أن يتركه إلى شيخ آخر من علماء الأزهر الشريف هو الشيخ عبد الله الحشماوي الذي وجد فيه استعدادًا وقبولاً كبيرًا ..

مع أستاذه :
واصل الصبي مشواره مع كتاب الله وتابعت الأسرة التصاقه بأساتذته من العلماء والشيوخ خاصة الشيخ السيد العربي الذي يعد واحدًا من العلماء الأولياء .. والنابه في علوم القراءات ؛ حيث أخذ عنه التجويد برواية حفص عن عاصم .. قبل أن ينتقل إلى الشيخ محمد السيد الصغير بقرية " أبو الشقوق " والذي تعلم على يديه أسرار القراءات العشر .. إلا أن المنية وافته فلم يكمل المشوار في كتابه ..

يروي الشيخ محمود الشريف ذكرياته عن تلك الفترة فيقول : رغم صغر سني .. فقد ذاع صيتي وشهرتي خاصة في قريتي الهجارسة ..والقرى المجاورة منذ أن أشق طريقي في الحفلات ، والمناسبات الدينية والعامة التي تقام في ذلك الوقت المبكر من عمري ، وفي ظل وجود أصوات شهيرة لقرّاء آخرين ..إلا أنني انغمرت بثقة المستمعين بعدما تمكنت من تجويد القرآن قبل أن أتم الثانية عشرة عامـًا في ذهابي وعودتي إلى قرية السلاوي ؛ حيث المعلم الشيخ أحمد محمود حسانين الذي أخذ على عاتقه مهمة تدريبي وصقل موهبتي القرآنية .. وكانت مشاعري تفيض تيهـًا وفخرًا أنني أكابد آلام السير ماشيـًا في سبيل أن أحفظ آية قرآنية .. أو أن أتعلم قاعدة صوتية .

مواقف صعبة في حياة الشريف :
تعرض الشاب محمود إسماعيل الشريف لمواقف صعبة بعد رحيل والده عام ألف وتسعمائة وستين ميلادية السند الأكبر .. فدائمـًا ما كان يردد أمامه " إحفظ القرآن . فسوف يبعدك عن النار .. ويدخلك الجنة يوم القيامة " ، وهكذا رحل الأب الذي سعى طوال حياته لأن يرى الابن قارئـًا شهيرًا .. وسفيرًا لكتاب الله عز وجل ..

ظل القارئ الشاب يومها يترقب أصوات بعض القراء الرواد خلال زيارتهم لقريته والقرى المجاورة .. ليجلس إليهم .. يأخذ عنهم .. ويتعلم منهم .. وكانت أفضل أيامه حين يجلس أمام الشيخ جودة أبو السعود .. أو الشيخ عبد الحق محمد القاضي .. كما اعتاد إلصاق أذنيه بجهاز الراديو حين يبث الأصوات الذهبية لقرّاء عظام مثل الشيخ مصطفى إسماعيل .. والشيخ عبد الباسط عبد الصمد .. والشيخ محمود خليل الحصري .. وغيرهم من الرواد الأوائل الذين رحلوا عن دنيانا منذ سنوات ..

وقد ظل القارئ الشاب محمود إسماعيل الشريف .. مواصلاً رحلته على الساحة القرآنية .. وبعدما حقق شهرة كبيرة في محافظته الشرقية .. والمحافظات الأخرى ..آن له أن يتجه بخطواته الواثقة إلى ماسبيرو حيث بوابة العبور إلى أذن الملايين من المستمعين في كل البلاد العربية والإسلامية .. بل أركان الدنيا .. وظل لأربع سنوات في انتظار موعد الجلوس إلى لجنة الاعتماد بالإذاعة المصرية والذي تحقق عام ألف وتسعمائة وتسع وسبعين ميلادية .

براءة الاعتراف بصوته :
تظل الأصوات الندية ..التي تتخذ من التلاوة القرآنية ..منهجـًا وحياة لها .. في سعي دائم لها لأن يصل إبداعها إلى كل مكان بالعالم .. حيث يقف المستمعون على أسباب الإعجاز الإلهي وصوره المتمثلة في كتابه العزيز .. ويظل صاحب كل صوت جديد محاولاً الفوز ببراءة الاعتراف بصوته وموهبته التي تمنحها له الإذاعة المصرية .. حتى يكون جديرًا بالانضمام إلى طابور أهل التلاوة ..
هكذا يؤكد للراية الشيخ محمود إسماعيل الشريف الذي بادر إلى إعلان رغبته في اعتماد صوته عام ألف وتسعمائة وخمسة وسبعين ميلادية .. وعندما تسلم بعدها بعامين خطاب الإذاعة قبل ليلة الاختبار بيوم واحد .. رأى إرجاء هذه الخطوة لموعد آخر يكون فيه قد أكمل استعداده .. وهو ما تحقق بعدها بعامين آخرين ..

رواية حفص :
مكث الشيخ محمود إسماعيل كما يقول فترة طويلة في منزله يتلو القرآن .. ويؤكد إجادته لأحكام التلاوة .. ويستمع لنصائح قارئٍ شهير مثل الشيخ أحمد محمد عامر الذي أشار إليه برواية حفص أسلوبـًا في التلاوة كما هي عادة لجنة الاعتماد التي ضمت كلاً من الشيخ عفيفي الساكت .. ومحمد مرسي ، وعبد الحافظ الدشتاوي ...

وحين تلا الشيخ من آي الذكر الحكيم .. امتلك حواس أعضاء اللجنة الذين أرادوا الاستزادة بتسجيل نصف ساعة لذلك الصوت القوي .. والمتمكن من أدواته .. فنال إجماعهم .. في نفس الوقت الذي نجح فيه قارئون من أفضل الأصوات المعاصرة حاليـًا هما الشيخ الدكتور أحمد نعينع ، والشيخ الشحات محمد أنور ..

البهتيمي لا يعوض :
ومنذ اللحظات الأولى لاعتماد صوته في عام ألف وتسعمائة وتسعة وسبعين ميلادية .. يواصل ذلك القارئ مسيرته واحدًا من النجوم الزاهرة ، لفن التلاوة .. عاصر بعضـًا من الأسماء الرائدة للرعيل الأول أمثال الشيخ كامل يوسف البهتيمي الذي يضعه في مرتبة عالية وإن كان لم يلحق به .. وكذلك لم تواته الفرصة للتلاوة بجوار عبقري مثل الشيخ عبد الباسط عبد الصمد .. وكذلك الأمر لمدرسة قرآنية جامعة هي الشيخ مصطفى إسماعيل ..

وما زال الشيخ محمود إسماعيل الشريف .. يتذكر كيف قرأ بجوار قارئ بحجم الشيخ محمود على البنَّا .. فقد أخذ عنه الكثير من آداب وأخلاقيات قارئ القرآن .. والقدرة العجيبة في السيطرة على أسماع الناس وأفئدتهم ..

وكذلك ارتبط بأسماء شهيرة دانت لها الساحة مثل الشيخ محمد صديق المنشاوي .. واحدًا من رواد المدرسة المحافظة .. كما يعتبر محمود إسماعيل الشريف نفسه محظوظـًا باللقاءات المتواصلة مع نقيب القراء الشيخ أبو العينين شعيشع أطال الله في عمره ..
طاف الشريف القرى والمدن بكل المحافظات باحثـًا عن الجديد في أحكام التلاوة .. فهو يرى أن التفاف الناس حول القراء يؤكد دورهم كسفراء للكتاب العزيز .. ويجدد من أساليب القراءة في ظل غياب الرواد الأوائل الذين أثروا الساحة بتسجيلاتهم الباهرة التي ما زالت محفوظة في سجل الزمان .. حين تلا الشيخ محمود إسماعيل الشريف لأول مرة على الهواء مباشرة في صلاة الفجر أحد أيام شهر مارس عام ألف وتسعمائة وثمانين ميلادية .. شعر وكأنها المرة الأولى التي يواجه فيها المستمعين الذين ملأوا خيمات رحاب مسجد السيدة زينب رضي الله عنها .. وما أن بدأ يتلو من سورة القصص حتى وصلته مظاهر الاستحسان من الناس فاطمأن قلبه وراح يغرد بصوته العذب حتى انتهى من القراءة .. لتبدأ مرحلة تسجيلاته الخارجية من المساجد الإسلامية الشهيرة بعاصمة المحروسة والأزهر الشريف ..

رحلات مكوكية .. قطع فيها الشيخ إسماعيل الشريف عشرات الآلاف من الآميال .. منذ أن بدأ زيارته الأولى خارج مصر حيث يلقى إقبالاً كبيرًا من المسلمين في كل مكان .. سواء أكانوا في أوروبا .. أو كينيا التي زارها مرتين والكاميرون وعدة دول إفريقية أخرى .. كذلك الأمر حين زار جزر المالديف التي يحرص فيها رئيس الجمهورية هناك على حضور ومتابعة الليالي القرآنية التي تعقد كل يوم خلال شهر رمضان بالمركز الإسلامي الذي يطل على المحيط .

نور العين
01-Dec-2004, 09:48 AM
القارئ الشيخ :محمد عبد الوهاب الطنطاوي
أصوات ندية .. هي أصوات حباها الله من فضله بالموهبة .. والطلاوة .. والحلاوة والعبقرية الحقيقية .. والقدرة على تلاوة آياته من أعمق أعماق القلب .. وبذلك تصل آياته الكريمة في كتابه العزيز إلى كافة المسلمين في كل أنحاء الأرض .. مؤكدة عظمته .. وعلو شأنه ومكانته ..

هذه الأصوات التي تتلو الآيات البينات بكل إيمان .. وخشوع .. يحظى أصحابها بالتقدير من الجميع .. حبـًا .. وإعجابـًا .. وتشجيعـًا أيضـًا .. وتربطهم بالمسلمين جميعـًا في كافة الأنحاء روابط روحية عميقة ..وهم هؤلاء القراء المشاهير تربوا في مدرسة القرآن الكريم .. فأبدعوا .. وأجادوا .. وفاضوا ببركاتهم على الناس جميعـًا في كل زمان .. ومكان .. ولكل منهم طريقة .. وأسلوب .. ويقفون جميعـًا في النهاية أصواتـًا .. تبدو وكأنها قادمة من السماء فما تردده وما تتلوه نابع من الإعجاز الإلهي .. ويرسم طريق الحق والهداية لكافة المسلمين .

يعتبر الشيخ محمد عبد الوهاب الطنطاوي واحدًا من أكثر قراء عصره من حيث الشهرة والكفاءة وإن كان أزهدهم في السعي وراء حب الظهور .
ولد القارئ الشيخ محمد عبد الوهاب الطنطاوي عام 1947م بقرية النسيمية مركز المنصورة بمحافظ الدقهلية ، حفظ القرآن الكريم قبل بلوغه العاشرة من العمر ، وكانت هذه أمنية والده الحاج عبد الوهاب ـ رحمه الله ـ ، الذي وهب هذا الابن للقرآن ؛ ولذلك سماه محمدًا ، تيمنـًا وتبركـًا بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بعدما بلغ الطفل " محمد " السابعة من عمره ألحقه أبوه بالصف الأول الابتدائي بقريته " النسيمية " مركز المنصورة حتى يكون في صفوف المتعلمين المثقفين أصحاب الوظائف المرموقة في مجتمع ريفي يفخر بأبنائه ويعتز بهم وخاصة إذا كانوا علماء دين وأهل قرآن .
أقبل الفتى القرآني الموهوب محمد عبد الوهاب على حفظ القرآن بكل جوارحه وما وهبه الله من ذكاء وهدوء وتواضع ومقومات مكّنته من كتاب الله عز وجل .

وبعد حصوله على الشهادة الابتدائية بتفوق عام 1959م التحق بالمعهد الديني بمدينة المنصورة ليتلقى العلوم الدينية ليكون من رجال الأزهر الشريف ، واستطاع أن يستوعب المنهج الدراسي بسهولة واقتدار فاهتم به شيوخه والمدرسون اهتمامـًا ملحوظـًا لأنه يتمتع بمواهب متعددة ظهرت من خلال رغبته القوية في تلاوة القرآن بصوت عذب جميل ، وتقديم الابتهالات والمدائح النبوية والقصائد الدينية ، وعندما علم أحد الشيوخ بالمعهد بكل القدرات والإمكانيات لدى الطالب الموهوب " محمد " فأولاه رعاية واهتمامـًا خاصـًا ونصحه بأن يستغل هذا كله في شيء واحد وهو تلاوة القرآن الكريم حتى يستثمر المواهب المتعددة والتي من المتوقع أن تؤهله ليكون قارئـًا مشهورًا ، ونجمـًا ساطعـًا في عالم القراءة ؛ لأنه يتمتع بعدة مزايا ، منها جمال الصوت ، وقوة الأداء ، وشدة الالتزام بأحكام التلاوة والتجويد المتقن ، بالإضافة إلى التواضع الجم ، وحسن المظهر ، والاعتزاز بالنفس ، والتخلق بخلق القرآن ، والوقار المستمد من جلال القرآن الكريم .

وكان الشيخ محمد سعيد الحظ لأنه نشأ في منطقة تحب سماع القرآن وتتنافس كبرى العائلات فيها في استقدام مشاهير القراء في المآتم والمناسبات المختلفة ، فيقول الشيخ محمد : " من حسن حظي أنني نشأت في منطقة أنجبت عملاقـًا في تلاوة القرآن الكريم له صيته وشهرته الواسعة التي انتشرت في منطقة وسط الدلتا والوجه البحري كله ، وهو القارئ الشيخ حمدي الزامل ـ رحمه الله ـ ، وتعلمت منه منذ نشأتي أن قوة شخصية القارئ ليست في حسن تلاوته فقط وإنما هي مستمدة من عزة وجلال ووقار القرآن الكريم وحسن معاملة الآخرين ، والتخلق بأخلاق القرآن الكريم والثقة بالنفس إلى جانب ما تعلّمته من فضيلته حيث كان صاحب مدرسة قرآنية، وفاض إبداعه وتألقه فنهل منه الكثيرون ممن تتلمذوا عليه وأصبحوا أسماء لا تنكر في دولة التلاوة وتأثرت في بداية حياتي بأساتذة أفاضل كالنجوم الزاهرة أمثال الشيخ شعيشع ، والبنَّا ، وراغب ، حتى تحددت شخصيتي في التلاوة قبل أن ألتحق بالجامعة عام 1969م .

وبعد انتهاء المرحلة الثانوية انتقل الشيخ محمد عبد الوهاب إلى القاهرة ليكمل دراسته بجامعة الأزهر الشريف ، فالتحق بكلية أصول الدين ليكون داعية تحقيقـًا لرغبة والده رحمه الله واختار قسم الفلسفة والعقيدة .

بدأت عوامل التكوين والشخصية تظهر لدى الشيخ الطنطاوي أثناء دراسته بالجامعة فكان يلبي الدعوات التي انهالت عليه من كل محافظات مصر ، واستطاع بفكره الثاقب أن يوزع وقته بين تحصيل العلوم والمناهج الدراسية بالجامعة ، وبين ممارسته لتلاوة القرآن في السهرات والحفلات والمناسبات الدينية التي كان يدعى إليها ، كما أنه كان ينتقل في أوقات فراغه بين مجالس العلماء بالمساجد الكبرى كالأزهر الشريف ، والإمام الحسين ، والسيدة زينب ، ليرتوي من علم العلماء ويتفقه في أمور الدين ويتلو كتاب الله إن أتيحت له الفرصة .

وبعد أدائه للخدمة العسكرية جاءه خطاب التعيين للعمل واعظـًا بمديرية أوقاف الدقهلية فتسلم العمل إلى جانب تلاوة القرآن الكريم ، ونظرًا لتفوقه العلمي والقرآني والأخلاقي ، ارتقى إلى واعظ أول بمحافظة الدقهلية ، وظل يعمل عشر سنوات من عام 1975م ، وفي تلك الفترة كان الشيخ الطنطاوي أحد القراء الموهوبين المرغوب في استدعائهم إلى أكبر السهرات والمآتم لتلاوة القرآن الكريم وإشباع رغبة الآلاف من محبيه وعشاق صوته وفن تلاوته بقرى ومدن محافظات مصر .

وفي الفترة من 1975م إلى 1985م وقبل التحاقه بالإذاعة لقب الشيخ الطنطاوي بعدة ألقاب من جمهوره وأصبح عبد الوهاب على كل لسان ودخل إذاعة جمهورية مصر العربية ، وبدأ في القراءات القصيرة لمدة لم تتعد ستة أسهر بعدها اعتمد قارئـًا للإذاعات الطويلة والخارجية نظرًا لكفاءته وجماهيريته وإمكاناته التي أشاد بها كل من استمع إليه من المتخصصين وغير المتخصصين ، وكانت الإذاعة سببـًا قويـًا في انتشاره محليـًا وعالميـًا مما جعل الكثير من الدول ترسل إليه الدعوات لإحياء شهر رمضان به .

وسافر الشيخ طنطاوي إلى كثير من الدول العربية والإسلامية والأجنبية علىمدى عشر سنوات متتالية لم يدخر جهدًا في الذهاب إلى المسلمين أينما كانوا فقرأ القرآن بمعظم المراكز الإسلامية في كثير من دول العالم .. وقد سافر إلى هولندا ، وواشنطن ، ولوس أنجلوس بالولايات المتحدة الأميركية ، وكندا ، والبرازيل ، والأرجنتين ، والنمسا ، واليابان ، ودول الخليج العربي ، وكينيا ، ونيروبي .

نور العين
01-Dec-2004, 09:49 AM
السادة مشايخ عموم المقارئ المصرية
1 - الشيخ / محمد بن أحمد بن الحسن بن سليمان ـ الشهير بالمتولي ،انتهت إليه مشيخة المقارئ والإقراء بالديار المصرية عام 1293هـ 1876م وكان يلقب في زمانه بابن الجزري الصغير وخاتمة المحققين ، وله مؤلفاته كثيرة في هذا الموضوع .

2 - الشيخ / محمد بن علي بن خلف الحسيني المعروف بالحداد : ولد في بلدة بني حسن ، وكان فقيها مالكيـًا ، وكان شيخـًا للمقارئ بالديار المصرية عام 1323هـ ، وله مؤلفات كثيرة منها : الكواكب الدرية فيما يتعلق بالمصاحف العثمانية ، وفتح المجيد في علم التجويد ، " وإرشاد الحيران في رسم القرآن " ، " وإرشاد الإخوان شرح هداية الصبيان " ، " القول السديد في بيان حكم التجويد ، " وسعادة الدارين في بيان آي معجز الثقلين " .

3 - الشيخ / علي بن محمد بن حسن بن إبراهيم المعروف بالضباع المصري : ولد في حي القلعة بالقاهرة ، وعين شيخـًا لمقرأة مسجد السيدة زينب ـ رضي الله عنها ـ بالقاهرة ، وفي عام 1950م عين شيخـًا لعموم المقارئ المصرية ، وذلك بمرسوم ملكي من الملك فاروق الأول ، وظل شيخـًا لعموم المقارئ حتى عام 1970م ، إلى أن انتقل إلى ـ رحمة الله تعالى ـ وله مؤلفات كثيرة منها : ـ " إرشاد المريد إلى مقصود القصيد شرح الشاطبية " ، " البهجة المرضية شرح الدرة في القراءات الثلاث المتممة للعشرة " ، " الأقوال المعربة عن مقاصد الطيبة في القراءات العشر الكبرى " ،" سمير الطالبين في رسم وضبط الكتاب المبين " ، " فتح الكريم المنان في آداب حملة القرآن " .

وقد كان الشيخ يقوم بتصحيح المصاحف أثناء أن كان شيخـًا لعموم المقارئ ؛ نظرًا لأنه لم تكن هناك لجنة متخصصة للتصحيح ، وكانت المصاحف آنذاك تعطى تصاريحها من وزارة الداخلية .

4 - الشيخ / محمود خليل الحصري : من مواليد شبرا النملة ، تعلم القرآن الكريم والقراءات في المعهد الأحمدي بطنطا ، وذاع صيته وطبقت شهرته الآفاق ، حيث كان من كبار القراء في الستينيات والسبعينيات ، وتولى مشيخة المقارئ المصرية عام 1970م بعد وفاة الشيخ / على الضباع ، كما تولى رئاسة لجنة مراجعة المصاحف بعد الشيخ / عبد الفتاح القاضي ـ رحمه الله ـ ، وكان قارئـًا للمسجد الحسيني بمصر المحروسة ، وتوفي ـ رحمه الله ـ في عام 1980م ، وله مؤلفات كثيرة منها : ـ " أحكام التجويد " ، " كتاب في قراءة يعقوب الحضرمي " ، " القراءات العشر الصغرى " ، " الوقف والابتداء " ، " رحلة مع القرآن " ، " رواية ورش "، " رواية قالون " ، " رواية الدوري عن ابن عمرو البصري " ، " قراءة أبي جعفر المدني " ، وكل هذه الكتب طبعها المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية .

5 - الشيخ / عامر السيد عثمان : من مواليد ملامس بمنيا القمح شرقية ، من أعلام القراءات ، ومن أول من درَّسَ القراءات في معهد القراءات من أوأئل الخمسينيات إلى منتصف الستينيات ، وكان شيخـًا لمقرأة مسجد الإمام الشافعي ، ثم عين شيخـًا لعموم المقارئ المصرية بعد الشيخ محمود خليل الحصري في عام 1980م إلى أن توفي ـ رحمه الله ـ عام 1987م ، وقد سافر إلى مجمع الملك فهد بالمدينة المنورة مدة تزيد على خمس سنوات للعمل هناك في لجنة تخريج المصحف ، وظل هناك إلى أن مات رحمه الله، ودفن بالبقيع حسب وصيته .

6 - الشيخ / عبد الفتاح القاضي : من مواليد دمنهور ـ محافظة البحيرة ـ ، عين مدرسـًا للحديث بمعهد القاهرة الثانوي ، وكان قد درس القراءات قبل التحاقه بالأزهر ، وبرع فيها ، ولذلك تولى مشيخة معهد القراءات في الخمسينيات بعد وفاة الشيخ شريت أول شيخ لمعهد القراءات ، وعمل ـ رحمه الله ـ شيخـًا في معهد دسوق ، ثم مفتشـًا بالمعاهد ، ثم مديرًا عامـًا للمعاهد الأزهرية ، ومن مؤلفاته في علم القراءات : " الوافي في شرح الشاطبية " ، " البدور الزاهرة في القراءات العشر الصغرى المتواترة " ، " الفرائد الحسان في عد آي القرآن " ، " بشير اليسر في شرح ناظمة الزهر " ، وغيرها كثير .

نور العين
01-Dec-2004, 09:50 AM
شبهات حول القرآن


مقولات باطلةعن القرآن الكريم
مقولة : إن محمدا جاء به من عنده مع الاستعانة بعناصر يهودية ومسيحية

مقولة : تلفيق القرآن من الكتب السابقة يهودية ونصرانية جاهلية

مقولة : إن القرآن لم يأت بجديد , وأنه مقتبس من الكتب السابقة

مقولة : إن القرآن لم يجمع فى حياة الرسول ، وإن الصحابة تدخلوا فى جمعه وترتيبه ، وأحرق عثمان النسخ المخالفة

التفاصيل:

أولاً : مقولة أن محمدا جاء به من عنده مع الاستعانة بعناصر يهودية ومسيحية

اتهام متهافت قديم يتجدد ، قاله أهل مكة لما نزل عليهم وهم أهل اللغة ومالكو ناصيتها فتحداهم أن يأتوا بمثله أو بمثل عشر سور منه أو بآية فعجزوا . ولو جاز أن يكون من صنع محمد صلى الله عليه وسلم لجاز أن ينافسه عليه آخرون .. لكن هذا لم يحدث ، ومضى كتاب محمد صلى الله عليه وسلم يخترق الآفاق عبر الزمان والمكان حتى اليوم . ولو افترضنا جدلا أنه من تأليف محمد صلى الله عليه وسلم لكان علينا أن نقارن فى دراسة موضوعية بين أسلوب القرآن وأسلوب السنة التى هى كلمات الرسول ، وستعلن النتيجة أن الفرق شديد الوضوح لا يمكن لمنصف أن يشكك فيه . والأقدمون من المشركين حاولوا أن يدرسوا أسلوب النص القرآنى لمعرفة سر تأثيره على من يستمع إليه وانحصرت اتهاماتهم فى التساؤل عن القرآن ، أهو من الشعر ؟ أم هو من سجع الكهان ؟ أم هو من أساطير الأولين . التى نقلها واكتتبها وأنها تتلى عليه ليل نهار أم غير ذلك ؟ لكنهم بعد تبرئة النص من هذه الاتهامات جميعا قالوا : ( إن هذا إلا سحر يؤثر إن هذا إلا قول البشر ) . وأما عن محاولة إيجاد علاقة بين النص القرآنى وبين الاستعانة بعناصر يهودية أو مسيحية فهذه أسطورة يكذبها الواقع التاريخى الذى نزل فيه القرآن ، حيث كان المشركون من أهل مكة يحاولون بشتى الصور أن يجدوا سببا أو علاقة أو دليلا ما على شىء يكذبون به محمداً صلى الله عليه وسلم ويشككون فى صدقه ، ولو صح لديهم أو حتى لو شاع عندهم أنه كان يستعين بعناصر يهودية أو نصرانية لكانت تلك فرصتهم وحجتهم القوية على أنه غير صادق فيما يدعيه من أن الوحى يأتيه من السماء . لكن الثابت فى كافة المصادر التاريخية - عربية أو أجنبية - أن اتهامات الكفار والمشركين واليهود كذلك له لم يكن فيها أنه استعان بعناصر يهودية أو نصرانية وكانت الفرصة أمام اليهود والنصارى سانحة ليتهموه بأنه صلى الله عليه وسلم أخذ القرآن عنهم , لكنهم لم يفعلوا ، وليس هناك أى مصدر تاريخى يشير إلى ذلك ، فثبت أن هذه المقولات من أكاذيب المحدثين ، وأنها كاذبة لا تمت إلى الحقيقة بأى صلة .

ولو افترضنا جدلا أن هذا الإدعاء لم يكن أهل مكة يعرفونه ، فالمفروض أن مصدر الاستعانة - لو صح - وهم اليهود والنصارى كانوا موجودين فى الجزيرة ، وقد جاءته بعض وفودهم ولم يعلن أى منهم أن محمداً أخذ عنهم أو استعان بهم . وأكثر من هذا أن محمداً صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة كانت بينه وبين اليهود نزاعات ومشكلات انتهت بإجلائهم عن المدينة ، ويقينا - وبالنسبة لهم - فهذه كانت فرصة ذهبية لإعلان كذبه فيما يدعيه من أن الوحى يأتيه من السماء ، وأنهم هم الذين علموه القرآن ، أو على الأقل ساعدوه فى تأليفه ، وهذا ما لم يحدث وما لم يوجد فى أى مصدر تاريخى قديم وعليه فهذه المقولة أكذوبة مستحدثة كما أشرت . وإذا كان من القواعد المسلمة فى النقد الأدبى أن أسلوب الرجل هو الرجل ، فإن الشمائل والصفات التى عرف بها محمد صلى الله عليه وسلم فى صباه وشبابه بأنه الصادق وأنه الأمين وأنه الرجل الذى كان فى شبابه أحد الشخصيات ذات المكانة فى المجتمع بدليل ما هو ثابت من أنه فى شبابه كان يدعى لمجالسة رؤساء القبائل الموقرين من أعضاء حلف الفضول وهو حلف كان يبذل ما يمكن تسميته بالمساعى الحميدة فى مساندة الضعفاء ورد المظالم وإقرار السلام بين القبائل والتصدى لمن يحاول العبث به . وعند سن الخامسة والثلاثين أراد القدر أن يكون هو الرجل الذى يطفئ نزاعا أوشك أن تشتعل بسببه الحرب بين القبائل بعد ما بنوا الكعبة واختلفوا على من ينال شرف وضع الحجر الأسود فى مكانه . وكان اتفاقهم على تحكيم أول داخل ، وكان الداخل هو محمد صلى الله عليه وسلم الذى بسط رداءه ووضع الحجر عليه ودعا رؤساء القبائل إلى أن يأخذ كل بطرف من الرداء ويرفعوا الحجر إلى المستوى المطلوب ، فأخذه بيديه ووضعه بين رضى الجميع وموافقتهم فلو كان محمد صلى الله عليه وسلم كذابا أو مفتريا أكانت تكون له هذه المكانة ؟ إن شخصية بهذه الشمائل لا يمكن لصاحبها أن يفترى الكذب أو أن يدعى ما ليس له .



ثانياً: مقولة تلفيق القرآن من الكتب السابقة يهودية ونصرانية جاهلية

مما لا يختلف عليه أحد أن ثمة قيما وفضائل إنسانية ارتضتها البشرية وتعارفت على احترامها والتزامها وهى قيم الحق والعدل والخير والجمال والفضيلة وغيرها . كما أن ثمة أمورا رفضتها البشرية كذلك وتعارفت على نبذها ومقاومتها وهى الباطل والظلم والشر والرذيلة وكل إفساد فى الأرض . وهذا الذى ارتضته أو رفضته البشرية بهدى الفطرة - وحصاد التجربة لم تنكره الأديان السماوية جميعها ولم تناقضه بل أكدته وقننته ووضعت له التشريعات الأخلاقية التى تحدد المثوبة لما هو خير والعقوبة لما هو شر مع التفريق الحاسم بين الخبيث والطيب وبين الحلال والحرام . من هنا لا يجوز أن يتهم محمد صلى الله عليه وسلم بأنه لفق رسالته من عناصر جاهلية لمجرد أنه كان قد أثنى - بعد البعثة - على حلف الفضول أو حلف المساعى الحميدة الذى اشترك فيه فترة شبابه ، ومن هنا أيضا لا يجوز اتهام أية رسالة سماوية بالتلفيق إذا هى أقرت قيمة فاضلة ونبذت الشر والرذيلة . كما أنه لا يصح بصفة خاصة اتهام القرآن بأن محمداً صلى الله عليه وسلم لفقه من الكتب السابقة يهودية كانت أم نصرانية لما يأتى : أولا : لما سبق تقريره عن القيم التى أقرتها البشرية وتعارفت على قبولها إن كانت خيرا أو رفضها إن كانت شراً مما جاءت الرسالات السماوية لتؤكده . ولو صح اتهام القرآن بالتلفيق لصح الاتهام بالنسبة للتوراة والإنجيل كذلك . ثانيا : من الثابت أن الرسالات السماوية كانت تعبر كل منها عن مرحلة من مراحل التطور الإنسانى وما يقابله من تطور الرسالات ، وكما يقول الإمام محمد عبده - رحمه الله -

نور العين
01-Dec-2004, 09:51 AM
لما كانت الأديان السماوية الأولى وعلى رأسها اليهودية قد ناسبت طفولة البشرية فخاطبت الحس حيث لا يعرف الإنسان إلا ما يقع تحت حسه . فلما نما وجدان البشرية جاءها دين النصرانية يتحدث عن الزهادة والصفاء وملكوت الله فى مواجهة حرص اليهود على متاع الدنيا وإن أهدرت فى سبيله القيم . فلما بلغت البشرية حالة اكتمال تطورها جاءها دين الإسلام ينظم الشئون كلها ويرعى الحس والعاطفة ويعنى بالقلب والعقل وينظم للناس شئون دنياهم وأخراهم . ثالثا : لهذا كان دور القرآن باعتباره الرسالة الخاتمة هو الهيمنة على كل ما سبقه من رسالات يؤكد ما هو صحيح فيها ويصحح ما هو خطأ وهو إن اتفق مع الكتب السابقة أو اختلف معها ليس ملفقا منها ولا مأخوذا عنها . لكنه التعبير الدقيق عن تكامل الرسالات السماوية واكتمالها كما تحدث القرآن نفسه عن ذلك . رابعا : الدراسات المقارنة للكتب الثلاثة الأخيرة التوراة والإنجيل والقرآن تؤكد بوضوح كما يعترف الغربيون أن الحق دائما هو ما يقرره القرآن سواء فى قضية الألوهية أو قضية المسئولية الفردية أو الدستور الأخلاقى أو الواقعية فى التعامل مع الإنسان بشقيه الروح والجسد . ثم إنه - ودون تعصب - فليس فى الرسالتين السابقتين ما كان محمد صلى الله عليه وسلم بحاجة لأخذه منهما فى شئون الدنيا أو الآخرة . ومع هذا كان من عظمة القرآن أنه اعتبر إيمان المسلم غير صحيح ما لم يؤمن بكل ما سبق القرآن من كتب . يبقى بعد هذا أن ثمة حاجزا حصينا بين محمد صلى الله عليه وسلم وبين فرصة أى اطلاع على هذه الكتب : أولا : لأنه كان أميا لا يعرف القراءة ولا الكتابة . ثانيا : حتى لو سلمنا بالزعم بأنه قرأ أو كان يقرأ فإن هذه الكتب التوراة والإنجيل كانت مكتوبة بلغة غير عربية وهى العبرية فمن أين يأتى التلفيق ؟ وكيف يتاح له صلى الله عليه وسلم أن يتعرف عليها حتى يأخذ منها ويلفق منها كتابه كما زعموا ؟



ثالثاً: مقولة : إن القرآن لم يأت بجديد , وأنه مقتبس من الكتب السابقة

لست أدرى بم أصف هذه المقولة ؟ أكذب وافتراء ؟ أم بعض حصاد العداء الأسود لكل ما يمت بصلة إلى الإسلام يدفع أصحابه إلى مثل هذا التجنى الظالم ؟ أما الجديد الذى يبحثون عنه فإليهم بيانه : فى محيط العقيدة كان للإسلام جديد شامخ وحاسم ونبيل وعقلانى . فالله فى عقيدة اليهود يحمل صفات بشرية بحتة , فهو كما جاء فى التلمود يستشير الحاخامات عندما توجد مسألة معضلة لا يمكن حلها فى السماء ، وهو نادم على ما أنزله باليهود وبالهيكل فيقول تباً لى ، لأنى صرحت بخراب بيتى ، وإحراق الهيكل ونهب أولادى . وفوق هذا فالله عندهم ضعيف صارع إسرائيل فصرعه إسرائيل وهو مصدر الشر كما أنه مصدر الخير . أما فى المسيحية فالله اثنان أو ثلاثة وله أبناء ينتسبون إليه ، والمسيح إله وهو ابن الله ، وهذا تصور قاصر لأنه تصوير للخالق على صورة المخلوق وحاشا لله أن يكون كذلك . أما فى الإسلام فعقيدة التوحيد هى التصور الأقوم والأجدر بالله الواحد الأحد الفرد الصمد ، الذى لم يلد ولم يولد ، ولا شريك له فى ملكه ، وليس كمثله شىء ، والذى بيده ملكوت كل شىء ، وهو يجير ولا يجار عليه وهو الواحد القهار . وكان الإسلام كذلك واقعيا حين رفض الرهبنة التى تعنى اعتزال الحياة وتحقير الواقع الدنيوى الذى أصله رد فعل على العبودية اليهودية للدنيا . فى محيط التشريعات : التشريعات اليهودية تتركز فى الوصايا العشر ، وهى مجموعة مبادئ عامة ، وتشريعات المسيحية مجموعة مواعظ ، وكلتاهما تفتقد مفهوم التشريع المطلوب للحياة . أما القرآن فهو الرسالة الكاملة التى جاءت لتحدد -

وبتفصيل كثير - موقف الإنسان من الدنيا وعلاقته بالآخرة ، بتشريع يواكب الحاضر والمستقبل جميعا باعتباره الرسالة الأخيرة التى أكمل الله بها الدين ، وختم بها الرسالات ، ونقلها من المحيط المحدود بقوم النبى والرسول إلى المحيط العالمى - إلى الناس كافة - عبر الزمان والمكان . وسنعرض بعض نماذج قليلة من المقارنات لتوضيح الجديد الذى أضافه الإسلام ولم يكن له وجود فى الرسالات السابقة . ففى محيط الأسرة ينظر العهد القديم التوراة إلى المرأة باعتبارها مصدر كل شر وأنها أمر من الموت ، المرأة التى هى شباك وقلبها أشراك ويداها قيود ، أما الإسلام فيضعها فى مكان المساواة الكاملة مع الرجل ، ويقف بالتقدير أمام نماذج رفيعة من النساء كمريم وامرأةفرعون وأم موسى ، وغيرهن بل يجعل الجنة تحت أقدام الأمهات . فيما يتصل بقضية الحرية واحترام حقوق وكرامة الإنسان تكفى الإشارة إلى وصية بولس الرسول للعبيد التى تعتبر طاعة الطبقة الحاكمة كطاعة المسيح فيقول أيها العبيد أطيعوا سادتكم حسب الجسد بخوف ورعدة فى بساطة قلوبكم كما للمسيح لا بخدعة العين كمن يرضى الناس ، بل كعبيد المسيح ، عالمين مشيئة الله من القلب ، خادمين بنية صالحة كما للرب . أما الإسلام فلا يخضع الإنسان إلا لخالقه وحده ، ويقرر له الحرية من لحظة ميلاده - حتى ولو لم يسلم - وفق فلسفة قوامها تحرير الإنسان من خوفه على الرزق وعلى الحياة لأن هذين بيد الله وحده ولا سلطة للمخلوق عليهما وهو ما فطن إليه عمر بن الخطاب فى مقولته الشهيرة متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً ؟ إضافة إلى تقرير حرية الإنسان فى الاعتقاد والسياسة وغيرهما بضابط واحد وألا يضر بحقوق وحريات الآخرين . فى أمر الحرب والسلام : اعتبر القرآن السلام هو الأصل والحرب ضرورة وفق سنن العمران فى الدفع الحضارى من الخير للشر ومن الحق للباطل ومن الإصلاح للفساد ثم ولأول مرة فى تاريخ الحروب تفيد وصايا الرسول وخلفائه بألا يقتلوا شيخا ولا صبياً ولا امرأة ولا راهباً فى صومعة ولا عابدا فى محرابه ، ولا يقطعوا شجرة مثمرة ولا مظلة ولا يجهزوا على جريح ولا يمثلوا بقتيل .. الخ . فى شئون المال والثروة : كان الربا وما زال قوام الاقتصاد بين أهل الكتاب إلى اليوم بكل ما صنعه من الويلات ، وكان المال وما زال فى عالم أهل الكتاب وإلى اليوم بمثابة المعبود والغاية التى يجب الوصول إليها بأية وسيلة مشروعة أو غير مشروعة مما كان تبريرا لفلسفة الاستعمار واغتصاب ما بأيدى الضعفاء . أما الإسلام - ولأول مرة فى تاريخ التعامل الإنسانى مع المال - فقد حرم الربا وأنذر من يتعاطونه بحرب من الله ورسوله . ثم أنزل المال من مكانة المعبود إلى حالة الخادم المحكوم بقيود أخلاقية نبيلة قوامها أن يأتى من حلال وينفق فى حلال ، وأن يتم تثميره من خلال تحريك الحياة وقضاء مصالح الناس وليس من خلال اعتباره سلعة يكون ثمنها هو الفائدة . كما قرر فيه حقوقا معلومة ومحددة للآخرين ولو كانوا غير مسلمين ، باعتبار أن المال مال الله والناس ليسوا إلا مستخلفين فيه . فى مجال العلاقات الدولية والتعايش السلمى والتعددية والاعتراف بالآخر كان للإسلام جديد فى مجال الرؤية المستقبلية أو ما يسميه بعضهم بالتقدمية ، جاء الإسلام بجديد باعتباره رسالة اليوم والغد للناس كافة فى مجال العطاء الحضارى ، جاء الإسلام بجديد قوامه الارتقاء بالإنسان من عنصر الطين فيه إلى عالم الروح ومعارج النور ، وفى منهجية التغيير الاجتماعى اعتمد القرآن تغيير ما بالناس حتى يغيروا ما بأنفسهم . بعيدا عن العنف والثورات التى تضر أكثر ما تنفع .

رابعاً:مقولة : إن القرآن لم يجمع فى حياة الرسول ، وإن الصحابة تدخلوا فى جمعه وترتيبه ، وأحرق عثمان النسخ المخالفة

كان القرآن مجموعا شفاها فى صدور الصحابة فى حياة الرسول ، بل كان مكتوبا عندهم على صفائح الحجارة وأصول السعف الغلاظ وغيرها ، ولم يفكر الصحابة فى جمع القرآن مباشرة بين دفتى كتاب بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم إذ شغلتهم حركة الارتداد التى وقعت وما أعقبها من الحرب ، ثم إلى أنهم كانوا مطمئنين إلى أن القرآن لا خوف عليه ، لأن قراء القرآن وحفظته كانوا كثيرين ، والقرآن نفسه مكتوب ومحفوظ فى بيوت أمهات المؤمنين . لكن معركة اليمامة التى سقط فيها ألف شهيد بينهم نحو من أربعمائة وخمسين صحابيا من حفظة القرآن أمر اهتم له عمر بن الخطاب - وهو أحد كتاب الوحى - فمضى إلى أبى بكر يطالبه بجمع القرآن ، ويظل به حتى يشرح الله صدره فيرسل إلى زيد بن ثابت أحد كتاب الوحى ويكلفه بهذه المهمة ويقول له : إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك ، وقد كنت تكتب الوحى لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتتبع القرآن فاجمعه . وكان قرار أبى بكر بجمع القرآن بين دفتى كتاب أعظم قرار فى تاريخ الدعوة والأمة ، حفظ لها دستورها ، ويقول عنه على - رضى الله عنه - أعظم الناس أجرا فى المصاحف أبو بكر - رحمة الله على أبى بكر - هو أول من جمع بين اللوحين . وحرصا على ألا يكتب إلا ما هو صحيح تماما فإن أبا بكر لم يترك الأمر لزيد وحده بل أشرك معه عمر وكلفهما أن يستوثقا مما يأتيهما ، فقال لعمر ولزيد : اقعدا على باب المسجد فمن جاءكما بشاهدين على شىء من كتاب الله فاكتباه . والروايات التاريخية تضيف إلى عمر بن الخطاب وزيد فى مهمة جمع القرآن - وهما من كتاب الوحى - أسماء : سالم بن معقل ، وأبى بن كعب . والمنهج الذى اتبعه زيد بن ثابت ومعاونوه فى جمع القرآن قد قال عنه الدكتور هيكل : نستطيع أن نقول دون تردد : أنه اتبع طريقة التحقيق العلمى المألوفة فى عهدنا الحاضر ، وقد اتبع هذه الطريقة بدقة دونها كل دقة . وأتم زيد ومعاونوه جمع النص القرآنى ، ثم أودعت الصحف عند أبى بكر حياته ، ثم عند عمر حياته ، ثم عند حفصة بنت عمر أم المؤمنين . وفى عهد عثمان - رضى الله عنه - وعلى التحديد عام ثلاثين للهجرة أخذت مهمة تعليم القرآن التى كانت موكولة إلى القراء تتعرض لخطر اختلاف القراءات باختلاف القراء المعلمين وقول كل منهم إن قراءته هى الأدق ومضى حذيفة بن اليمان الذى كان رفيق سعيد بن العاص فى فتح أذربيجان وأعلن عن تخوفه من أن يختلف الناس على القرآن وأنه سيذهب إلى الخليفة عثمان ليعرض عليه الأمر . مضى حذيفة إلى عثمان فأخبره بما رأى وهو يقول : أنا النذير العريان فأدركوا الأمة . واستجابة للنذير العريان حذيفة قرر عثمان نسخ مصحف أمام فأرسل إلى حفصة يطلب منها المصاحف التى كان قد نسخها أبو بكر فأرسلتها ، وأمر زيدا ليقوم بالمهمة التى قام بها أيام أبى بكر ، وضم إليه عبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص ، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، وقال لهم ، إذا اختلفتم فاكتبوه بلسان قريش ففعلوا . فلما نسخوا المصحف رد عثمان إلى حفصة نسختها ، وأرسل إلى كل أفق بمصحف وحرق ما سوى ذلك . وما فعله عثمان كان محل الرضى من الأمة - إلا ابن مسعود الذى عارض فى إحراق مصحفه لظنه أن زيدا قد انفرد وحده بالعمل - وكان عمل عثمان - رضى الله عنه - محل إجماع الأمة حتى قال على - رضى الله عنه - لما قدم الكوفة فقام رجل فعاب عمل عثمان فإذا على يقول : اسكت فعن ملأ منا فعل ذلك ولو وليت منه ما ولى عثمان لسلكت سبيله .

نور العين
01-Dec-2004, 09:52 AM
تم بحمد الله

الموضوع خلص...
واللي عنده أي إضافه يتفضل...

نفعنا الله وإياكم به...

نجوم الليل
26-Dec-2004, 07:40 PM
اختي نور العين شكرا لكي
الموضوع مطول جدا
وسأحاول أن اقرأ ما استطيع ان اقرأه على نية ان اضيف

وشاكر مجهودك الجبار اختي ونفعنا الله واياكم وزيدت ما كتبتي لميزان حسانتك باذن الله

نور
10-Jan-2005, 05:15 PM
مشكوره نور العين على المشاركه وعلى الموضوع الكبير والذي يستحق التصفيق ومشكوره على الجهد المبذول تقبلي تحياتي 0.نور