المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : =-= الحديث الشريف =-=


نور العين
07-Nov-2004, 11:09 PM
هذا الموضوع مخصص للحديث الشريف...

ويحتوي على عدد من الأقسام..

المصدر: الشبكة الإسلامية..



نور العين

ضَنآإآنِي إآلْشٌوؤقْ
08-Nov-2004, 07:28 AM
????????

الله يجزاك خير نور بس لو توضحين اكثر نكون شاكرين لك

تحياتي

نور العين
09-Nov-2004, 11:26 PM
بوسعود...

بداية إعتذاري لك .... "على تنزيل الموضوع بهذا الشكل" ...

ولكني كنت قافلة الموضوع ..... لين ما أقوم بتنزيل الاقسام اللي فيه .....

إن شاء الله ...... بكمل الموضوع ... وبتوضح لك الصورة أخوي الكريم...


نور العين

نور العين
09-Nov-2004, 11:36 PM
تدوين السنة وعلوم الحديث

كتابة الحديث في عصر الصحابة

تدرجت علوم الحديث عبر التاريخ ، ومرت بمراحل وأطوار متعددة حتى عصرنا الحاضر ، وأول هذه المراحل والأدوار دور النشأة ، وذلك في عصر الصحابة الممتد إلى نهاية القرن الأول الهجري .

وقد توفرت للصحابة رضي الله عنهم عوامل عدة ، كانت من أهم الأسباب والدواعي لحفظ الحديث ، ومن هذه العوامل :
صفاء أذهانهم وقوة قرائحهم ؛ فقد كانت العرب أمة أمية لا تقرأ ولا تكتب ، والأمي يعتمد على ذاكرته لتسعفه حين الحاجة .
ومنها قوة الدافع لهم على حفظ الحديث ، حيث أيقنوا أن هذا الدين هو سبب سعادتهم وعزهم في الدنيا ، وفوزهم في الآخرة ، فتلقفوه بغاية الحرص والاهتمام ، وزاد من هذا الدافع في نفوسهم تحريضه صلى الله عليه وسلم على حفظ حديثه وأدائه إلى الناس في أحاديث كثيرة تدل على عنايته صلى الله عليه وسلم بذلك وتكرار الوصية به ، ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام : ( نضَّر الله امرءاً سمع مقالتي فبلغها ، فرب حامل فقه غير فقيه ، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ) أخرجه أبو داود وغيره .

ومن العوامل الوسائل التربوية التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يتبعها في إلقاء الحديث على الصحابة مما سهل عليهم حفظه ، فلم يكن يسرد الحديث سردًا متتابعًا ، بل يتأنى في إلقاء الكلام ليتمكن من الذهن ، ولم يكن يطيل الأحاديث ، بل كان كلامه قصدًا ، وكثيرًا ما كان يعيد الحديث لتعيه الصدور .

ومن أهم الوسائل المهمة التي سلكها الصحابة في حفظ الحديث الكتابة ، على الرغم مما وقع فيها من اختلاف الروايات ، وتباين الوجهات ، حتى صُنّفت فيها التآليف في القديم والحديث .

وخلاصة ذلك أن تقييد الحديث وكتابته مر بمرحلتين :
المرحلة الأولى : مرحلة جمع الحديث في صحف خاصةٍ بمن يكتب ، دون أن تتداول بين الناس ، وهذه بدأت منذ عهده صلى الله عليه وسلم وبإذنه .

المرحلة الثانية : الكتابة التي تكون مرجعًا يُعْتَمَد عليه ، ويتداولها الناس فيما بينهم ، وهذه بدأت من القرن الثاني للهجرة ، وفي كلٍّ من هاتين المرحلتين كانت الكتابة مجرد جمع للأحاديث في الصحف من غير مراعاة لتبويب أو ترتيب معين ، ثم جاء دور التصنيف الذي اتخذت فيه الكتابة طابع التبويب والترتيب من منتصف القرن الثاني ، وبلغ أوجه وذروته في القرن الثالث المعروف بعصر التدوين كما سيأتي في مواضيع لا حقة .

ومما ورد كتابته من الحديث في عهد النبي صلى الله عليه وسلم :
1. الصحيفة الصادقة : التي كتبها عبد الله بن عمرو بن العاص ، وقد انتقلت هذه الصحيفة إلى حفيده عمرو بن شعيب ، وأخرج الإمام أحمد في مسند عبد الله بن عمرو من كتابه المسند قسمًا كبيرًا من أحاديث هذه الصحيفة من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
2. صحيفة علي بن أبي طالب : وهي صحيفة صغيرة تشتمل على العقل - أي مقادير الديات - وعلى أحكام فكاك الأسير.
أخرج نبأها البخاري وغيره عن أبي جحيفة قال : قلت هل عندكم كتاب ؟ قال : لا ، إلا كتاب الله ، أو فهم أعطيه رجل مسلم أو ما في هذه الصحيفة . قال قلت : فما في هذه الصحيفة ؟ قال العقل ، وفكاك الأسير ، وأن لا يقتل مسلم بكافر.
03صحيفة سعد بن عبادة ، فقد أخرج الترمذي في سننه ، عن ابن سعد بن عبادة قوله : وجدنا في كتاب سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى باليمين والشاهد .
04كتبه صلى الله عليه وسلم إلى أمرائه وعماله ، فيما يتعلق بتدبير شؤون الأقاليم الإسلامية وأحوالها ، وبيان أحكام الدين ، وهي كتب كثيرة تشتمل على مهمات أحكام الإسلام وعقائده ، وبيان الأنصبة والمقادير الشرعية للزكاة ، والديات والحدود والمحرمات وغير ذلك ، ومن هذه الكتب :
أ.كتاب الزكاة والديات الذي كاتب به أبو بكر الصديق وأخرجه البخاري في صحيحه ، فقد روى أبو داود و الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب كتاب الصدقة فلم يخرجه حتى قبض .
ب. كتابه لعمرو بن حزم عامله على اليمن ، بين فيه أصول الإسلام ، وطريق الدعوة إليه ، والعبادات وأنصبة الزكاة والجزية والديات .
ج.كتابه إلى وائل بن حجر لقومه في حضرموت ، وفيه الأصول العامة للإسلام ، وأهم المحرمات .
05 كتبه صلى الله عليه وسلم إلى الملوك والأمراء يدعوهم فيها إلى الإسلام ، ككتابه إلى هرقل ملك الروم ، وإلى المقوقس بمصر ، وغيرهم .
06 عقوده ومعاهداته التي أبرمها مع الكفار ، كصلح الحديبية ، وصلح تبوك ، وصحيفة المعاهدة التي أُبرمت في المدينة بين المسلمين وبين من جاورهم من اليهود وغيرهم .
07كتب أمر بها صلى الله عليه وسلم لأفراد من أصحابه لمناسبات ومقتضيات مختلفة ، مثل كتابة خطبته لأبي شاهٍ اليماني .

وغير ذلك مما كتب في عهده صلى الله عليه وسلم مما لم نحصه هنا ، أو لم نحط به علمًا ، وهو كاف لإثبات تواتر الكتابة في عهده صلى الله عليه وسلم وإثبات أن ما كتب في عهده صلى الله عليه وسلم تناول قسمًا كبيرًا من حديثه ، هو أهم هذه الأحاديث وأدقها لاشتمالها على أمهات الأمور ، وعلى أحكام دقيقة تتعلق بالأرقام تحتاج إلى ضبط دقيق ، مما يجعل الكتابة عنصرًا هامًا في حفظ الصحابة للحديث ، ينضم إلى العوامل الأخرى ليدعمها ويؤازرها في تحقيق تحمل الصحابة للحديث النبوي تحملاً حافظًا أمينًا كافلاً بأن يؤدوه بعد ذلك كما سمعوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم .
المرجع: منهج النقد في علوم الحديث د.نور الدين عتر بتصرف

نور العين
09-Nov-2004, 11:37 PM
كتابة الحديث بين النهي والإباحة

لا يخالف أحد من المؤرخين وأهل العلم في أن السنة لم تدون في دواوين خاصة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا حتى في عهد الصحابة وكبار التابعين ، وإنما بدأ هذا التدوين بمعناه الصحيح في عهد الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز ، الذي أمر بجمع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكلف بذلك أهل العلم والثقة والإتقان كالإمام الزُّهْري وغيره .
وأما في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن تدوين الصحابة رضوان الله عليهم للسنة وكتابتهم، مر بمرحلتين مهمتين :
- مرحلة النهي عن الكتابة .
- مرحلة نسخ النهي والسماح بها .
أولاً : مرحلة النهي عن الكتابة :
كانت هذه المرحلة في بداية الأمر ؛ حيث نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن كتابة الأحاديث خشية الخلط بين السنة والقرآن ، ولأمور واعتبارات أخرى ، وعمدة هذا النهي ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تكتبوا عني ، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه ) ، وهو أصح ما ورد في هذا الباب .
وعن أبي سعيد قال : " جهدنا بالنبي صلى الله عليه وسلم أن يأذن لنا في الكتابة فأبى " ، وفي رواية عنه قال : " استأذنَّا النبي صلى الله عليه وسلم في الكتابة فلم يأذن لنا "
ثانياً : نسخ النهي والسماح بالكتابة :
وهذه المرحلة جاءت بعد أن استقرت الدعوة ، وارتفعت المحاذير المتوقعة من كتابة السنة في أول الأمر ، فعند ذلك أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكتابة ، وقد ذكر أهل العلم أحاديث الإباحة وجواز الكتابة ، وبَوَّب الإمام البخاري باباً في صحيحه قال : "باب كتابة العلم " وذكر أحاديث عدة تدل على جواز الكتابة .
وروى الإمام أحمد و أبو داود عن عبد الله ابن عمرو قال : كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد حفظه ، فنهتني قريش عن ذلك ، وقالوا : تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بشر يتكلم في الغضب والرضا ؟ فأمسكْتُ عن الكتابة حتى ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأومأ بإصعبه إلى فيه ( أي فمه ) فقال : ( اكتب .. فو الذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق ) .
ومما يدل على إباحة الكتابة أيضاً أن بعض الصحابة كانت لهم صحائف كتبوا فيها من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سمعوه أو بعضه ، فكان لعبد الله ابن عمرو صحيفة تسمى ( الصادقة ) ، رواها عنه حفيده عمرو بن شُعَيب ، وكان لجابر بن عبد الله الأنصاري صحيفة ، وكذلك أنس بن مالك كانت له صحيفة وكان يبرزها إذا اجتمع الناس .
بين النهي والإباحة :
وقد نظر أهل العلم في أحاديث النهي عن الكتابة وأحاديث الإباحة وجمعوا بين الأحاديث من عدة أوجه :
الوجه الأول :
ذهب الأغلب إلى أن النهي كان في أول الإسلام مخافة اختلاط الحديث بالقرآن ، فلما أُمِن الالتباس ، سمح لهم النبي صلى الله عليه وسلم بتدوين الحديث وكتابته ، فكانت أحاديث الإباحة ناسخة لأحاديث المنع .
وممن ذهب إلى هذا الإمامان الجليلان النووي و ابن حجر عليهما رحمة الله ، وطائفة كبيرة من أهل العلم .
الوجه الثاني :
وذهب قوم إلى أن النهي إنما كان عن كتابة الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة ؛ لأنهم كانوا يسمعون تأويل الآية ، فربما كتبوه معها ، فنُهوا عن ذلك لخوف الاشتباه .
الوجه الثالث :
أن النهي كان في حق من يوثق بحفظه مخافة أن يتَّكل على الكتابة ، وأما الإذن فهو في حق من لا يوثق بحفظه .
والخلاصة أن أوْلى الأقوال ، هو القول بالنسخ ، حيث كان النهي في بداية الأمر ثم نسخ بعد ذلك ، لزوال المحذور من الكتابة ، ويؤيد هذا عموم الألفاظ ، وأنها متأخرة في الزمن ، وهو قول أكثر أهل العلم .
ومن هنا يتبين بطلان قول من قال : إن السنة لم تدون في عصر الرسالة ، والحق أنها دونت لكن ليس بالصورة التي تمت فيما بعد في عصور التدوين ، غير أن من المجمع عليه أنها كانت محفوظة في الصدور ، وفي بعض الصحائف والسطور في عصر الصحابة ، وتلقاها عنهم التابعون ، ثم بدأ التدوين في عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز رضي الله عن الجميع .

نور العين
09-Nov-2004, 11:37 PM
قوانين الرواية في عهد الصحابة (1_2)
قام الصحابة رضي الله عنهم بتبليغ الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبذلوا غاية ما في وسعهم من أجل صون الحديث عن التحريف والتغيير ، وقد كان في عوامل الحفظ الذاتية التي اشتمل عليها هذا الدين خير معين لهم ولمن بعدهم من أئمة العلم للمحافظة على تراث النبوة ، فقد وضعت توجيهات الشريعة الركن الأساسي لأصول النقل ، والتثبت في الأخبار ، ومن ذلك قوله تعالى :
{إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون } (النحل 105) ، وقوله تعالى : {ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا } (الإسراء 36) ، وقوله : {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا } ، وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتواتر عنه : (مَنْ كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار ) ، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم حمّل ناقل الكذب إثم الكاذب المفتري ، وذلك في الحديث الصحيح المستفيض المشتهر عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : (من حدَّث عني بحديث يُرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين ) أخرجه مسلم .

ونتج عن هذه التوجيهات أصول وقوانين الرواية ، التي تكفل حفظ الحديث وصيانته من التحريف والتبديل ، وكان الناس آنذاك على أصل العدالة ، فلا حاجة إلى الجرح والتعديل ، لأن العصر هو عصر الصحابة ، وجميعهم عدول ، ولم يكن الأمر يحتاج لأكثر من التحرز عن الوهم والخطأ ، فاتبع الصحابة من قوانين الرواية ما يحتاجون إليه في عصرهم ، للتثبت من صحة النقل ، والتحرز من الوهم ، وما زالت هذه القوانين تتفرع لتلبية المطالب المستجدة عصرًا بعد عصر ، حتى بلغت ذروتها ، ومن أهم قوانين الرواية في عهد الصحابة :
أولاً : تقليل الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، خشية أن تزل أقدام المكثرين بسبب الخطأ أو النسيان ، فيقعوا في شبهة الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم من حيث لا يشعرون ، فضلاً عن قصدهم أن يتفرغ الناس لحفظ القرآن وألا ينشغلوا عنه بشيء ، فكان أبو بكر و عمر رضي الله عنهما يشددان في ذلك ، وسلك الصحابة بعدهم هذا السبيل ، حتى اشتهر واستفاض عنهم مرفوعًا وموقوفًا (كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع ) أخرجه مسلم .
ثانيًا : التثبت في الرواية عند أخذها وعند أدائها ، قال الإمام الذهبي في ترجمة أبي بكر الصديق رضي الله عنه : وكان أول من احتاط في قبول الأخبار ، فروى ابن شهاب عن قبيصة بن ذؤيب أن الجدة جاءت إلى أبي بكر تلتمس أن توَرَّث ، فقال : " ما أجد لكِ في كتاب الله شيئًا ، وما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر لك شيئًا ، ثم سأل الناس ، فقام المغيرة فقال : حضرتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يعطيها السدس ، فقال له : هل معك أحد ؟ فشهد محمد بن مسلمة بمثل ذلك فأنفذه لها أبو بكر رضي الله عنه .

وقال في ترجمة عمر بن الخطاب : وهو الذي سنَّ للمحدثين التثبت في النقل ، وربما كان يتوقف في خبر الواحد إذا ارتاب ، فروى الجُرَيري - يعني سعيد بن إياس - عن أبي نضرة عن أبي سعيد أن أبا موسى سَلَّم على عمر من وراء الباب ثلاث مرات ، فلم يؤذن له ، فرجع ، فأرسل عمر في أثره ، فقال : لمَ رجعتَ ؟ قال : سمعتُ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إذا سلم أحدكم ثلاثًا فلم يُجَب فليرجع ) ، قال : لتأتيني على ذلك ببينة أو لأفعلن بك ، فجاءنا أبو موسى منتقعًا لونه ونحن جلوس ، فقلنا : ما شأنك ؟ ، فأخبَرنا ، وقال : فهل سمع أحد منكم ؟ فقلنا : نعم ، كلنا سمعه ، فأرسلوا معه رجلاً منهم حتى أتى عمر فأخبره .

وقال في ترجمة علي رضي الله عنه : كان إمامًا عالمًا متحريًا في الأخذ ، بحيث إنه يستحلف من يحدثه بالحديث ... .
ثالثًا : نقد الروايات ، وذلك بعرضها على النصوص والقواعد الشرعية ، فإن وجد مخالفًا لشيء منها تركوا العمل به ، ومن ذلك ما ورد أن عائشة رضي الله عنها سمعت حديث عمر وابنه عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه ) ، فقالت : رحم الله عمر ، والله ما حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله يعذب المؤمنين ببكاء أحد ، ولكن قال : إن الله يزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه ، وقالت : حسبكم القرآن : {ولا تزر وازرة وزر أخرى } (الزمر 7) وهو في الصحيحين ، زاد مسلم : إنكم لتحدثوني غير كاذبين ولا مكذبين ولكن السمع يخطىء .

ومما ينبغي التنبه له أنهم إنما كانوا يفعلون ذلك للاحتياط في ضبط الحديث ، لا لتهمة أو سوء ظن ، ولذلك قال عمر رضي الله عنه لأبي موسى : إني لم أتهمك ولكن أحببت أن أتثبت ، وكذلك ردهم لبعض الأحاديث كان اجتهادًا منهم ، لأنهم رأوا مخالفتها لما استنبطوه من القرآن ، وقد يخالفهم غيرهم من الصحابة في هذا الاجتهاد فيعمل بما رده غيره ، والغرض هو بيان أنهم لم يكونوا يأخذون كل ما يسمعونه مأخذ القبول والتسليم ، فيتلقفونه وينسبوه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم .

هذه بعض القوانين التي سار عليها الصحابة رضي الله عنهم في روايتهم ونقلهم للحديث ، وما ذاك إلا حرصاً منهم على التحري و التثبت ، وصيانة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التحريف والتغيير ، فجزاهم الله عن أمة الإسلام خير الجزاء .
المرجع: منهج النقد في علوم الحديث د.نور الدين عتر بتصرف

نور العين
09-Nov-2004, 11:37 PM
شبهات حول السنة النبوية


شبهة حول أحاديث الآحاد
هذه الشبهة موضوعة للتعامل مع السنة في حالتي الفشل في التشكيك فيها، وفي محوها بالكلية ، وكأن لسان حال هؤلاء - بعد لسان مقالهم - يقول : سلمنا أن السنة صحيحة وبريئة من كل المآخذ ، ومع هذا فليس لها دور في التشريع ، لأنها أحاديث رواها أفراد (آحاد) ، وأحاديث الآحاد لا يجوز العمل بها ، لأنها لا تفيد اليقين ! أما غير الآحاد من الأحاديث فهو نادر الوجود في السنة، فماذا يبقى لنا - بعد ذلك - من الأحاديث النبوية نتخذه مصدرًا تشريعيًا ثانيًا بعد القرآن ؟ لا شيء يبقى منها !
إذن ؛ فالسنة سواء سلمت من الطعون أم لم تسلم ، لا غناء فيها للمسلمين ، فينبغي إبعادها عن حياتهم فورًا ؟!
وهم الآن - أعني منكري السنة - يعولون كثيرا على هذه الشبهة ؛ لأن خلافا قديما وقع بين العلماء حول حديث الآحاد ، هل يُعْمَل به أو لا يُعْمَل ؟ وإذا كان يُعْمَل به فما هو مجال العمل به ؟ هل هو عامٌّ يشمل العقائد والحدود ، أم خاص في غير العقائد والحدود؟
وهو خلاف مشهور أولاه علماء أصول الفقه والفقه عناية فائقة ، ووصلت إلينا هذه القضية محسومة بأدلتها، وواقعيتها في حياة المسلمين ، بما لا يدع مجالا للغطٍ أو تشويه جانب الحق فيها، ولكن منكري السنة قوم يشغبون .

تفنيد هذه الشبهة ونقضها :
من المعلوم أن الحديث النبوي ينقسم إلى قسمين باعتبار كثرة رواة الحديث الواحد وقلتهم ، فما كان عدد رواته قليلا ، واحداً فما فوقه ، سمي الحديث "حديث آحاد" ، وما كان رواته كثرة مستفيضة سمي "الحديث المتواتر" ، وهذان اصطلاحان فنيان لعلماء الحديث ؛ أرادوا بهما ضبط بعض المسائل المتعلقة بشأن الحديث النبوي ، وهما مصطلحان طرءا بعد عصر صدر الإسلام ، ما في ذلك من ريب ، على أن هؤلاء العلماء حين قسموا الحديث هذا التقسيم الثاني لم يحددوا بالضبط نهاية العدد الذي يعتبر به الحديث آحاديا، ولا بداية العدد الذي يعتبر به الحديث متواترًا . فبقي قدر مشترك بعد الحديثين الآحادي والمتواتر.
وقد فهم بعض منكري الحديث النبوي ، أن حديث الآحاد هو ما رواه واحد عن واحد من بداية السند إلى نهايته ، وهذا غير صحيح فقد يُرْوَى حديث الآحاد عن عشرة في سلسلة السند ومع ذلك يظل حديث آحاد ، ما داموا لم يحددوا بداية العدد الذي يكون به الحديث متواتراً ، فحديث ( من بدل دينه فاقتلوه ) له ثلاثة طرق سُمِعَتْ من رسول الله صلى الله عليه وسلم : طريق عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، وطريق ابن عباس رضي الله عنه ، وطريق معاوية بن حَيْوة رضي الله عنه ، ومع ذلك فهو حديث آحاد .
فنقول : إن تقسيم الحديث النبوي إلى آحاد ومتواتر اصطلاح حادث بعد عصر صدر الإسلام، أما في صدر الإسلام الأول فإن الخلفاء الراشدين الأربعة كانوا يعملون بالحديث النبوي الصحيح، دون التفرقة بين ما كثر سامعوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما قلّ سامعوه ، والشرط الوحيد في قبول الحديث والعمل به عندهم هو الصحة ، وما كانوا رضي الله عنهم يطلبون أمرًا زائدًا على الصحة ، ولا يقدح في ذلك أنهم كانوا - أحيانًا - يطلبون مع راوي الحديث راويًا آخر قد سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم ، كما سمعه الراوي الأول وذلك لأمرين :
· الأول: أن طلب الراوي الثاني لم يكن غالبا ، بل ورد في بعض لحالات النادرة ، ولم يحدث من أبي بكر إلا مرة واحدة ومن عمر رضي الله عنهما إلا مرات قليلة ، وكذلك عثمان و علي رضي الله عنهما.
· الثاني: أن طلب الخلفاء راويا ثانيا يعضد سماع الراوي الأول ، لا يخرج الحديث من الآحاد إلى التواتر وهذا لا نزاع فيه.
ويستنتج من هذا أن الخلفاء الراشدين والصحابة جميعا كانوا يعملون بالسنة الصحيحة ، ولا يتجاوزون شرط الصحة من الحديث إلى أمر آخر زائد عن الصحة ، فشرط العمل بالحديث هو رواية الثقة عن مثله ، ومتى استوفى الحديث شرط الصحة وجب قبوله والعمل به ، وعلى هذا جرى العمل عند رجال القرن الأول ، وهو خير القرون مع تالييه الثاني والثالث .
وقد يُرَدُّ حديث الآحاد ولا يُعْمَلُ به ، لا لأنه حديث آحاد ، بل لأمر آخر يتعلق بسنده أو متنه ؛ مثل أن يكون له معارض أقوى منه ، أو تكون في الحديث علة قادحة من علل المتن أو السند ، أو يكون مخالفا لعمل أهل المدينة عند الإمام مالك رحمه الله .
أو يكون دلّ دليل على نسخه ، أو تخصيصه بواقعة معينة ،فإذا لم يكن في المسألة إلا حديث واحد مما أطلق عليه علماء الحديث أنه حديث آحاد وجب العمل به في المسألة المعروضة للفتوى أو الحكم ، إذا كان راويه ثقة عن مثله ، ولا يجوز رده ، فإذا رددناه فلا يخلو الحال من أحد أمرين :
· الأول: أن نعمل بالرأي وهذا لا يجوز، لأن الرأي مقطوع بأنه ليس حكما لله ولا لرسوله ، وحديث الآحاد الذي يرويه الثقة هو فتوى أو حكم منسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، سواء في ذلك أن يكون مفيدا للعلم، أو الظن القوي ، فيكون العدول إلى الرأي مع وجود النص الشرعي ، حكماً بغير ما أنزل الله على رسوله ، وبغير ما قضى به رسوله .
· الثاني : ألا نقضي في المسألة المعروضة للفتوى أو الحكم بشيء ، وحينئذ يكون فيما انتهينا إليه تعطيل لشرع الله عز وجل وتعريض مشاكل الناس للاستفحال .
وبعض الفقهاء يقدمون الحديث الضعيف على العمل بالرأي ، وهي حيطة محمودة ، فما بالك بالحديث الصحيح ، الذي رواه العدل الضابط عن مثله؟! .
ثم إن أكثر الأحكام الفقهية قائمة على الظن القوي ، وليس في ذلك أي حرج ، وحديث الآحاد الذي رواه الثقة يفيد الظن القوي إن لم يفد العلم ، فيجب العمل به .
وقد حكى الإمام الرازي إجماع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على العمل بحديث رسول الله آحادًا أو غير آحاد .
ولأهل العلم المحققين أدلة من عمل الرسول نفسه تؤكد وجوب العمل بأحاديث الآحاد :
ومنها رسله وكتبه التي كان يبعث بها إلى رؤساء الشعوب والعشائر ، يدعوهم فيها إلى الإسلام ، كالفرس والروم وأهل مصر ، وعشائر شبه الجزيرة العربية ، مع جلال المهمة التي كانوا يضطلعون بها وهي أصل الدعوة إلى الإسلام .
ومنها كتبه وعُمَّالُه إلى البلاد التي دخل أهلها الإسلام ، حيث كانوا ينوبون رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفتوى والقضاء والفصل في الخصومات وعلى نهجه سار الخلفاء الراشدون من بعده .
ومنها الأذان للصلوات الخمس ، فالذي كان يقوم به بلال رضي الله عنه فيصحو من كان نائما ، ويتنبه من كان غافلا ، ويتذكر من كان ناسيا ، ثم يهرع الجميع إلى المسجد ، ومن كان ذا عذر صلى في بيته ، كل ذلك بمقتضى الأذان الذي سمعه ، وهو خبر آحاد وليس في ذلك نزاع .
وبعض الخلفاء كانت تعرض عليه المسألة فيَهِمُّ أن يحكم فيها برأيه ، ثم يتوقف ويسأل أصحاب رسول الله إن كان عندهم علم عن رسول الله في المسألة ، فإذا وجد قضاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم قضى به ، وقال: لولا هذا لقضينا برأينا ، ولو كان الذي أخبره بقضاء رسول الله رجلاً واحداً ، وهذه أُولى درجات حديث الآحاد ، وهي رواية الواحد الفذ ، فهل بعد هذا يسوغ أن يقال: أن أحاديث الآحاد لا تقبل ولا يعمل بها؟!
ثم ما أكثر الوقائع التي قضى فيها الخلفاء الراشدون بحديث الآحاد ، سواء كان الراوي أكثر من واحد أو واحدا فقط ؛ فقد قضى به أبو بكر رضي الله عنه في توريث الجدة من الأم السدس ، لما ذكر له المغيرة بن شعبة و محمد بن مسلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاها السدس .
وقضى به عمر بن الخطاب في أخذ الجزية من المجوس ، لما أخبره عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (سُنُّوا فيهم سنة أهل الكتاب ) أخرجه مالك في الموطأ .
وقضى به عثمان رضي الله عنه في اعتداد المرأة المتوفى عنها زوجها في بيت الزوجية حتى تنقضي عدتها ، لما أخبرته الفريعة بنت مالك أن الرسول صلى الله على وسلم أمرها أن تعتد في بيت زوجها عقب مقتله ، وقال : ( امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله ) أخرجه الترمذي ، وقضى عثمان في واقعة أخرى مماثلة لواقعة الفريعة عملا بحديث الآحاد الذي أخبرته به الفريعة .
وكذلك فعل علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وقد روي عنه قوله : "كنت إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا نفعني الله به ما شاء أن ينفعني ، وإذا حدثني أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم استحلفته ، فإذا حلف لي صدقته"؟!
هذا هو موقف الأمة من صدر الإسلام إلى يوم الناس هذا ، يعملون بالحديث النبوي الصحيح ، ولم يفرقوا بين حديث رواه واحد أو اثنان أو ثلاثة ، وبين حديث رواه أربعون.
فما أبعد منكري السنة عن الحق ، في كل شبهاتهم التي يثيرونها لإبطال سنة نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم -قاتلهم الله أنّى يؤفكون- .
د.عبد العظيم المطعني
الأستاذ بجامعة الأزهر وعضو مجمع البحوث الإسلامية

نور العين
09-Nov-2004, 11:41 PM
موقف الاستشراق من السنة والسيرة النبوية

إن موضوع الاستشراق ليس من الموضوعات التى تُطرق للمرة الأولى ، وإنما طرق في العقدين الأخيرين على وجه الخصوص مراراً في مؤلفات ، وكتب ، ومحاضرات ، ومقالات صحفية ، وتحقيقات في المجلات والدوريات ، ولكن النظرة إلى الاستشراق كانت تتغير باستمرار حتى انتهت إلى الصورة التي يمكن أن تعتبر واضحة في أذهان الأجيال .

فعندما كنا نطلب العلم في المرحلة الجامعية في مطلع الخمسينيات كنا نستمع إلى آراء تتصل بالعقيدة ، أو الشريعة ، أو التاريخ ، أو التفسير ، أو الثقافة الإسلامية ، وكانت هذه الآراء تطرح بلسان عربي من قِبل أساتذة ينتمون إلى أمتنا ويتكلمون بلساننا ، وكنا نظن أن الأقوال هى اجتهاداتهم في هذه الموضوعات المختلفة ، لكن بعضهم كان أحياناً يعزو ، فإذا ما عزا القول لصاحبه عرفنا أنه يتبنى رأياً لأحد الدارسين الذين كانوا يسمون دارسين غربيين ، لكن معظم الآراء ما كانت تُعزى وهذا أخطر بالطبع ، لأن الأستاذ يتكلم وكأنه يجتهد في فهم النصوص فيوجهها في حين أنه يكون قد درس كتاباً باللغة الألمانية أو الفرنسية أو الانكليزية ، وهو يحاضرنا من خلال ذلك الكتاب .

ومع مرور الأيام بدأت صورة الاستشراق تتضح وأبعاده تستبين ، ولكن بعض الدارسين يرى أن ذلك لم يتم أو لم يصبح واضحاً في أذهان المثقفين من أبناء أمتنا إلا قبل عقدين من الزمان فقط . ليس معنى ذلك أن اسم الاستشراق ما كان يظهر على ألســـــنة الناس ، وما كانت بعض أقوال المستشرقين المتداولة في الأوساط الجامعية وغيرها لتعرف بأنها أفكار وآراء استشراقية ، ولكن معرفة أن الاستشراق ليس مشروعاً فرديا وإنما هو مؤسسة متضامنة متعاونة على اختلاف البلدان التي ينتسب إليها المستشرقون ، وعلى اختلاف اللغات التي ينطقها المستشرقون ، على اختلاف سياسات الدول التي ينتمون إليها تبقى المؤسسة من وراء ذلك تتسم بصفات ثابتة في التعامل مع التراث الإسلامي .

منذ مائة وخمسين سنة وحتى الوقت الحاضر يصدر في أوروبا بلغاتها المختلفة كتاب كل يوم عن الإسلام ، هذه الإحصائية التى ننتهي إليها عندما نعرف أن ستين ألف كتاب قد صدرت بين 1800-1950 م أي عبر قرن ونصف ، وعندما نعرف أن في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها يوجد حوالي خمسين مركزاً مختصاً بالعالم الإسلامي ، وأن المستشرقين يصدرون الآن ثلاثمائة مجلة متنوعة بمختلف اللغات كما قرر ذلك بوزورث في ( تراث الإسلام ) ، وأن المستشرقين عقدوا مؤتمرات دورية خلال قرن واحد - هو المائة سنة الأخيرة - ثلاثين مؤتمراً ، هذا سوى المؤتمرات الإقليمية ، وسوى الندوات ، وبعض هذه المؤتمرات مثل مؤتمر أوكسفورد ضم قرابة تسعمائة عالم ، فلماذا كل هذا الاهتمام بالإسلام ، وبالشرق ، وبالعَربِ ، وبالقضايا التى تتصل بمنطقة بعيدة عنهــــم ؟ .

طبعاً هناك بدايات لاستشعارالغرب لقوته العسكرية والسياسية بعد أن استقرت فيه معالم نهضته الفكرية والحضارية عبر القرن السابع عشر والقرن الثامن عشر ، ثم بدأ في اكتساح العالم خلال القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين ، وكان هذا يقتضي أمرين : أن يُهيأ الرأي العام الغربي لمثل هذا العمل ، لأن الاقتحام العسكري والاختراق الثقافي والسياسى والاقتصادي سيكلف الغرب الكثير ، وينبغي أن يضحي من أجل ذلك بقوى عسكرية ، وبإمكانات اقتصادية ، وبتسخير قدرة الأجهزة العلمية - إلى حين - لهذه المشكلة المثارة . فالمستشرقون هم الذين صوروا الشرق أمام الغرب ، هم الذين قالوا من هم المسلمون ماهي خصائصهم العقلية ، ما هي ثقافتهم ، ما هي أعرافهم وتقاليدهم ، إلى أي شيء يدفعهم الإسلام ، وكم يؤثر فيهم ، في الوقت الذي توضع فيه الخطط العسكرية والاقتصادية .

هذا الأمر - تصوير الشرقيين أمام الغربيين - كان هدفاً من الأهداف الكبيرة لحركة الاستشراق ، إذ كان المطلوب إعطاء صورة معينة تمكن من الغزو العسكري ، والاقتصـــادي ، والثقافي ، وهكذا بدأت الدراسات التي اتسمت بطابع عرقي في بدايات القرن التاسع عشر الميلادي ، والتي أدت أولاً إلى تقسيم البشر إلى ساميين وآريين وحاميين ، وأن هؤلاء البشر يتمايزون تمايزاً عرقياً ، وأن خصائصهم العقلية والجنسية تتباين ، فالساميون لا يمتلكون القدرة على التفكير البعيد في المستقبل ، وهم أيضاً لا يمتلكون القدرة الكافية على التنظير العقلي والربط بين الجزئيات ، وهذا ما سماه المستشرق جب Gib - وهو يعتبر معاصراً ، لأنه إلى سنة 1965 م كان يدير مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة هارفارد - عقلية ذرية تتسم بتجزئة الأشياء وعدم القدرة في تجميعها وتركيبها والنظر إليها بصورة شاملة .

إن الدراسات ذات الطابع العرقي قام بها أولاً أرنست رينان ، حيث كتب عدة مؤلفات عن أصول الساميين وعن فقه اللغات السامية ، وفقه اللغات كان يتجه نحو تكريس الفرق بين الساميين والآريين أو بين الشرق والغرب .

ويعتبر العرب والمسلمون هم المركز الذي تدور حوله دراسات الاستشراق أكثر من بقية الأمم والشعوب ، والدراسات التي تناولت الإسلام والمسلمين تختلف عن تلك الدراسات لبقية أرجاء الشرق ، ولعل هذا لافت للنظر ، لماذا تتسم الدراسات المتعلقة بالإسلام والمسلمين بالتحيز والتعصب والغضب ؟ ولماذا لا تتسم بذلك الدراسات عن البوذية مثلاً ، أو الهندوسية ، أو الثقافات الأخرى أو الحضارات الأخرى كالصين مثلاً ؟ ولماذا عندما تختص القضية بجانب إسلامي ، أو بجانب يتصل بمجتمعات إسلامية عندئذ تظهر جذور الانفعالات المختلفة والعصبيات المتنوعة والغيظ ؟ هذه إحدى الملاحظات التى سجلها إدوارد سعيد ، وهي في الحقيقة تستحق الانتباه إليها خاصة إذا راجعنا الاستشراق في بدايات نشاطه ، لأن بداياته الأولى ترجع إلى فترات مبكرة أكثر وترتبط بقصة الصراع بين المسلمين والغرب من خلال فتح الأندلس ، ومن خلال الحروب الصليبية ومن خلال الصراع في صقلية وجنوب أوربا ، وهذا الأمر كان يجعل الإسلام يحتك بصورة مباشرة بالنصرانية التى كانت مؤسساتها الكنسية تسود العالم الغربى ، وكانت هى التي تتوج الأباطرة والملوك ، وتتمتع بملكية أرض واسعة مما جعلها القوة الرئيسية في الغرب ، وهذا كله كان يجعل الإسلام في مواجهة مع الكنيسة النصرانية ، ومن ثم اندفعت أعداد من القسس لدراسة الإسلام . فهذه البدايات الدينية كانت تتسم بالتشنج والعاطفية ، والدراسات فيها اتهامات ممجوجة ، وهي من السخف بحيث أن ذكرها في مثل هذا العصر ليس له من أثر وإنما يدل على طبيعة العلاقات المنفعلة والمتسمة بالطوابع الذاتية في تلك الدراسات الاستشراقية الأولى .

والبعض يرى أن أوربا كانت تخشى من غزو إسلامي فكري في تلك الفترة ، لأن المسلمين نقلوا الفكر اليوناني إلى أوروبا - أقصد عن طريق حفظ الكتب اليونانية التي ترجمت إلى اللغات الأوروبية عن العربية . هذا الجانب لا يهمنا بوصفنا الإسلامي ، ولكنه حدث وحدث معه أن ذهب أوروبيون ربما لطلب مثل هذه العلوم ابتداءً ، ولكنهم احتكّوا ببيئة إسلامية في الأندلس ، وكان البابوات يرصدون هذه الحركة ، ويرون أنها خطرة على أوربا ، وأنها تمثل غزواً حضارياً فكرياً إسلامياً . ومن هنا أنشئت مراكز الدراسات الاستشراقية المختلفة في أوربا بإذن من البابوات ، وبتنسيق المجالس الكنسية ، ووضعت في كمبردج وأوكسفورد وفي مراكز أخرى مثل ألمانيا .

كانت هناك قضية الصراع الفكري الديني واستمر هذا التيار إلى أن ظهرت المرحلة الجديدة المقترنة بالتوسع الاستعماري ، عندئذ صار من مهام الحكومات أن تسخر عدداً كبيراً من الباحثين ليكتبوا عن الإسلام والمسلمين باللغات الأوروبية ، إذن الخطاب لم يكن موجهاً ابتداءً لناطقى العربية أو اللغات الشرقية وإلا لكانت الكتابة باللغة العربية ، بل كان موجهاً لأوروبا ، أن هذه هي صورة الإسلام فلا تتحولوا إليه ، وإذا كانت هذه هى صورة المسلمين فلا تلوموننا إذا اقتحمنا ديارهم ، ولا تلوموننا إذا استنزفنا خيراتهم ، ولا تلوموننا إذا تعصبنا ضدهم ، لأن هؤلاء القوم يتسمون بخصائص عقلية وجنسية وثقافية لا تمكنهم من النهوض بأنفسهم ، وهم بحاجة إلى عوننا والدور الذي سنقوم به والذي سنحدثه إنما هو لصالح الحضارة الإنسانية . ويستمر هذا الخطاب عبر قرن من الزمان وهوالقرن التاسع عشر ، وهو القرن الذي اشتد فيه الاستشراق واشتدت فيه مؤسساته وأوزرت من قبل الحكومات المختلفة الأوروبية .

ومنذ مطلع القرن العشرين وإلى الوقت الحاضر نعلم كيف برزت منطقة الشــــــــرق الأوسط ، وأهمية هذه المنطقة استراتيجياً واقتصادياً وبالتالي فإن الدراسات الاستشراقية استمرت واتصلت ، كما أن مؤتمرات المستشرقين واصلت طريقها بدعم من الحكومات ومن المؤسسات ومن الأغنياء ( الأفراد ) من الأمريكيين والأوروبيين . ونجد أن الاستشراق الروسي يبرز بشكل أقوى منذ الثوره البلشفية سنة 1917 م .

إذ لا بد من دراسة القوم الذين يراد لهم أن يُستعمروا ، ولا بد أن يعتقد الغربي أن العمل إنساني وحضاري وكيف مُثَّل الإسلام أمام الغرب ؟

أولاً لا وجود حقيقي للإسلام في الغرب لعدم وجود المؤسسات القوية القادرة على تمثيله ، وهذا ولَّد فراغاً ومكَّن المؤسسات الاستشراقية ومن ورائها عدد كبير من الدارسين الغربيين الذين لا يعرفون العربية ، ولكنهم يتلقون الصورة من خلال المؤلفات الاستشراقية .

لقد ظهرت دراسات تحليلية كثيرة في القرن العشرين عن الإسلام والمسلمين وعن القرآن الكريم ، وعن السنة النبوية ، وعن السيرة النبوية ، وعن الثقافة الإسلامية وعن الشريعة الإسلامية ، وهذه المؤلفات قامت بعقد دراسات مقارنة ، والمقارنات منذ القديم تستهدف شيئاً أساسياً وهو تصوير الرسول صلى الله عليه وسلم أنه مصلح اجتماعي عكس ضرورات البيئة العربية في مكة . ويقول جب Gib : " إنه نجح لكونه أحد المكيين " بمعنى أنه عبَّر عن الحاجيات المحلية ، ومهما اختلفت العبارات ما بين قسوة كاملة تتسم بسوء الأدب عند ذكر الرسول ، عليه الصلاة والسلام - وهذا ما يقوله المستشرقون المتأخرون عن المتقدمين بأنهم أساءوا جداً - وبين دراسات أكثر موضوعية وحياداً . ومهما اختلفت الصورة تبقى هناك قضية أساسية وهي أن جميع المستشرقين - متسامحهم ومتعصبهم - يتأثرون بوسطهم الثقافي المعادي للإسلام إلا من أسلم منهم ، وهم قلة كما تعلمون مثل " أتين دينيه " ، صاحب " محمد رسول الله " و " أشعة من نور الإسلام " وهو فرنسي ، ومثل " موريس بوكاي " الذي قارن بين القرآن والانجيل والتوراة ، ولما تبين له أن الكتب السماوية المحرفة تتناقض مع العلم ، وأن القرآن لا يتناقض مع أية حقيقة علمية ثابتة عندئذ أعلن تشهده وإيمانه بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، وبأن القرآن كلام الله ، وهو من كبار العلماء الفرنسيين في الطبيعيات ، وهؤلاء قلة أمام الكثرة الكاثرة التي استمرت تصور الرسالة الإسلامية على أنها هرطقة - هرطقة : اصطلاح يطلق على المنشقين عن الكنيسة النصرانية - فهم يرون أن الإسلام هرطقة وحركة خارجة عن النصرانية ، وأن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يكن نبياً موحى إليه وإنما كان على حد أحسن تعبيراتهم وهو ما يقوله مونتغمري وات - أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة لندن ، وهو من أحدث الذين كتبوا في السيرة النبوية من المستشرقين في كتابيه : " محمد في مكة ، محمد في المدينة " وهو يقول : " إن محمداً صادق ، لأنه يخيل إليه أنه بعث نبياً ، وأنه يحمل رسالة ، وأنه يوحـــــــــى إليه " .

نور العين
09-Nov-2004, 11:43 PM
هذا المستشرق ، لأنه يعيش في هذا القرن الذي تبلورت فيه علوم جديدة لم تكن موجودة عند المستشرقين في القرن التاسع عشر أو القرن الثامن عشر أو القرن السابع عشر أو مع البدايات الاستشراقية ، مثل علم النفس التحليلي ، علم الاجتماع والعلوم الاقتصادية والاجتماعية الحديثة ، لذلك نجد أن تقنية البحــــــث عند مونتغمـــــــــــــري وات تختلف عن التقنية القديمة من حيث أنه يمزج دراسته بهذه الألوان الجديدة من العلم ، وهذا قد يولد قناعة عند بعض القارئين ممن لا يعرفون السيرة النبوية معرفة دقيقة ، أو ممن لا يعرفون الإسلام بصورة تفصيلية ، فهو يزعم أن عملية الوحي إنما هي استشعار داخلي ولكن بصدق ، فهو لا يشكك بصدق شعور النبي صلى الله عليه وسلم بالنبوة ، ولكنه يظن أن هذا إنما هو استشعار داخلي وقناعة ذاتية دون أن يكون هناك شيء خارجي اسمه الوحي .

وعندما يأتي إلى قضية الاختلاف بين أسلوب الرسول صلى الله عليه وسلم في أحاديثه وبين أسلوب القرآن المتميز هنا يلجأ إلى علم النفس التحليلي ، فيقول إن النبي عندما يقرأ القرآن على الناس يكون في حال يضعف فيها الوعي الخارجي ويعمل وينشط اللاشعور أو العقل الباطن ، فعندئذ يكون الأسلوب مغايراً لأسلوبه عندما يكون في يقظته العقلية الكاملة أو وعيه الظاهر الكامل ، ومن هنا يأتي أسلوب الحديث مغايراً لأسلوب القرآن . نحن نعلم أن مغايرة أسلوب القرآن لأسلوب الحديث هو أحد الوسائل التى بنيت عليها موضوعات الإعجاز القرآني ، باعتبار أن أسلوب القرآن أسلوب فريد متميز عن الأساليب البشرية ، وأن الإسلام تحدى العرب - وهم أساطين البلاغة - بأن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا ، وأن عدم استجابتهم للتحدي مع رغبتهم في ذلك يدل على أن الأمر كان عندهم ظاهراً بحيث تميزت أمامهم الحقيقة وهي أن هذا أسلوب مغاير لأساليب البشر . ومن هنا تبرز أهمية هذه " الفذلكة " التي يقدمها مونتغمري وات لأنها تستهدف نقض قضية الإعجاز باعتبار أن هناك أساليب متغايرة تنجم إحداها عن الوعي الظاهر والثانية عن اللاشعور ، بالطبع مثل هذا إذا قُيِل ينبغي أن يطبق على سائر الأساليب لسائر الكتاب والشعراء والمفكرين في أرجــــــــاء الدنيا ، وإلا لماذا يختص محمد صلى الله عليه وسلم وحده بالأسلوبين ؟ ونحن نعلم أن الدراسات المقارنة والدراسات الأدبية النقدية كلها مبنية على وحدة الأسلوب بحيث يقال إن هذا الكلام ليس من كلام فلان لأنه مغاير لأسلوبه .

إن محاولات إلقاء الرؤى الثقافية المعاصرة على الاسلام ، منهج خطير ، ومن الناحية العلمية لا يمكن قبوله لأنه مجرد إسقاط تاريخى لرؤية ثقافية حديثة ، فقبل مونتغمري وات كان المستشرقون يحتارون في تفسير ظاهرة الوحي قبل أن تبرز فكرة التحليل النفسي التي جاء بها فرويد الطبيب المشهور في مطلع هذا القرن والتي أخذت مجالها في الدراسات النفسية والاجتماعية وفي عالم الرواية الأدبية .

كانت مشكلة الوحي تواجه المستشرقين ولا يتمكنون من إعطاء تفسير لها إلا باللجوء إلى الاتهامات التى سبق أن ذكرت على لسان الجاهلين في مكة عنـــــــد نزول الإسلام ، وللأسف في دراساتنا الجامعية ، وربما المرحلة الثانوية كانت تطالعنا أسماء لدارسين يسمون دارسين غربيين ، وهذه الأسماء أصبح يطلق عليها فيما بعد اسم الاستشراق أو المستشرقون ، وكانت انطباعاتنا عن البعض أنه معتدل ، فكان يقال لنا مثلا إن دانتي له تأثير كبير على نشوء الثورة الفرنسية ، والتمهيد لها ، ومعاداة الآراء الكنسية الباطلة والمخالفة للعلم ، ودانتي الذي أُبرز والذي يعرفه ربما الكثير من العرب والمسلمين لأنه يأتي في المناهج الثانوية في كثير من الدول الإسلامية ، ودانتي الذي ظهر لنا بمظهر الشاعر النابه صاحب الكوميديا الإلهية التي ربطت عن طريق الدراسات المقارنة بقصة الإسراء والمعراج ، وربطت أحياناً في الدراسات الأدبية برسالة المعري " رســــــــــــالة الغفران " ، ودانتي قيل لنا إنه شاعر نابه وإن له تأثيراً في مجرى التاريخ الإنساني ، وإنه أحد الممهدين للثورة الفرنسية - في رأيهم - مصدر الحرية والمساواة والتحرر الإنساني الذي يظنون أنه شمل أهل الأرض خلال القرون الأخيرة على إثر ظهور تلك الثورة .


موقف دانتي من الرسول صلى الله عليه وسلم :

دانتي يضع النبي عليه الصلاة والسلام في طبقة متأخرة من طبقات الجحيم ، هذا الوجه الآخر من العملة لم يقولوه لنا ، وإنما فقط قالوا لنا إن له أثراً إيجابياً ، وعندما يقتنع الإنسان وهو صغير بأن هؤلاء هم نماذج الأبطال في التاريخ الإنساني ، وإنهم هم رجال الفكر ورجال التحرر ، ثم يأتي بعد ذلك - بعد أن يشب - ويقرأ مثل هذا الكلام لدانتي لن يغضب كثيراً ، لأن ماعرفه عن دانتي يخفف من هذا العمل ، ولأنه لم يعرف شيئاً عن محمد صلى الله عليه وسلم ، فلماذا يغضب ؟ ولكن يبقى أن أشير إلى ما ذكرته في البداية من كون خطاب دانتي بالفرنسية العالمية المستوى ليس موجهاً للعرب ولا للمسلمين ، إنما هو في الأصل موجه لقراء الفرنسية ، وأن المراد تشويه صورة محمد صلى الله عليه وسلم بغية الخلاص مما كانت تظنه الكنيسة ويظنه مفكرو الغرب حتى أعداء الكنيسة غزواً فكرياً إسلامياً .

نَسْبُ حسنات الإسلام إلى اليهودية والنصرانية :

إنَّ تلمس كل حسنات الإسلام ومحاوله نسبتها إلى أصول يهودية أو نصرانية ، هذا المنهج كان منذ البدء معمولاً به ولا يزال حتى الوقت الحاضر يظهر في عبارات المستشرقين المعاصرين ، فالقضايا التي تتصل بتوحيد الإله ، وبطرح العقيدة الدينية يشار فيها إلى أثر بحيرا الراهب ، وأثر ورقة بن نوفل ، فكتب الحداد الذي لا نعرف اسمه - لأنه لم يصرح به - سواء في كتابه عن " المسيح والقرآن " أو " محمد والقرآن " أو كتبه الأخرى التى ظهرت حديثاً ، وهذه الدراسات التى قيل إنها للأستاذ الحداد ركزت كثيراً على هذا الجانب وهو أن محمداً صلى الله عليه وسلم كان على صلة بورقة بن نوفل خلال خمسة عشر عاماً ، وكان هذا الوقت منذ زواجه بخديجة الذي يزعم الكاتب أن ورقة زوجه بها ، وهو أمر طبعاً منقوض تاريخياً لأنه معروف أن الذي زوجها هو عمها عمرو بن أسد ، ولكن المهم إيجاد الصلة بورقة الذي يقول إنه كان نصرانياً وكان على ثقافة كتابية ، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم تلقى عنه الوحي الأول ، ثم جاء الوحي الثاني في الغار .

هذه الكتابات الحديثة ، هذه الرؤى ليست جديدة ، وإنما منذ البداية كان المنهج يركز على أن حسنات الإسلام مقتبسة من سواه ، لعدم إمكان إنكارها لأن القرآن جاء بها ولأن السنة أثبتتها ، إذاً لا يوجد إلا طريق واحد وهو أن يقال : نعم إن الإسلام فيه هذا الجانب ولكنه مأخوذ عن النصرانية بواسطة ورقة بن نوفل ، والإسلام فيه هذه الحسنة ولكن الذي أوحى بها إنما هو بحيرا الراهب وبعضهم يريد أن ينسب الأمر إلى بعض اليهود الذين كانوا في شبه الجزيرة العربية ، ونحن نعرف تماماً أن مكة لم يكن فيها يهود .

نور العين
09-Nov-2004, 11:45 PM
القصص الديني :

نعم هناك أوجه تشابه في القصص الديني بين ماورد في التوراة وشرحه التلمود ، والإنجيل ، وبين ما ورد في القرآن الكريم ، ولكن هذا التشابه لا يعود إلى كون القرآن اقتبس تلك الصور عن التوراة والإنجيل ، وإنما لكون الأصل واحد ، نحن لا ننكر أن الإنجيل وأن التوراة من عند الله ، ولكننا نقول ما أثبته القرآن من كون الإنجيل والتوراة لم يعودا كلمة الله تعالى بسبب التحريف الذي وقع والذي لا يمكن تمييزه وتحديده وتخليصه بدقة من الحق ، فكون الوحي الإلهي واحداً وكون العقائد الدينية واحدة والشرائع هى التى تختلف ، هذا الأمر يؤدي بالطبع إلى أن يلتقي الوحي الإلهي للأنبياء جميعاً في بعض الجوانب .

ترجمات معاني القرآن :

هناك ترجمات كثيرة لمعاني القرآن الكريم قام بها المستشرقون وهي تزيد على خمس وسبعين ترجمة ، ونحن لا نعرف هذه التراجم ، بل لا تكاد تجتمع في مكتبة من مكتبات العالم الإسلامي ، وهذا بلاشك تقصير كبير ، إننا لا نعرف ماذا يكتب عنا ، وكيف يترجم كتاب الله تعالى ، وماذا يقال في تصديره للعالم الغربي ، لابد أن نمثل أنفسنا وخاصة بعد أن أصبح عندنا العديد من المثقفين والكتاب ممن يعرفون اللغات الأجنبية ، يجب أن نتكلم عن أنفسنا ، ولا ندع المستشرقين يتكلمون عنا ويمثلوننا .

يقول جورج سيل في مقدمة الترجمة الإنكليزية لمعاني القرآن الكريم ســــــــــــــنة 1736 م : " أما أن محمداً كان في الحقيقة مؤلف القرآن والمخترع الرئيسي له فأمر لا يقبل الجدل ، وإن كان من المرجح مع ذلك أن المعاونة التي حصل عليها من غيره في خطته هذه لم تكن معاونة يسيرة ، وهذا واضح في أن مواطنيه لم يتركوا الاعتراض عليه بذلك ، يشير إلى آيات القرآن ( إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون ) وقول الحق تعالى : ( إنما يعلمه بشر ) المقصود أن هذه مقدمة لترجمة لمعاني القرآن إلى الإنكليزية ، وهي من أقدم الترجمات !!.

هناك دراسة لمالك بن نبي وهي " الظاهرة القرآنية " وفيها مناقشة دقيقة ومنطقية لما قيل من تشابه بين القصص الديني القرآني والقصص الديني التوراتي .

وينبغى أيضاً أن نلاحظ أن تمثيل الاستشراق للإسلام وللمسلمين بالنسبة للغرب ينعكس على قضايانا السياسية ، وعلى علاقاتنا مع الغرب حيث يتصور الرأي العام الغربي أننا أمة همجية وأننا برابرة كما تزعم كثير من الدراسات ، وأننا لا نمتلك مقومــــــــات حضارية ، ولا نمتلك عقلية منطقية ، ولا نفكر في المستقبل ، هذا كله يمكن أن يؤدي إلى مشكلة في نطاق العلاقات السياسية والاقتصادية والعسكرية ، والصراع بين الشرق والغرب ، لذلك فإن قيامنا بتمثيل أنفسنا هو الحل الأمثل ، نحن الذين نطرح فكرنا وديننا وعاداتنا لكنه ينبغي أن نعترف أننا حتى الآن لم نمثل أنفسنا أمام أنفسنا ، أقصد لازلنا ندرس الإسلام ، ولازلنا ندرس أوضاع المسلمين وندرس شرائح كثيرة تاريخية ، وجغرافية ، واقتصادية ، واجتماعية ، وثقافية ، من خلال الدراسات الغربية والاستشراقية ، وأن مناهج جامعاتنا في أرجاء العالم الإسلامي مليئة بمثل هذه الكتب وحتى تلك الكتب التى ألفها عرب لو قارناها بدقة فإننا سنجد أن كثيراً من الأفكار مترجمة دون عزو عن الاستشراق .

فلابد إذاً من أن نبني صرحنا الثقافي الفكري الديني بأنفسنا وأن تكون دراستنا مستقلة ذات مناهج مستقلة ، ورؤى مستقلة ، وأن هذا الذي يطرح لا يكون متأثراً وغارقاً في بؤرة الاستشراق . أن نمثل أنفسنا أولاً عن طريق بناء الصرح العلمي والرؤى الإسلامية الخالصة المنبثقة عن كتاب الله تعالى وسنة محمد صلى الله عليه وسلم ، ثم أن نعكس هذا على الغرب بترجمات إلى اللغات العالمية المختلفة ، لكن الذي حدث أن المستشرقين مثلونا أمام الغرب وبعد أن شوهوا الصورة تماماً خلال قرنين من الزمان وعادوا إلى عكس الصورة ، فبدل أن يكون الإنشاء يخاطب به الغربي باللغة الألمانية أو الفرنسية أو الإنكليزية صار الخطاب - بعد الترجمة للعربي وللمسلم الذي يقرأ العربية أو بعض اللغات الإسلامية الأخرى - إذن عكس الخطاب الذي شوّه الصورة أمام الغربي ، بحيث قبل أن نُستعمر " لأننا بحاجة إلى الاستعمار ، قبِل أن نُخترق لأننا لا نستطيع النهوض بأنفسنا ولئلا نبقى بعيدين عن الحياة الطيبة التي لا بد أن تكون ثمرة من ثمرات الاستعمار وخيراته علينا !! " .

وتعكس الصور منذ مطلع القرن العشرين إلى الآن بشكل ترجمة إلى لغاتنا فتحول الخطاب القديم - إلى الأوربى - إلى خطاب جديد للمسلم وبنفس الأفكار والتوجيهات التي تولِّد الشك في نفس المسلم .

أولاً : لأن التربة صالحة لبذر أية فكرة فلا توجد تربية إسلامية مو جهة لكل أبناء العالم الإسلامي ، ولأجياله الصاعدة ، ولا يوجد تغذية بالقرآن والسنة ومفاهيم الإسلام بشكل يحصن الشاب المسلم عن تقبل مثل هذه الأفكار .

ثانياً : هذا الخطاب يحطم الأمة لأن المعنوية التي تأتيها من صلتها بالقرآن ، بالوحي الإلهى كتاباً وسنة ، واستشعارها بأنها الأمة الوحيدة التي تحمل وحياً إلهياً خالصاً من التحريف ، هذا الاستشعار يمكن أن يعيدها إلى مجد حضاري جديد ، والمجد الحضاري الجديد معناه وقف المصالح للعالم الغربي ، معناه توجه المنطقة توجهاً مستقلاً يحفظ كرامتها وشخصيتها وهويتها الإسلامية وثقافتها التاريخية وتطلعاتها نحو مستقبل أفضل .

قبل ثلاثة عقود في المرحلة الجامعية كان الأستاذ يتكلم بلسان الآخرين ، وطبعاً هناك أناس متدينون في القاعة ، ولازالت الطينة بصورة عامة فيها بقايا خير كثير ، ولازالت لم تتسخ كثيراً ، من الصعب أن يقول الإنسان ائتمر أبوبكر وعمر وأبو عبيدة على انتزاع الخلافة ، ولكن يستطيع أن يقول ذلك على لسان الأب " لا مانس " ويسوق هذا الكلام ثم يسكت . والمهم أن الصورة التي تكونت في أذهان الطلبة الجامعيين أن هؤلاء الصحابة أناس يأتمرون بينهم على انتزاع سلطة وخلافة دنيوية ، وأنهم ليس كما يقول المسلمون عنهم من كونهم ربوا على عين النبوة ، ونشأوا مع آيات الوحي وتمثلوها قولاً وعملاً وبما أنهم نماذج الإسلام الأولى فلا يعقل أن آخرين سيأتون بعدهم يصبحون نماذج أفضل . وهكذا فإن الإسلام ليس ديناً واقعياً يربى رجالاً نظيفين وأقوياء ، وإنما مجرد خيال ومثاليات .

كم أُثني على " توماس كارليل صاحب الأبطال الذي ترجم إلى العربية ، إنه جعل النبي بطلاً تاريخياً وأنه مستشرق منصف ، والآن اقرأوا فقرة من كلام كارليل عن القرآن ، يقول : " هو خليط مهلهل مشوش ، محل خام ، مستغلق تكرار لا نهاية له ، وإسهاب وإطناب ومعاضلة ، خام إلى أقصى الدرجات ، ومستغلق وبإيجاز غباء فارغ لا يطاق " . هذا الكلام نقله إدوارد سعيد - وهو أستاذ جامعي أمريكي نصراني من أصل عربي - نقله عن كارليل في كتابه " الاستشراق " وكتاب " الاستشراق " هذا يعد من أقوى ما كتب في فضح المستشرقين ومناهجهم وتعريتهم ، ووضعهم في الإطار الكلي من قبل رجل ليس مسلماً ليقال إنه يتعصب للإسلام وللمسلمين ، وإنما هو رجل نصرانى ، ومنذ أن كُتب هذا الكتاب وصُدِّر إلى أسواقنا بالعربية سنة 1981 م تتالت كتابات مسلمين أستثيروا ، فظهرت عدة دراسات أثارت نفس القضايا الكبرى سواءً ما تعرض له إدوارد سعيد أو أخذت نماذج من الاستشراق كالهولندي ، كما فعل الدكتور قاسم الســـــــامرائي في " الاستشراق بين الموضوعية والافتعالية " ، وكما فعل الدكتور زقزوق في محاضرته التى نشرت في سلسلة كتب مجلة " الأمة " عن الاستشراق ، وثمة كتاب يستحق أن يشار إليه وهو " مناهج المستشرقين " الذي طبعه مكتب التربية لدول الخليج العربي والذي يقع في مجلدين تحت عنوان " مناهج المستشرقين في الدراسات العربية والإسلامية " فلا شك أن هذا الكتاب يعد عملاً نقدياً رائعاً في مجاله ، ولكن الكُتَّاب لم يتمكنوا أن يقولوا كل مايريدون لأنهم كتبوا بحوثاً ومقالات اجتمعت في المجلدين ، والأمر يحتاج إلى جهد أكبر ليُفحص كلام الاستشراق وكيف طُرح على الغرب وكيف تكونت صورة العربي والمسلم في ذهن الغربي المعاصر . ثم إذا ما عُدِّل المخاطب أو المراد بالخطاب إلى الشرقي المسلم العربي ما الذي سينتج بعد ربع قرن إذا ترجم ستون ألف كتاب أو عشرون ألف منها إلى لغات العرب والمسلمين .

نور العين
09-Nov-2004, 11:48 PM
لا ينظر إلى الأمر من زوايانا ونحن ندرس في كلية قرآن وكلية حديث وكلية شريعة وكلية لغة عربية ، لا ينظر الأمر من هذه الزاوية ، وإنما ينبغي أن ننظر برؤية واسعة إلى العالم الاسلامي إلى تلك الأجيال التى تعد بالملايين والتي لا تعرف عن الإسلام إلا الشهادة وإلا بعض المظاهر العامة . ماذا لو نوقشت قضية الوحي الإلهي ، وتطبيقات علم النفس التحليلي عليه ؟ ألا يتسرب الشك إلى عقل خال وليس عنده من تصور لقضية الوحــــــي الإِلهي ؟ بالطبع ليس معنى ذلك أن هذه القضية هي من بنات أفكار هذا القرن ، نعم إن استخدام التحليل النفسي هو من أفكار القرن لارتباطه بعلم معين أو فرع معين من فروع علم النفس ولكن قبل ذلك ماذا قيل ؟ قيل إن النبي عليه الصلاة والسلام يُصْرَع ، ولكن المستشرقين الذين تأخروا لما درسوا ظاهرة الصَّرَع من الناحية الطبية وجدوا أن الدعوى لا يمكن أن تقبل لأن المصروع يفقد عقله ، أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان على أتم اليقظة والوعي واستحضار العقل بل شدة التركيز ، بحيث قال له الله تعالى ألا يفعل ذلك إشفاقاً عليه ( لا تحرك به لسانك لتعجل به . إن علينا جمعه وقرآنه . فإذا قرأناه فاتَّبِــــــع قرآنــه . ثم إن علينا بيانه ) . وعده الله تعالى بأن يجمع ذلك له ، بأن يُحفظهُ إياه دون هذا التركيز العقلي المشدود ، فأين هذا من حال المصروع ؟ فالمصروع كما نعلم يهذي لكنه لا يأتي بقرآن مبين لا يتناقض إطلاقاً ، وعدم التناقض إطلاقاً ليس إلا من صفات الله سبحانه وتعالى ، ولذلك قال الحق : ( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً ) .

أيضاً قالوا لنا بأن " جوستاف لوبون " الفرنسى الذي كتب " حضارة العرب " رجل حصيف ، ورجل عادل وهو يثني على العرب وحضارتهم ، وكتابه هذا اعترف بمكاننا ، ولكنهم لم يقولوا لنا ماذا يقول جوستاف لوبون عن القرآن ، يقول : " ليس في عامية القرآن ولا صوتيته أو هويته الصبيانية التى هي من صفات الأديان السماوية ما يقاس بنظريات الهندوس " . يعنى لوبون يرى أن القرآن الكريم في لغته وفي أفكاره لا يرقي إلى الهندوسية ، ثم ينكر شمولية القرآن ، ويرى أنه مؤقت لعصره ، وأنه لا يحقق حاجات الفرد في عصور لاحقة بل يجعله سبب تخلف المسلمين .

إن خلط السم بالدسم ، بالثناء على الحضارة العربية وأنها تستحق الإشادة بها ، ومن ناحية ثانية الطعون في القرآن والرسول صلى الله عليه وسلم ، وفي ظاهرة الوحي يعنى أن المقصود هو الطعن ، وأما الإطار بالثناء على حضارة العرب فهو للتخدير ، لأنه في حالة الوعي الكامل سيرفض القارىء الشتم ، ولكن إذا قيل له إنك إنسان نبيل ونابغة ومهذب ولا ينقصك إلا كذا - وهذا " الكذا " يفقد الإنسان قيمته - هذا هو الأسلوب والمنهج المتبع في معظم الدراسات الاستشراقية في القرن العشرين ، فهي لا تتجه إلى الأساليب المباشرة ، وإنما تتجه إلى تغليف الكلام .

وقد كتب جولد زيهر مئات البحوث عن الإسلام والمسلمين وعشرات الكتب الكبيرة ، وأشهر كتبه " مذاهب التفسير الإسلامي " الذي يمثل نضجه الثقافي حيث كتب قبل ذلك " دراسات إسلامية " و " العقيدة والشريعة " ، وهذا المؤلف المجري اليهودى أثر على كثير من أساتذتنا الذين تكلموا عن تاريخ الحديث النبوي في مطلع القرن ، واستمرت آراؤه تحظى باحترام العديد من الدارسين في الغرب هو و" شاخت " صاحب كتاب " أصول الفقه الإسلامي " . ولا يمكن في هذا البحث الوجيز استعراض كل ما قيل في هذا المجال وإنما المراد هو إيضاح أن الاستشراق وإن كان قد بدأ حركة دينية ثم تحول إلى حركة مقترنة بالسياسية بحيث اشتغل معظم المستشرقين بل كلهم إلا اليسير في دوائر المخابرات الاجنبية وخدموا وزارات الخارجية ، وهذا معروف عن أساطينهم مما لا يولد الشك في اقترانهم بالسياسة وأن ما يكتبونه يراد منه خدمة واقع سياسي ، وأنه حتى بعد التطور الحديث من مطلع القرن العشرين وحتى الآن لازال يواصل خطاه ، وأن مايبدو عليه من تعميق لبحوثه بالإفادة والاستثمار للعلوم الحديثة لن يخلصه من الإطار القديم المرسوم له ، فأهداف طرح الشرق أمام الغرب بصورة مشوهة ثم عكس القضية لإضعاف ثقة المسلمين بأنفسهم ، بدينهم ، بماضيهم ، هذا كله إضافة إلى زرع بذور العنصرية والتفرقة بين الأمة الإسلامية بشتى الطرق .



وفيما يلى عرض لجملة من آراء المستشرقين في السنة النبوية :

المستشرقون والسنة :

لم يفرد المستشرقون القدامى السنة بدراسات مستقلة بل ركزوا على العقيدة والقرآن والسيرة والتاريخ .

في نهاية القرن السابع عشر كتب هربلو وهو فرنسي ( 1635 - 1695 م ) صاحب المكتبة الشرقية وهي دائرة معارف عن الشرق نُشرت 1738 م - بحثاً في ( حديث ، قصة ، خبر مسموع مقول ، أحاديث الرسول ، حديث عن أشياء قالها الرسول الزائف وقد نقل من فم إلى فم ومن شخص إلى آخر ) .

وخلاصة رأيه أن جملة الأحاديث التى في الكتب الستة والموطأ والدارمي والدارقطني والبيهقي والسيوطى مأخوذة إلى حد كبير من التلمود .

ويلاحظ أنه يفرق بين السنة التى التزم المسلمون بتطبيق أحكامها وبين الحديث الذي هو مجرد خبر تاريخى غير موثوق ‍‍‍‍!! .

كذلك يلاحظ في دراسة هربلو التكذيب للرسول صلى الله عليه وسلم واتهامه بالزيف والألقاب الأخرى الشائنة . والزعم بأن المحمدية مستقاة من التلمود ، واليهود الذين دخلوا في الإسلام ، مما سيتطور فيما بعد إلى الاستقاء من عدة ديانات وحضارات كانت على صلة بجزيرة العرب .

وكذلك اتهام المسلمين بعدم التمييز في دراسة أصول شريعتهم ، مما تبناه " جولد تسيهر " و" شاخت " وهما أبرز من تناول موضوع السنة من المستشرقين .

وقد جعل الزهري أول من جمع الحديث ،مما يولد فجوة تاريخية بين مرحلة النطق بالأحاديث وتدوينها مما يشكك في إمكانية الثقة بها .

وفي القرن الثامن عشر قسم المستشرقون حقول الدراسات الشرقية بصورة موضوعية ، وفي نهاية القرن برز الأمير كايتاني ( 1869 - 1926 م ) وميور ( ت 1905 م ) وشبرنجر Sprenger( ت 1893 م ) . وكانوا مهتمين بتاريخ السنة واعتقدوا الشك في صحة الأحاديث وسعوا للكشف عما أسموه " المادة الأصلية للحديث " .

نور العين
09-Nov-2004, 11:49 PM
أفاد من الثلاثة أحد المتضلعين بأصول اللغات السامية والتاريخ الإسلامي هو إجناس جولد تسيهر ( 1850 - 1921 م ) الذي درس بالأزهر ، وهو مجري الجنسية يهودي الديانة ، وقد اعتبره المستشرقون - ومن تأثر بهم - الرائد الأول في دراسة الحديث ونقده بالاستعانة بمنهج النقد التاريخي ، حيث توصل إلى فكرة تطور الأسانيد والمتون في الفكر الإسلامي ، ولا شك في أهمية تأثيره على سير الدراسات الاستشراقية في حقل السنة ، ويرى أن وضع الحديث بدأ في جيل الصحابه المبكر ، وإن كان يثبت وجود مادة أصلية ، فهو يعترف بوجود أحاديث مكتوبة في الصحف في ايدي الصحابة ، لكنه رغم ذلك يرى أن التدوين للسنة لم يبدأ إلا فى القرن الثانى . وأن معظم الأحاديث - في رأي جولد تسيهر - وضعتها الفرق السياسية الكلامية والمذهبية في القرنين الثاني والثالث ، لذلك هى تعكس تطور المسلمين السياسي والفكري خلال القرنين ولا تمت غالباً إلى القرن الأول بصلة ، ويركز على الصراع بين الأمويين الذين يصورهم بصورة الطغاة الجهلة وبين العلماء الأتقياء وأنصار أهل البيت ، ويتهم الزهري بوضع حديث " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد " . وقد عزا جولد تسيهر أصول الإسلام إلى اليهودية والمسيحية ، وأكد على تأثير الهلينية في تطور الإسلام ، وتأثير القانون الروماني في نمو التشريع الإسلامي .

لقد صارت دراساته دستوراً للمستشرقين من بعده ، وقليل منهم انتقد بعض آرائه أو عدَّل فيها مثل فيوك Fueck ( ت 1939 م ) وهوروفتس Horovitz ( ت 1931 م ) ، أما الأكثرية الساحقة فاكتفوا بتعميق آرائه بإضافة براهين جديدة أو تعميمها على حقول جديدة مثل كيوم ونيكلسون وهاملتون كـــــــــب وواط وفنسنك ( ت 1939 م ) .

وقد ركز فنسنك على أحاديث العقيدة في كتابه العقيدة الإسلامية في حين ركز جوزيف شاخت ( ولد 1902 م ) على أحاديث الأحكام في كتابه أصول الشريعة المحمدية وكتابه الآخر مقدمة في الفقه الإسلامي ، وهو يهودي الديانة بريطاني الجنسية ، وقد أكد شاخت على اختلاق الأحاديث ، وأثنى كيب وسافوري على كتابه ، واعتبره كيب أساساً لكافة الدراسات في الحضارة الإسلامية والتشريع الإسلامي في الغرب - على الأقل - في حين عده سافوري من أكبر علماء الشريعة الإسلامية في العالم .

وقد درس شاخت في مؤلفه ( أصول الشريعة المحمدية ) كتابي " الموطأ " لمــــــالك و" الأم " للشافعي ثم عمم نتائج دراسته على كتب الحديث والفقه الأخرى ، فقال بنظرية " القذف الخلفي " لتفسير تطور الأسانيد ، وتتلخص آراؤه في زعمه اختلاق الجزء الأكبر من الأسانيد ، واعتقاده أن أقدم الأحاديث لا يرقى إلي ما قبل سنة 150هـ ، وأن الأحاديث اختلقها الفقهاء وأصحاب الفرق ، وأن الشافعى هو الذي استحدث مبدأ حجية السنة ، وكان العمل قبله على السنة المذهبية ، وقد كان أثره كبيراً على جيله من المستشرقين .

لقد طعن شاخت في سند مالك عن نافع عن ابن عمر بأن نافعاً مات ومالك صغير ، وهذا خطأ ، فمالك كان صاحب حلقة في مسجد المدينة في حياة نافع . وقد رد روبسون على شاخت في هذا السند في مقاله " الإسناد في الحديث النبوي " وفي هذه المقالة عدل عن آرائه التي تابع فيها شاخت عندما نشر بحثه ، حيث كان يشك في جملة الأحاديث ويرى أن ما يمكن عزوه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم هو القرآن وحده . والملاحظ أن كيوم وواط وروبسون كلهم من رجال الكنيسة .

وقد ظهر توجه نحو دراسة موارد الحديث ونقد بعض وثائقه عند روبسون ( ولد 1890 م ) الأستاذ في مانشستر منذ سنة 1949 م ، وقد أثبت أن ثمة مادة أصلية من الأحاديث خلافاً لما ذهب إليه شاخت ومن قبله جولد تسيهر ، كما أنه لم يوافق كايتاني وشبرنجر ( 1813 - 1893 م ) في القول بأن أسانيد عروة بن الزبير ( ت 93 هـ ) مختلقة ألصقها به المصنفون المتأخرون .

لقد أشار شبرنجر ( ت 1893 م ) إلى تعاسة نظام الإسناد وأن اعتبار الحديث شيئاً كاملاً سنداً ومتناً قد سبَّب ضرراً كثيراً وفوضى عظيمة ، وأن أسانيد عروة مختلقة ألصقها به المصنفون المتأخرون . وكذلك مقاله " أصول تدوين الوثائق عند المسلمين " . ولكنه أثبت تدوين الحديث في عهد النبي صلى الله عليه وسلم بالاعتماد علــــــــى كتاب " تقييد العلم " للخطيب . وهذا ما خالفه فيه جولد تسيهر فيما بعد .

أما ميور معاصر شبرنجر فينتقد طريقة اعتماد الأسانيد في تصحيح الحديث لاحتمال الدس في سلسلة الرواة ، ورغم أنه مثل شبرنجر أقر بأن ثمة مادة أصلية في الحديث لكنه اعتبر نصف أحاديث صحيح البخاري ليست أصلية ولا يوثق بها .

وأما كايتاني ( ت 1926 م ) فقد ذكر في حولياته أن الأسانيد أضيفت إلى المتون فيما بعد بتأثير خارجي لأن العرب لا يعرفون الإسناد ، وأنها استعملت مابين عروة وابن اسحق ، وأن عروة لم يستعمل الإسناد مطلقاً ، وابن إسحق استعملها بصورة ليست كاملة .

وقد أثبت هوروفتس ( 1874 - 1931 م ) معرفة عروة للإسناد ، وأن الإسناد دخل في الحديث منذ الثلث الأخير من القرن الأول . وألمح إلى الإسناد الجمعي عند الزهري حيث يفيد وقوفه على عدة أسانيد للمتن الواحد .

ولكن هوروفتس يرى أن العرب أخذوا فكرة الإسناد عن المدارس التلمودية عند اليهود . ويرى - ويوافقه كيوم - تشابه المسلمين واليهود في نسبة شرائعهما إلى نبييهما .

ورد فيوك Fueck( ت 1939 م ) على جولد تسيهر فبرأ المحدثين والفقهاء من تهمة وضع الأحاديث ، وكشف عن منهج جولد تسيهر في التعامل مع الإسلام وأنه يستخدم المذهب المادي لنقد التاريخ ومنهج الشك فانتهى إلى أن كل أحاديث الأحكام تعتبر زائفة حتى يثبت العكس .

أما مرجليوث المعاصر لجولد تسيهر ( 1858 - 1940 م ) فقد تابع جولد تسيهر بل ذهب إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يترك أوامر ولا أحكاماً سوى القرآن !!

ويرى كيوم أنه لا يمكن إثبات صحة نسبة الأحاديث في الكتب الستة إلى الصحابة ولكن لعل بعضها تسلم نسبته .

ويفسر كيوم قول الزهري : " إن هؤلاء الأمراء أكرهونا على كتابة الأحاديث " تفسيراً خاطئاً ليدلل على وضعه للأحاديث وهو فهم جولد تسيهر من قبله .

ويتشبث نيكلسون بقول أبي عاصم النبيل : " ما رأيت الصالح يكذب في شيء أكثر من الحديث " . فذهب إلى أن شواهده في " دراسات محمدية " لجولد تسيهر وأن أتقى العلماء كان يستعمل الغش في الحديث لتأييد أغراض سياسية ومذهبية .

وقد بين الإمام مسلم أن الكذب يجري على لسانهم ولا يتعمدونه . وقال يحيى بن سعيد القطان : " ما رأيت الكذب في أحد أكثر منه فيمن ينسب إلى الخير والزهد " والكذب هنا على لغة أهل الحجاز وهو مطلق الخطأ .

ويرى كولسون وكيوم أن المحدثين يبحثون في الأسانيد شكلياً بدون الاهتمام بنقد المتون .

يقول كولسون : " إذا كانت سلسلة الإسناد متصلة ، وكان كل فرد من أفراده عدلاً - من وجهة نظرهم - فحينئذ قبلوا الحديث وصار شرعاً واجباً ، ولا يمكن بسبب الإيمان السؤال عن متن الحديث لأنه وحي إلهى فلا يقبل أي نقد تاريخي " .

ويقول كيوم : " متى اقتنع البخاري بتحديد بحثه في سلسلة الرواة في السند مفضلاً ذلك على نقد المتن ، صار كل حديث مقبول الشكل حتمياً بحكم الطبع " .

نور العين
09-Nov-2004, 11:49 PM
أمثال السنة النبوية


أمثال عاقبة الهوى (2-2)

سبقت الإشارة في الجزء السابق من هذا الموضوع , إلى أن اتباع الهوى المذموم قد يكون في أمور الدين والمعتقد , وهي أهواء الشبهات , وقد يكون في أمور المعاصي وارتكاب المحرمات , وهي أهواء الشهوات , وذكرنا مثالاً يشمل هذين النوعين معاً على جهة الإجمال ,
وهو حديث حذيفة رضي الله عنه الذي في صحيح مسلم , وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم الأمثال لهذين النوعين على جهة التفصيل في أحاديث أخرى , فمن الأحاديث التي ضرب النبي صلى الله عليه وسلم فيها مثلا لاتباع أهواء الشبهات ما جاء عن معاوية رضي الله عنه أنه قال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : (ألا إِنَّ مَنْ قَبْلَكُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ , افْتَرَقُوا عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً , وَإِنَّ هَذِهِ الْمِلَّةَ سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثلاثٍ وَسَبْعِينَ , ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ , وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ , وَهِيَ الْجَمَاعَةُ , وَإِنَّهُ سَيَخْرُجُ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ تَجَارَى بِهِمْ تِلْكَ الأهواء , كَمَا يَتَجَارَى الكَلَبُ بِصَاحِبِهِ ,لا يَبْقَى مِنْهُ عِرْقٌ ولا مَفْصِلٌ إلا دَخَلَهُ .) رواه أبو داود .

فهذا المثل الوارد في الحديث يبين خطورة البدع واتباع الأهواء على دين المرء , فقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم افتراق الأمم الكتابية قبلنا إلى فرق كثيرة , على الرغم من إرسال الرسل إليهم , وإنزال الكتب عليهم , ومع ذلك فقد حصل بينهم الافتراق والتنازع , ثم بين عليه الصلاة والسلام أن هذه الأمة ستقع فيما وقع فيه أهل الكتاب من قبل , وستفترق فيما بينها الافتراق المذموم , في المعتقد وأصول الدين , والسبب في الحالتين واحد , وهو اتباع الأهواء , وعدم الاستسلام التام للنصوص الشرعية , والاحتكام للعقول القاصرة والآراء الفاسدة , وبين صلى الله عليه وسلم أنه لن ينجو من هذه الفرق كلها , إلا فرقة واحدة , هي التي تمسكت بما كان عليه هو وأصحابه , قولا وعملا واعتقادا , ثم شبه النبي صلى الله عليه وسلم خطر أهواء الشبهات , بداء الكَلَب , وهو داء يصيب الإنسان إذا عضه الكلب , فيصبح كالمجنون , وتظهر عليه مجموعة من الأعراض الخطيرة , ويمتنع المصاب بهذا الداء من شرب الماء حتى يموت عطشا , والمقصود من التمثيل أن صاحب البدعة والهوى يصعب عليه أن يتخلص منهما , إلا أن يشاء الله , فإن البدعة تخالط قلبه ,كما يخالط داء الكَلَب صاحبه ,حتى لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله , وهو أيضا يؤثر في غيره بما يلقيه من الشبه والشكوك , كما يؤثر المصاب بهذا الداء على غيره إذا عضه , ولذلك عبر صلى الله عليه وسلم بقوله: (تتجارى بهم تلك الأهواء ) , أي أنها تنتشر بينهم بسرعة كانتشار النار في الهشيم , فيتلقفونها , ويتأثرون بها , وهي سمة مشتركة بين أهل البدع , نسأل الله العافية .

ومن الأحاديث التي ضرب النبي صلى الله عليه وسلم فيها مثلا لاتباع أهواء الشهوات , حديث أبي هريرة رضي الله عنه, أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ النَّاسِ ,كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا , فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ , جَعَلَ الْفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِي تَقَعُ فِي النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا , فَجَعَلَ يَنْزِعُهُنّ,َ وَيَغْلِبْنَهُ فَيَقْتَحِمْنَ فِيهَا , فَأَنَا آخُذُ بِحُجَزِكُمْ عَنْ النَّارِ ,وَهُمْ يَقْتَحِمُونَ فِيهَا ) رواه البخاري .

وهذا المثل يبين خطورة اتباع الشهوات , والانسياق وراء اللذات المحرمة , فقد مثل النبي صلى الله عليه وسلم فيه حاله مع أمته , برجل أوقد نارا , بغرض الإضاءة وطلب الدفء, فلما أضاءت ما حوله تهافتت الفراش والحشرات على مصدر هذا الضوء , لجهلها وعدم تقديرها لمصالحها , وهي لا تعلم أن فيه حتفها وهلاكها , فجعل الرجل يذودها ويذبها عن النار لئلا تحرقها , فلا تستجيب له , بل غلبته وتقحمت هذه النار , واستخدم صلى الله عليه وسلم لفظ الاقتحام , الذي يعبر به عن إلقاء النفس في الهلاك , من غير روية وتثبت ,ومقصود المثل تشبيه أصحاب المعاصي , الذين يندفعون وراء أهوائهم وشهواتهم , من غير روية ولا تفكير في العاقبة , بهذه الحشرات التي بهرها ضوء النار , فسعت إلى ما فيه هلاكها , وأنه صلى الله عليه وسلم بما بعث به من الهداية والنور,كالممسك بحُجَزِهِم , وهي معاقد الإزار من وسط الإنسان , لئلا يقعوا في نار جهنم , التي حفت بالشهوات , كما أخبر صلى الله عليه وسلم , ومع ذلك فإنهم يغَلِّبون هواهم , وحرصهم على تحصيل تلك اللذات والشهوات , فيتفلتون من يده , ويقتحمون هذه النار.

وفي الحديث بيان لما كان عليه صلى الله عليه وسلم ,من الرأفة والرحمة ,والحرص على نجاة الأمة ,كما قال الله عنه { حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ } (التوبة: الآية128) .

فهذه الأحاديث تبين عاقبة اتباع أهواء الشبهات والشهوات , وهي تحث المسلم على أن يجاهد هواه , وأن يكون متيقظا لنفسه ,نسأل الله أن يحفظنا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا والحمد لله رب العالمين .

نور العين
09-Nov-2004, 11:50 PM
أمثال المؤمن والكافر


قضية الإيمان بالله جل وعلا , هي القضية الأساس , التي من أجلها أرسل الله الرسل, وأنزل الكتب , وخلق الخلق , ولذلك عني النبي صلى الله عليه وسلم ببيان حقيقة هذا الإيمان , و نواقضه ,وثماره وآثاره على الإنسان في الدنيا والآخرة ,وضَرَبَ الأمثال التي تبين حال المؤمن والكافر في أحاديث كثيرة , من هذه الأحاديث الحديث الذي رواه الإمام مسلم في "صحيحه" عن كَعْب بن مالك رضي الله عنه قَال :َ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم : (َ مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ الْخَامَةِ مِنْ الزَّرْعِ تُفِيئُهَا الرِّيحُ تَصْرَعُهَا مَرَّةً وَتَعْدِلُهَا أُخْرَى حَتَّى تَهِيجَ وَمَثَلُ الْكَافِرِ كَمَثَلِ الْأَرْزَةِ الْمُجْذِيَةِ عَلَى أَصْلِهَا لَا يُفِيئُهَا شَيْءٌ حَتَّى يَكُونَ انْجِعَافُهَا مَرَّةً وَاحِدَةً )

ففي هذا الحديث مثَّل النبي صلى الله عليه وسلم المؤمن والكافر في تعرضهم لأنواع البلاء في هذه الحياة , فشبه المؤمن بالنبتة الرطبة اللينة التي تؤثر فيها الريح ,فتحركها يمنة ويسرة , وتخفضها تارة وترفعها أخرى , وتظل على هذه الحال حتى تيبس وتنتهي,وهي الخامة من الزرع , ومثّل الكافر أو المنافق ـ كما في بعض الروايات ـ بالشجرة العظيمة التي لا تحركها الريح ولا تزحزحها ولا تؤثر فيها ما دامت ثابتة منتصبة ,حتى إذا أذن الله بانتهائها وفنائها أرسل عليها ريحا عاصفة قوية ,فتقلعها من الأرض دفعة واحدة , وهي شجرة الصنوبر التي تتميز بعظمها وقوتها وتحملها للظروف المناخية السيئة , كما ذكر ذلك شُرَّاح الحديث .

ومعنى الحديث أن المؤمن معرض دائما لأنواع البلاء في هذه الدنيا ,في بدنه وأهله وماله , كما قال الله تعالى : { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِين } (البقرة:155)

والله عز وجل قدر البلاء على المؤمن ليكفر عنه سيئاته ويرفع درجاته , فإنه لا يصيب المؤمن هم ولا حزن ولانصب ولا وصب , إلا كفر الله بها من خطاياه ,حتى الشوكة يشاكها , وإن الرجل ليكون له عند الله المنزلة فما يبلغها بعمل , فلا يزال الله يبتليه بما يكره حتى يبلغه تلك المنزلة , كما أخبر بذلك الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم, وأما الكافر فلا يصيبه شيء من البلاء , وإن أصابه لم يُكَفَّر عنه بسبب ذلك,حتى يموت على حاله , فيلقى الله بذنوبه كلها كاملة موفورة ,من غير أن ينقص منها شئ .

وفي تمثيل النبي صلى الله عليه وسلم للمؤمن بالزرع وللكافر بالشجرة عدة لطائف منها: أن الزرع ضعيف مستضعف , والشجر قوي مستكبر متعاظم , وكذلك حال المؤمن وحال الكافر , وأهل الجنة وأهل النار , كما وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة .

ومنها أن المؤمن يمشي مع البلاء حيثما مشى به , فيلين له , ويقلِّبه يمنة ويسرة , وكلما أداره استدار معه , فلا يضره ذلك البلاء , كما أن الريح العاصفة القوية يسلم منها الزرع , لأنه يلين لها , ولا ينتصب لمواجهتها,
وفيه إشارة إلى تسليم المؤمن ورضاه بأقدار الله التي تجري عليه , وأما الكافر فلكفره وتعاظمه , يتقاوى على هذه الأقدار , ويستعصي عليها , كشجر الصنوبر الذي يستعصي على الرياح , ولا يستسلم لها , حتى إذا أراد الله أن يهلكه , سلط عليه ريحا قوية جدا لا يستطيع مقاومتها , فتقلعه من أصله مرة واحدة .

ومنها أن الزرع ينتفع به الناس بعد حصاده, فإنه يحصده أصحابه ثم يبقى منه بعد حصاده ما يلتقطه المساكين , وترعاه البهائم , وهكذا المؤمن يموت ويخلف ما ينتفع به , من علم نافع , أو صدقة جارية , أو ولد صالح ينتفع به ويدعو له , أما الكافر فإذا اقتلع من الأرض لم يبق فيه نفع ,بل ربما خلف ما يضر , فهو كالشجرة المنجعفة المقلوعة من الأرض لا تصلح إلا لوقيد النار .

ومن لطائف التمثيل أيضا أن الزرع مبارك في حبه وما يخرج منه , كما ضرب الله مثلا للحبة التي أنبتت سبع سنابل , في كل سنبلة مائة حبة , خلافا للشجر , فإن كل حبة غرست منه لا تزيد على إنبات شجرة واحدة .

وكما أن هذا الحب الذي يخرج من الزرع , هو مؤونة الآدميين , وغذاء أبدانهم , وسبب حياتهم, فكذلك الإيمان, هو قوت القلوب ,وغذاء الأرواح , وسبب حياتها , ومتى ما فقدته القلوب ماتت , وموت القلوب لا يرجى معه حياة أبدا , بل هو هلاك الدنيا والآخرة .

ومن اللطائف التي أفادها التمثيل في هذا الحديث أن الزرع وإن كان ضعيفا في نفسه إلا أنه يتقوى بما حوله ويعتضد به , بخلاف الشجر العظام فإن بعضها لا يشد بعضا , وكذلك حال المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم ,كالبنيان وكالجسد الواحد , إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر , ولذلك ضرب الله تعالى مثل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالزرع لهذا المعنى فقال سبحانه : { وَمَثَلُهُمْ فِي الإنجيل كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ } (الفتح: الآية29) فشبهت الآية النبي صلى الله عليه وسلم وبعثته بالزرع لكثرة عطائه وخيره ، وشبهت أصحابه بشطأ الزرع الذي يتقوى الزرع به ويستغلظ ،حتى يعتدل ويستقيم .

فهذا الحديث العظيم فيه تسلية للمؤمن عما يصيبه من محن وابتلاءات في هذه الحياة , فينبغي على العبد أن يستسلم لقضاء الله وقدره , وأن يعلم أن كل ما يصيبه في الدنيا ففيه الخير له , فإن أصابته سراء فشكر كان خيرا له وإن أصابته ضراء فصبر كان خيرا له .

نور العين
09-Nov-2004, 11:51 PM
من أمثال الدعوة الإسلامية في الحديث النبوي

دعوة الإسلام ورسالته من القضايا المهمة التي عني النبي صلى الله على وسلم ببيانها وإيضاحها للناس, وضرب الأمثال لها ،فبين عن طريق ضرب المثل أهداف هذه الدعوة, ومواقف الناس منها ، والنتائج المترتبة على اتباعها في الدنيا والآخرة ، و الآثار السيئة التي سيجنيها من يرفض هذه الدعوة أو يخالفها ، فقد كان صلى الله عليه وسلم حريصا كل الحرص على هداية الناس, وإرادة الخير لهم , ولم يبعث إلا لما فيه نفعهم وسعادتهم في معاشهم و معادهم .

ومن هذه الأمثال النبوية التي بين فيها صلى الله عليه وسلم أقسام الخلق ومواقفهم بالنسبة إلى دعوته وما بعث به من الهدى والعلم ,ما جاء في حديث أبي موسى الأشعري المتفق عليه وفيه قال صلى الله عليه وسلم : (مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً، فكان منها نقية قَبِلتِ الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير, وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصابت منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ ، فذلك مثل من فقه في دين الله ، ونفعه ما بعثني الله به فعَلِمَ وعلّم ، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به) وهذا لفظ البخاري .

ففي هذا الحديث مثل الرسول صلى الله عليه وسلم الناس وتفاوتهم في قبول رسالته والعمل بها, بالأرض في اختلاف تقبلها للماء وانتفاعها به, فشبه ما جاء به من الدين والعلم بالغيث الكثير الذي يعم البلاد والعباد من غير أن يستثني بلداً دون آخر أو طائفة دون أخرى ، وهو من الكثرة بحيث لا يحتاجون معه إلى طلب المزيد , ويأتي الناس وهم في أشد الحاجة إليه . وكذلك رسالته صلى الله عليه وسلم وما جاء به من العلم والهدى, فقد جاءت لعموم الناس قال سبحانه }وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ {(الانبياء:107) وفيها من الخير والصلاح والكفاية للبشرية ما لا يحققه غيرها من الديانات المحرفه والمناهج الأرضية , وكانت الأوضاع قبل بعثته صلى الله عليه وسلم أشد ما تكون حاجة إلى الإصلاح والتغيير عن طريق رسالة سماوية قال عليه الصلاة والسلام واصفا تلك الحالة التي بعث والناس عليها (إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب ) رواه مسلم . وكما أن الغيث سبب لحياة الأبدان ,فإذا هبط على الأرض الميتة منحها الحياة والنضارة والانتعاش ، فكذلك الوحي والعلم سبب لحياة القلوب واستنارتها , وإذا هبط الهدى الإلهي على القلوب والعقول بعث فيها روح الإيمان وأضاءها بنور العلم والحكمة .

وقد شبّه صلى الله عليه وسلم اختلاف مواقف الناس في قبول ما بعث به بأنواع الأرض المختلفة حين ينزل عليها المطر , فذكر لها ثلاثة أنواع :
النوع الأول : هي الأرض الخصبة الزكية القابلة للشرب والإنبات , فإذا أصابها الغيث شربت و ارتوت فنفعت نفسها وأنبتت الزروع والثمار فنفعت غيرها , وهذا مثل الطائفة الأولى من الناس وهم الذين تلقوا هذا العلم فتعلموه وعملوا به فانتفعوا في أنفسهم , ثم بلّغوه ونشروه بين الناس فنفعوا به غيرهم , وفي وصف النبي صلى الله عليه وسلم لهذه الأرض بالنقاء إشارة لطيفه إلى نقاء قلوبهم من كل هوى أو شبهة تحول بينها وبين الانتفاع بالوحي والعلم , ثم إن التمثيل الوارد في الحديث يشير أيضاً إلى الأثر الظاهر لهذا العلم النافع , والمتمثل في الأعمال الصالحة التي تقتصر على العبد نفسه , والأعمال التي يتعدى نفعها وأثرها إلى الآخرين, وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم ( فأنبتت الكلأ والعشب الكثير ) فكما أن خروج الكلأ والعشب من هذه الأرض الطيبة بعدما أمطرت هو نتيجة طبيعية , فكذلك صدور الأعمال الصالحة من المؤمن صاحب القلب النقي الذي لم يتلوث بالأهواء والأخلاط بعد سماعه الوحي وعلمه به هو أمر طبعي أيضا , وهم مع ذلك لهم عناية بأعمال الخير المتعدية من تعليم العلم , والجهاد في سبيل الله , والدعوة, والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , وغيرها مما يتعدى نفعه للناس .

وأما النوع الثاني من أنواع الأرض : فهي الأرض الصلبة الجافة التي يستقر فيها الماء لكنها لا تشربه ولا تنبت الزرع , فهذه الأرض غير قابلة للحياة والنماء والخصب , وإنما نفعها في حفظ الماء للناس لينتفعوا به في الشرب والسقي والزرع وغير ذلك , فهي لم تنتفع بالماء في نفسها بل حبسته لينتفع به غيرها, وهذا مثل الطائفة الثانية من الناس التي انصرفت إلى حفظ الشريعة وإيصالها للناس أكثر من انصرافها إلى العمل , فمن الناس من يحمل المعرفة بالوحي والشرع وليس لديه من الإيمان واليقين والشعور القلبي المتيقظ ما يتناسب مع هذه المعرفة , فلا يقوم بالأعمال الصالحة التي تنتظر من مثله , وإنما هو حافظ لعلم الشريعة يؤديه كما سمعه من غير فقه ولا استنباط , ويبلغه لمن هو أفقه منه وأكثر انتفاعاً وتقبلاً وإيمانا,ً وهذه الطائفة داخلة في المدح , وإن كانت دون الأولى في الدرجة والرتبة, ولذلك دعا لها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله ( نضّر الله امرءاً سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه غيره فإنه رب حامل فقه ليس بفقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ..... الحديث ) أخرجه أحمد .

وأما النوع الثالث من أنواع الأرض : فهي الأرض المستوية الملساء التي لا تشرب الماء , ولا تمسكه فينتفع به غيرها ,ولا تصلح كذلك للإنبات والزرع , وهذا مثل الطائفة الثالثة المذمومة التي لم تحمل الوحي والعلم ولم تعمل بهما فلا هي انتفعت في نفسها ولا هي نفعت غيرها, وهذه الطائفة يلحقها من الذم بقدر ما فقدت من ذلك الخير , فإن كان صاحبها من الذين أعرضوا عن الدين ولم يدخلوا فيه أصلاً , فهذا هو الكافر الذي يستحق الذم كله , وهو الذي لم يرفع بالإسلام رأساً , ولم يقبل هدى الله الذي أرسل به النبي صلى الله عليه وسلم ,وإن كان له نصيب من الإسلام , لكنه لم يتعلم العلم ولم يعمل به ولم يبلغه لغيره فيلحقه من الذم بقدر ما فرط فيه .

فهذا المثل الذي ضربه النبي صلى الله عليه وسلم يدل على عظمة دعوة الإسلام ورسالته وأنها اشتملت على كل خير ونفع للبشرية وإن وجد من الناس من لم ينتفع بهذه الرسالة ولم يستجب لهذه الدعوة فإن العيب منه لا من الإسلام فإن هذا الانتفاع مشروط بنقاء القلب من كل شبهة أو شهوة تعارضه وفي الحديث أيضاً الحث على تعلم العلم وتعليمه للناس .

نور العين
09-Nov-2004, 11:51 PM
مقدمة حول الأمثال النبوية

استعان النبي صلى الله عليه وسلم في قيامه بمهمة التبيين والبلاغ التي كلفه بها ربه عز وجل بشتى أساليب الإيضاح والتعليم ، وفي الذروة من تلك الأساليب يأتي أسلوب ضرب المثل.

وضرب الأمثال في البيان النبوي لم يأت لغاية فنية بحتة كغاية الأدباء في تزيين الكلام وتحسينه، وإنما جاء لهدف إسمى، وهو إبراز المعاني في صورة مجسمة لتوضيح الغامض، وتقريب البعيد, وإظهار المعقول في صورة المحسوس ، كما أن ضرب الأمثال أسلوب من أساليب التربية , يحث النفوس على فعل الخير، ويحضها على البر, ويدفعها إلى الفضيلة ، ويمنعها عن المعصية والإثم، وهو في نفس الوقت يربي العقل على التفكير الصحيح والقياس المنطقي السليم , لأجل ذلك ضرب النبي صلى الله عليه وسلم طائفة من الأمثال في قضايا مختلفة وفي مواطن متعددة .

ولما كان الهدف من ضرب الأمثال هو إدراك المعاني الذهنية المجردة، وتقريبها من العقل، وتكوين صورة لهذا المعنى في المخيلة، ليكون التأثر بتلك الصورة أشد وأقوى من الأفكار المجردة، كثر الاعتماد على هذا الأسلوب في القرآن الكريم , قال سبحانه {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُون } (الزمر:27)

حتى ضربت فيه الأمثال ببعض الأشياء التافهة، كما في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِين } (البقرة:26)
والرسول عليه الصلاة والسلام كان يمر بآيات الأمثال المضروبة للناس ، ويجد أثرها في الرد والتحدي ، والترغيب والترهيب، وكان يعرف دور المثل ومكانته عند قومه، فلا غرابة إذاً أن يحظى المثل باهتمامه صلى الله عليه وسلم مادام وسيلة من الوسائل التي تعينه على أداء هذه المهمة.

والمتأمل للأمثال النبوية يجد التنويع صفة ظاهرة فيها, فقد نوّع صلى الله عليه وسلم في الممثِّل وضارب المثل نفسه, فتارة يسند ضرب المثل إلى نفسه صلى الله عليه وسلم كما في حديث البخاري الذي مثل فيه حاله مع الأنبياء قبله, وتارة يسند ضرب المثل لله عز وجل كما في قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه الإمام أحمد ( إن الله ضرب مثلاً صراطاً مستقيماً..) الحديث, وتارة يسند ضربه للملائكة كما في حديث البخاري
في قصة الملائكة اللذين جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائم والشاهد فيه انهم قالوا إن لصاحبكم هذا مثلاً فاضربوا له مثلاً فضربوا مثلاً لحاله مع أمته .

ونوّع صلى الله عليه وسلم كذلك في موضوع المثل, والغرض الذي سيق لأجله, فضرب الأمثال في مواضيع متعددة ولأغراض شتى من أمور العقيدة والعبادة , والأخلاق والزهد , والعلم والدعوة , وفضائل الأعمال والترغيب والترهيب , وغير ذلك .

ونوّع صلى الله عليه وسلم في أسلوب العرض وطريقة ضرب المثل , فاتخذ لضربه طرقاً متعددة, وأساليب مختلفة ، وسلك في ذلك كل ما من شأنه إيضاح المراد ، وإبرازه ماثلاً أمام الأعين . فمن تلك الأساليب استخدامه للإشارة التي تلفت أنظار السامعين وتعينهم على الفهم ، وفيها تشترك أكثر من حاسة في العملية التعليمية ، فالناظر يرى الإشارة ، ويسمع العبارة ، فيكون ذلك أدعى للتذكر, كما في البخاري في الحديث الذي أشار فيه النبي صلى الله عليه وسلم بإصبعيه عندما أراد أن يقرر أن بعثته مقاربة لقيام الساعة , ومن ذلك أيضاً استعانته بالرسم التوضيحي كوسيلة من وسائل التعليم والإيضاح, عندما تحدث عن قضية اتباع سبيل الله وصراطه المستقيم والتحذير من سبل الشيطان الأخرى .

وقد حرص صلى الله عليه وسلم على ضرب المثل في الأحداث والمواقف المتعددة لأهداف تربوية , ففي بعض المواقف كان يكفيه صلى الله عليه وسلم أن يرد رداً مباشراً لكنه آثر ضرب المثل لما يحمله من توجيه تربوي وسرعة في إيصال المعنى المراد وقد لا يؤدي غيره دوره في هذا المقام , فيراه الصحابة مرة نائماً على حصير وقد أثر الحصير في جنبه فيقولون له : " يا رسول الله لو اتخذنا لك وطاء فيقول : ( مالي وللدنيا ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها ) كما في الترمذي , حتى المشاهد ، التي تمر في حياة الناس ، فلا يلتفتون إليها، ولا يلقون لها بالاً ، يجد فيها صلى الله عليه وسلم أداة مناسبة للتوجيه والتعليم وضرب الأمثال بها, يمر ومعه الصحابة على سخلة منبوذة فيقول لهم: ( أترون هذه هانت على أهلها فيقولون يا رسول الله من هوانها ألقوها فيقول صلى الله عليه وسلم " فو الذي نفسي بيده للدنيا أهون على الله من هذه على أهلها ) رواه أحمد .

هذه الشواهد - وغيرها كثير - تؤكد مكانة الأمثال في السنة النبوية، واهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بها, وضرورة الاعتناء بالأمثال النبوية جمعاً وتحليلاً ودراسة, والاستفادة المثلى منها في مناهجنا التعليمية وبرامجنا التربوية و الدعوية، نسأله تعالى التوفيق لكل خير، والحمد لله رب العالمين.

نور العين
09-Nov-2004, 11:52 PM
أمثال عاقبة الهوى(1-2)

ركّب الله عز وجل في الإنسان مجموعة من الغرائز , التي يهواها ويميل إليها بفطرته , وذلك لضرورة بقائه على هذه الأرض , كميله إلى الطعام والشراب والنكاح , وحبه للمال والتملك , وغير ذلك مما هو مركوز في الفطر , قال عز وجل {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآب } (آل عمران:14) وليتحقق بذلك أيضاً معنى الابتلاء والامتحان , الذي من أجله أوجد الله الإنسان في هذه الحياة ,قال سبحانه {إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً } (الانسان:2) ,وهذا الميل الذي ركب في الإنسان هو الذي يطلق عليه الهوى , وهو ميل النفس إلى ما تحب من الخير أو الشر , فالهوى لا يذم بإطلاق, وإنما يذم إذا تجاوز الحد الشرعي , ولما كان الغالب على متبع الهوى , أنه لا يقف عند الحد الشرعي الجائز , أطلق ذم اتباع الهوى والشهوات في الشرع , لعموم غلبة الضرر .

إذن فالهوى في الأصل ميل النفس إلى ما تهوى , فإن مالت إلى ما يخالف الشرع فهو الهوى المذموم , وإن مالت إلى ما يوافق الشرع فهو الممدوح , وإذا ذكر الهوى مطلقا في الكتاب والسنة , فإنما يراد به الهوى المذموم , يقول ابن عباس رضي الله عنهما : " ما ذكر الهوى في موضع من كتاب الله إلا ذمه ", واتباع الهوى المذموم قد يكون في أمور الدين والمعتقد وهي الشبهات , وقد يكون في أمور المعاصي والمحرمات وهي الشهوات , فهوى الشبهة يوصل صاحبه إلى البدعة والإحداث في الدين, وهوى الشهوة يوصل صاحبه إلى المعصية وارتكاب المحرمات .

وقد تظافرت النصوص الشرعية والآثار عن السلف , على ذم الأهواء , والتحذير من اتباعها , وضرب النبي صلى الله عليه وسلم الأمثال , التي تبين خطورة اتباع الهوى , وعاقبة ذلك , ومن تلك الأحاديث ما رواه الإمام مسلم عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ ,كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا , فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ , وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ , حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ , عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا ,فلا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتْ السَّمَاوَاتُ والأرض , والآخر أَسْوَدُ مُرْبَادًّا ,كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا , لا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا ولا يُنْكِرُ مُنْكَرًا إلا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ . ) .

فهذا الحديث فيه تمثيل للفتن والأهواء , ومواقف القلوب منها , وهو يشمل أهواء الشبهات والشهوات , فشبه صلى الله عليه وسلم تتابع هذه الفتن وتكررها على القلوب , بأعواد الحصير التي ينسجها الناسج , وكلما صنع عودا أخذ آخر ونسجه , وكذلك تعرض الفتن على القلوب , واحدة بعد الأخرى , فمن القلوب من تتأثر بهذه الفتن والأهواء وتتشربها , وكلما قبل القلب فتنة منها , نقط فيه نقطة سوداء , ولا يزال كذلك يقبل هذه الفتن فتنة بعد أخرى , ويزداد سواده يوما بعد يوم ,حتى يسود بالكلية , فإذا وصل إلى هذه المرحلة صار كالكوز , الذي يستعمل في شرب الماء , إذا قلب ونكس خرج منه جميع الماء , ولم يثبت فيه ,وهي إشارة إلى أن الإنسان لا يزال يستمرئ ارتكاب المعاصي ,ويتبع الأهواء حتى ينتكس قلبه والعياذ بالله , فلا يعلق به خير , ولا ينفع فيه نصح , ولا ترجى له توبة , ويصبح صاحب هذا القلب أسيرا للهوى , فهو الذي يقعده ويقيمه , فإن تكلم فبهوى , وإذا صمت فلهوى , وإذا فعل فلهوى , وإذا ترك فلهوى , قد أصمه الهوى وأعماه ,فلا يعرف معروفا , ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه , ومن القلوب من لا تتأثر بهذه الفتن والأهواء ,فتنكرها ولا تقبلها , وكلما أنكر القلب فتنة منها , نقط فيه نقطة بيضاء , ولا يزال كذلك يرفض هذه الفتن , ويزداد بياضه يوما بعد يوم ,حتى يبيض بالكلية , وإذا وصل إلى هذه الدرجة صار كالحجر الأملس الذي لا يعلق به شيء ,فلا تؤثر فيه الفتن حينئذ , ولا تضره ما دامت السماوات والأرض .

ومن فوائد الحديث أن الهوى لا بد من مجاهدته ومدافعته في بداية الأمر , قبل أن يقوى الداعي إليه في نفس العبد , فيعسر عليه أن يقاومه بعد ذلك , فصاحب القلب الأول في الحديث كان من الأسهل له أن يدفع الفتن في بداية أمرها , أما بعد أن يسود القلب, ويستحكم الهوى , فعندها لا يستطيع صاحب هذا القلب أن يقاوم أي فتنة تعرض عليه إلا أن يشاء الله , وصاحب القلب الثاني الذي جاهد هذه الفتن , ودافعها في أول أمرها , ووجد في ذلك مشقة وعناء ,قد جنى ثمرة هذه المشقة والمجاهدة في النهاية ,حيث قوي قلبه وازداد نوره ,وأصبح عنده مناعة ضد هذه الفتن ,فلم يعد يجد من العناء ما كان يجده في أول الأمر .

ومن خلال ما سبق يتبين لنا خطورة اتباع الهوى , وضرورة اجتنابه , والحذر منه ,لأن الفتن متلاطمة , والنفوس ضعيفة , وهي كثيرا ما تنساق وراء الأهواء من حيث تشعر أو لا تشعر ,فالواجب على المسلم أن ينتبه لنفسه وأن لا ينساق وراء أهوائها حتى لا تقوده إلى مواضع الهلاك .قال عز وجل : { فَأَمَّا مَنْ طَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى } (النازعـات 38ـ41) والحمد لله رب العالمين .

نور العين
09-Nov-2004, 11:53 PM
للموضوع تتمه ..............................

ضَنآإآنِي إآلْشٌوؤقْ
10-Nov-2004, 11:50 AM
الله يجزاك خير نور العيون وننتظر الباقي

تحياتي

نور العين
12-Nov-2004, 11:07 PM
نفعنا الله وإياكم بها بوسعود ....


نور العين

نور العين
12-Nov-2004, 11:08 PM
أمثال أمل الإنسان وأجله

الأمل هو حادي العمل ، ولا ينشط المرء للعمل إلا ولديه طموحات وأهداف يسعى إلى تحقيقها ، وهذا مما يميز الإنسان عن سائر الحيوان , وإذا فقد الإنسان الأمل بالكلية لم يستطع العيش , ولهذا قال الشاعر :
أعلل النفس بالآمال أرقبها ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل

ولا يتصور أبدا أن يوجد إنسان سوي يعيش في هذه الحياة بدون أمل يتطلع إليه , ويسعى لتحقيقه , إن هذا ينافي فطرة الإنسان ونفسيته ,وطبيعة دوره على هذه الأرض, ولذلك قال صلى الله عليه وسلم كما في سنن أبي داود ( أصدق الأسماء حارث وهمام) لأن هذا الوصف هو الموافق لطبيعة الإنسان ,فكل إنسان لا يخلو من كسب وهم ,وأمان وآمال ,وهذه الأماني والآمال ,لا تنتهي ما دام المرء على قيد الحياة , لكن إذا استرسل العبد في آماله ,واستسلم لأحلامه , نسي الآخرة , وأحب البقاء والخلود في الدنيا , وكره كل ما من شأنه أن يحول بينه وبين تحقيق تلك الآمال ,و من أجل ذلك جاءت النصوص الشرعية ,وكلام السلف وعلماء السلوك ,محذرة من طول الأمل ونسيان الأجل, والركون إلى الدنيا ,قال الله عز وجل مخاطبا نبيه عليه الصلاة والسلام في شأن الكافرين { ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } (الحجر:3) أي دعهم يشتغلوا بدنياهم ,ويتوقعوا طول الأعمار ,وتلهيهم الآمال والأماني ,عن الاستعداد للقاء الله ,والعمل لما بعد الموت ,فسوف يعلمون سوء صنيعهم إذا باغتهم الأجل ,وعاينوا الجزاء على أعمالهم ,وقد ضرب نبينا صلى الله عليه وسلم الأمثال لقضية الأمل والأجل في أحاديث كثيرة , منها ما جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: خَطَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطًّا مُرَبَّعًا , وَخَطَّ خَطًّا فِي الْوَسَطِ خَارِجًا مِنْهُ ,وَخَطَّ خُطَطًا صِغَارًا إِلَى هَذَا الَّذِي فِي الْوَسَطِ مِنْ جَانِبِهِ الَّذِي فِي الْوَسَطِ , وَقَال : ( هَذَا الْإِنْسَانُ وَهَذَا أَجَلُهُ مُحِيطٌ بِهِ ,أَوْ قَدْ أَحَاطَ بِهِ ,وَهَذَا الَّذِي هُوَ خَارِجٌ أَمَلُهُ ,وَهَذِهِ الْخُطَطُ الصِّغَارُ الْأَعْرَاضُ ,فَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا ,وَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا .) رواه البخاري .

ففد أراد عليه الصلاة والسلام من خلال هذا المثل , أن يبين حقيقة هامة يغفل الناس عنها, ألا وهي أن آمال الإنسان لا تنتهي ولا تقف عند حد ,وأن أجله أقرب إليه من أمله, واستخدم صلى الله عليه وسلم الرسم التوضيحي لإيصال هذا المعنى ,وهو من الوسائل التعليمية المهمة ,ومن المسلمات لدى التربويين , أنه كلما زاد عدد الحواس التي تشترك في الموقف التعليمي، زادت فرص الإدراك والفهم، كما أن المتعلم يحتفظ بأثر التعليم فترة أطول , فرسم صلى الله عليه وسلم مربعا في الأرض ,يمثل أجل الإنسان الذي يحيط به من كل جانب ,ولا يستطيع أن يخرج عنه أو يتجاوزه , أو يقدم فيه أو يؤخر , ثم رسم في وسط هذا المربع خطا طويلا قد خرج خارج المربع وابتعد عنه ,وهذا الخط يمثل آمال الإنسان العريضة البعيدة , التي تُغفِل الأجل , ولا تحسب له أي حساب , فهو يؤمل ويؤمل , وأجله أقرب إليه من كل تلك الآمال كما قال الأول :
نؤمل آمالا ونرجو نتاجها وعل الردى مما نرجيه أقرب

ثم رسم خطوطا صغارا على جانبي هذا الخط الذي في وسط المربع , وهذه الخطوط تمثل الآفات والعاهات التي يتعرض لها الإنسان حال حياته ,فإن سلم من واحدة لم يسلم من الأخرى , وإن سلم من الجميع ولم تصبه آفة , باغته الأجل فجأة , وعبّر صلى الله عليه وسلم عن طروء هذه الآفات بالنهش , وهو لدغ ذ وات السم , للمبالغة في الإصابة بهذه الآفات , وتألم الإنسان بها , وهكذا الأعراض في الدنيا , إن تجاوز هذا العرَض ,لدغه العرَض الآخر , والمقصود من الحديث ,التعجب من حال الإنسان , وكيف أن الأجل لا يفوته ,بل هو محيط به من جميع جوانبه , وهو معرض قبل ذلك للآفات والأخطار التي تهدد حياته ,وتكدر عيشه , ومع ذلك يؤمل أملا قد جاوز أجله .

ومن خلال هذا التمثيل في الحديث يتضح لنا أنه ينبغي على المسلم أن يكون قصير الأمل, مستعدا لحلول الأجل , وأن يكثر من ذكر الموت على الدوام , فإن ذلك هو الذي يدفع الإنسان إلى الاجتهاد في العمل الصالح , وانتهاز فرصة الحياة , قبل أن تطوى صحائف الأعمال .
وإذا علم ذلك دفعه إلى الاجتهاد في العمل وانتهاز الفرص قبل أن تطوى صحائف الأعمال .

نور العين
12-Nov-2004, 11:08 PM
أمثال النبي صلى الله عليه وسلم والأنبياء

خلق الله عباده حنفاء موحدين ، ومنذ أن أهبط آدم عليه السلام إلى الأرض كان معه التوحيد والإيمان , واستمر التوحيد في ذريته عدة قرون حتى اجتالتهم الشياطين , وفسدت الفطر , وظهر الشرك في الناس , فاقتضت رحمة الله عز وجل بعباده إرسال الرسل إليهم لهدايتهم , وردهم إلى التوحيد والإيمان , وتخليصهم من الشرك وآثاره , قال سبحانه {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم} (البقرة:213)

ففي هذه الآية يبين الله عز وجل أن الناس كانوا أمة واحدة أي على طريقة واحدة من الهدى والتوحيد , حتى وقع الانحراف , وطرأ الشرك على الناس , فاستلزم ذلك إرسال الرسل إليهم لردهم إلى الجادة وإلى أصل الفطرة التي فطروا عليها , فكان أول نداء يوجهه كل نبي إلى قومه" يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره" . ولما كانت الغاية التي بعث بها جميع الأنبياء ودعوا إليها واحدة , ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثلاً لذلك في الحديث الذي في البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه حيث قال عليه الصلاة والسلام : ( أنا أولى الناس بعيسى بن مريم في الدنيا والآخرة , والأنبياء إخوةٌ لعلاّت , أمهاتهم شتى ودينهم واحد ) فهذا الحديث يوضح أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كالإخوة لأب , أمهاتهم مختلفة وأبوهم واحد , فقدمثل النبي صلى الله عليه وسلم اتفاقهم في التوحيد والإسلام وأصول الإيمان باشتراك الإخوة لأب في أب واحد , ومثل اختلافهم في فروع الشرائع باختلاف هؤلاء الإخوة في أمهاتهم , إذا فدين الأنبياء عليهم السلام واحد, ودعوتهم واحدة , وهي الإسلام بمعناه العام , الذي يعني الاستسلام لله عز وجل وتوحيده وإفراده بالعبادة دون ما سواه , قال تعالى : {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ} (آل عمران: من الآية19) . كما أن هناك أموراً أخرى اتفقت عليها جميع الأديان والرسالات ودعت إليها , وهي الأخلاق والقيم التي فطر الله الناس عليها , فقد تضمنتها دعوة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام , ولا يمكن أن يعتريها تبديل أو تغيير أو نسخ , مثلها مثل التوحيد وأصول الإيمان , ومن أمثلة تلك الأخلاق والقيم , بر الوالدين , وإقامة القسط بين الناس , وتحريم الفواحش والظلم وقتل النفس بغير حق, وغير ذلك من محاسن الأخلاق ,وماعدا ذلك فقد جعل الله لكل رسول شريعة خاصة به لقومه , قال سبحانه } لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجا{ (المائدة: من الآية48) . حتى ختم الله جميع الرسالات والشرائع بما أنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم , من الرسالة الخالدة , والشريعة الكاملة الشاملة , التي كتب الله لها البقاء والخلود والقيام بمصالح العباد في كل زمان ومكان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها

, وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم الأمثال على كمال هذه الرسالة , وكيف أن الله ختم بها جميع الرسالات , روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بَيْتًا فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ وَيَعْجَبُونَ لَهُ وَيَقُولُونَ هَلَّا وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ قَالَ فَأَنَا اللَّبِنَةُ وَأَنَا خَاتِمُ النَّبِيِّينَ) ففي هذا الحديث مثل النبي صلى الله عليه وسلم هذا الموكب الكريم موكب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وتعاقب إرسالهم إلى الناس بالبيت الذي أسست قواعده ، ورفع بنيانه , وقد اعتنى صاحبه عناية شديدة بعمارته وتزيينه حتى بلغ الغاية في الحسن والجمال , ولم يبق له إلا موضع حجر في زاوية به يتم هذا البناء ويكتمل حسنه وجماله , فشبه النبي صلى الله عليه وسلم نفسه وما بعث به من الرسالة الخاتمة , بهذا الحجر الذي اكتمل به هذا البنيان , فبمبعثه عليه الصلاة والسلام ختمت الرسالات , وتمت الشرائع , وقامت الحجة على العباد ,وجمع الله عز وجل في هذه الشريعة ما تفرق في الشرائع السابقة من الخير والهدى , فجاءت بجميع مصالح العباد الدنيوية والأخروية , منظمة لنواحي حياتهم المختلفة , مغنية لهم عما سواها في جميع شؤونهم , ولو طال بهم الأمد , واختلفت الأحوال والظروف , حضارة وثقافة , وقوة وضعفاً .

نور العين
12-Nov-2004, 11:09 PM
من أمثال فضائل الأعمال في الحديث النبوي
النفس البشرية تتطلع دائما إلى ما يحقق لها السعادة والنجاح , ويكفل لها الفوز والفلاح, ويعود عليها بالنفع والمصلحة , وهي تخشى وتضيق من كل ما يجلب لها الشقاء , ويعود عليها بالضرر والهم والحزن , ومن هنا كان الترغيب في بعض الأعمال وذكر فضائلها , والترهيب من أعمال أخرى وذكر مساوئها , له أثره البالغ في حث النفوس على الخير والفضيلة , وإبعادها عن الشر والرذيلة ، ففي الترغيب تشويق للعمل , وحث على البذل , وحفز للهمة , وشحذ للعزيمة, وفي الترهيب تخويف وردع , وتحذير من طول الأمل , ودفع إلى تطهير النفس من الأرجاس ، من أجل ذلك ضرب النبي صلى الله عليه وسلم الكثير من الأمثال في أبواب فضائل الأعمال تحقيقا لهذا الغرض ، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر ثلاثة نماذج :

الأول في بيان حثه عليه الصلاة والسلام على الصدقة والإنفاق في سبيل الله, و تحذيره من البخل والإمساك، وذلك في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( مثل البخيل والمنفق كمثل رجلين عليهما جُبَّتان من حديد من ثُدَيِّهما إلى تراقيهما , فأما المنفق فلا ينفق إلا سبغت أو ـ وفرت ـ على جلده حتى تخفىَ بنانه وتعفوَ أثره , وأما البخيل فلا يريد أن ينفق شيئا إلا لزِقت كل حلقة مكانها , فهو يوسِّعها ولا تتسع ) رواه البخاري .

ففي هذا الحديث ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثلاً للبخيل والمتصدق حيث شبههما برجلين أراد كل واحد منهما أن يلبس درعا ليستتر به من سلاح عدوه , وهما الجُبَّتان أو الجُنَّتان كما في بعض الروايات , فأدخل كل واحد من الرجلين درعه من جهة رأسه , وعالجها لتنزل على جسمه , والعادة في الدروع أنها تلبس في الصدر , لتغطي المساحة بين ثدي الإنسان وترقوته , من أجل كمال الوقاية والتحصن , فأما المنفق فهو كمن لبس درعا واسعة ساترة لجميع بدنه ,فهي من الوسع بحيث يستطيع معها صاحبها أن يمد يده ويتحرك بكل سهولة ويسر , وهي أيضاً من الطول والستر والحصانة بحيث تغطي جميع جلده وأطراف أصابعه وتخفي كل آثاره , وأما البخيل فهو كمن لبس درعاً ضيقة جداً قد استحكمت عليه حلقاتها , فلم تدع له مجالاً لكي يمد يده ويحركها بحريه ,ولايستطيع مع ذلك أن يوسعها أويتحكم فيها , ومقصود المثل أن الجواد والمنفق إذا همّ بالصدقة انفسح لها صدره , وطابت بها نفسه , فتوسعت في الإنفاق والبذل , بخلاف البخيل الذي كلما همّ بالصدقة شحت نفسه , فضاق صدره , وانقبضت يداه , والحديث يشير أيضاً إلى أن الإنسان إذا عود نفسه البذل والعطاء صار ذلك سجية له وعادة , وكذلك إذا عودها الشح والإمساك اعتاد ذلك فلا يستطيع بعدها التخلص منه ,ولذلك قيد عليه الصلاة والسلام هذا الدرع بكونه من حديد , إشارة إلى أن القبض والإمساك من جِبِلّة الإنسان وفطرته مما يحتاج معه إلى مدافعة ومغالبة .

وأما النموذج الثاني فهو ترغيبه عليه الصلاة السلام في الصلوات الخمس , وحثه على المحافظة عليها , فقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثلا لذلك في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( أ رأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات هل يبقي من درنه شيء قالوا : لايبقى من درنه شيء قال : فذلك مَثَل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا ) متفق عليه .
ففي هذا الحديث شبه النبي صلى الله عليه وسلم الصلوات الخمس في تطهيرها للمسلم من الذنوب بالنهر الجاري في تنظيفه للبدن من الأوساخ , وبدأ المثل بهذا الاستفهام الذي يدل على التأكيد والتقرير , فكما أنه لا يمكن أن يتصور وجود شيء من الأقذار والأوساخ في بدن الإنسان وصاحبه يغتسل كل يوم خمس مرات , فكذلك لا يتصور أن يبقى شيء من ذنوب العبد وخطاياه وهو يتطهر منها كل يوم خمس مرات بهذه الصلوات المفروضات , ولذلك كان جواب الصحابة رضي الله عنهم يحمل معنى التأكيد، فلم يكتف الصحابة بقولهم لا بل أعادوا اللفظ للتأكيد والمبالغة في نفي الدرن ، وفي الحديث أيضا تمثيل للذنوب والمعاصي بأنها أقذار وأوساخ يتدنس الإنسان بفعلها , ولذلك فهو يحتاج إلى أن يتطهر منها على الدوام .

والنموذج الثالث ترغيبه عليه الصلاة والسلام في الذكر , وبيان فضل الذاكر على غيره ، وذلك في حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه وفيه قال صلى الله عليه وسلم : ( مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت ) رواه البخاري .
فذكر الله تعالى حياة القلب , وغذاء الروح , وهو يصل العبد بربه , ويوثق الرابطة بينه وبين خالقه ، وهذه هي الحياة الحقيقية حياة القلوب والأرواح , لا حياة الأجساد والأشباح ، والذي لا يذكر الله هو في الحقيقة ميت وإن عاش بين الأحياء , كما قال الشاعر :
فنسيان ذكر الله موت قلوبهم وأجسامهم قبل القبور قبور
وأرواحهم في وحشة من جسومهم وليس لهم حتى النشور نشور .

هذه بعض النماذج التي حث النبي صلى الله عليه وسلم فيها على أعمال معينة عن طريق ضرب الأمثال وغيرها كثير مما لم يذكر .

نور العين
12-Nov-2004, 11:09 PM
تم بحمد الله

اللي عنده أي إضافات يحب يحطها.....يتفضل....


نفعنا الله وإياكم بها...

طير الاوصاف
20-Nov-2004, 04:11 AM
????????

الله يجزاك خير نور بس لو توضحين اكثر نكون شاكرين لك

تحياتي"؟"؟"طير الاوصاف"؟"؟"